غابت الكاميرات.. فغاب المرشحون الفضيحة لمنصب رئيس الجمهورية!

حجم الخط
0

سليم عزوز

غادرت الكاميرات مقر اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر، فقل عدد المتوافدين إليها، والذين ذهبوا الى هناك ليحصلوا على لقب ‘المرشحين المحتملين’، على نحو أصبح فيه عددهم بعدد نجوم السماء، ولن يكلف الأمر المرء سوف أن يسحب استمارة للترشيح، توزع مجاناً ليتعامل معه الإعلام على انه غنيمة حرب، وكلما كان شخصية كاريكاتورية، كلما اهتمت به الفضائيات باعتبار أن الخبر هو في عض رجل كلباً، وليس في عض كلب رجلاً، على نحو من تجرأوا على الترشح للمنصب، وبشكل دفع بشخص لأن يتحسر على زمان مبارك في اتصال هاتفي ببرنامج ‘مصر الجديدة’ لصاحبه معتز الدمرداش، والذي كان يستضيف عدداً من هؤلاء المرشحين الكوميديان، فأطلق احد ‘المرشحين المحتملين’ في الأستوديو.. ‘زغرودة’ معتبرة!

البعض اعتبر أن ما يجري يتم مع سبق الإصرار والترصد حتى نصل الى ما قاله صاحب المداخلة الهاتفية سابقة الذكر، ونتحسر على زمن حسني مبارك، واستمعت الى من يعلق التهمة في رقبة الإعلام الذي يقوم بحملة غير بريئة تستهدف أن نصل الى ما قيل، فأطلق على أثره ‘المرشح المحتمل’.. ‘زغرودة’، جعلتنا نتذكر أن الجيل الجديد من النساء لم يعد يهتم بهذا ‘الفن العربي الأصيل’، والزغاريد على طول التاريخ وعرضه، هي اختصاص نسائي خالص، ولا أظن مثلاً أن جمانة نمور تستطيع أن تطلق ‘زغرودة’ كتلك التي أطلقها سعادة ‘المرشح المحتمل’، دعك من منى الشاذلي لان ‘الزغرودة’ تخرج من الحنجرة، في حين أن صاحبتنا لا تستخدم حنجرتها، وإنما توفرها لوقت تبح فيه الحناجر، أبيض على كل مظلوم اسود على كل ظالم، وصاحبتنا تتحدث من معدتها، ولا تخرج الزغاريد من ‘بيت الداء’ البتة!

لم أتعامل مع الموقف كما تعامل معه البعض، ممن تحسروا على زمن حسني مبارك وطالبوا بعودته من باب أن هذا أفضل من ترك هذه الكائنات تندفع الى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، فاختيار مبارك نفسه كان بداية الاستهانة بمنصب رئيس الدولة في مصر، وهو الذي كان يطلق عليه المقربون من الرئيس السادات الذي اختاره نائباً له لقب ‘البقرة الضاحكة’.. وقد حكمت ‘البقرة الضاحكة’ مصر على مدى ثلاثين عاماً، وكانت ثالثة الأثافي أننا أطلقنا عليه بعد ذلك ألقاباً من نوعية ‘الرئيس الحكيم’، وقال هو انه حاصل على الدكتوراه في العناد!

انتهيت تواً من قراءة كتاب ‘الأيام الأخيرة لنظام مبارك’، وهو كتاب كما قلنا في الأسبوع الماضي من النوعية طويلة التيلة ومؤلفه هو عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري، أو ‘عب لاتيف مناوي’ بحسب النطق الاستشراقي للمذيعة الأعجمية سلمى الشماع، وفيه يؤكد ان العناد ظل من طبيعة مبارك الى ان تنحى، ولم يكن بمقدور احد أن يقول الحقيقة أمامه، بمن في ذلك أجهزة تردد أنها هي من حملته على التنحي ولم يكن هذا صحيحاً، فحتى الحقيقة لم يكن احد يجرؤ على قولها له، فمن أين تأتي الشجاعة لإجباره على ذلك؟!

الجدار المائلالإعلام هو الحلقة الأضعف في الموضوع، وهو ‘الجدار المائل’، والمسؤول الحقيقي عن هذه المسخرة هو اللجنة العليا للانتخابات، والرجل الأول فيها هو من جاء به مبارك متخطياً الرقاب، ومن محكمة أدنى لرئاسة المحكمة الدستورية العليا في أيامه الأخيرة، والرجل الثاني هو صاحب فضيحة سفر المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي، وبدلاً من أن يكون دور اللجنة هو تلقي أوراق الترشيح المستوفاة، إذا بها تتعامل بكرم حاتمي، فتتيح للجميع الحصول على اللقب السابق بمجرد سحب الاستمارة، حتى وان كان من المستحيل أن يستوفي الساحب شروط الترشح، وهو أمر صعب للغاية على ‘الكائنات الطفيلية’ التي يحتفي بها الإعلام، والتي تتنافس برامج ‘التوك شو’ بالفضائيات المصرية على الاحتفاء بها، وما أظنها تسعى لدفع الناس للتحسر على زمن مبارك فلا يوجد عاقل رشيد بإمكانه ان يتحسر على مبارك وزمانه وأيامه، وهو رجل انتهى زمانه، ولست مع الذين يبدون كما لو كانوا اكتشفوا مفاجأة مذهلة أنه قانوناً يجوز له الترشح، فليترشح لنستمتع بعرض جديد، بعد ان مللنا عرضه في السرير من المحكمة واليها، ويظل أكثر من أربع ساعات دون ان يتناول دواء، ولو دواء الكحة!

البعض نفخ في موضوع الفلول من قبل، وتخوف من إجراء الانتخابات البرلمانية، وكان مما قيل أنهم من يحكمون الصعيد، ولدينا كتاباً وإعلاميين يتحدثون عن الصعيد كما لو كانوا يتحدثون عن الهنود الحمر قبل غزو رعاة البقر لبلادهم، وقلت في أكثر من برنامج تلفزيوني، وكتبت أكثر من مرة أن الصعيد سيعطي الفلول درساً لن ينسوه ولم يصدقني احد، إلى أن أجريت الانتخابات وسقط من ترشح منهم، وكثيرون علموا ان المزاج العام قد تغير بعد الثورة فكانوا عقلاء ولم يترشحوا، وإذا لم يوجد البديل عن الاختيارات الحالية المخيبة للآمال، فسوف يعود الناس مرة أخرى لانتخاب الفلول كنواب لكن ليس الى حد التفكير، مجرد التفكير، في انتخاب مبارك أو التحسر على أيامه.

كنت أشاهد ‘المرشحين المحتملين’ الذين تحتفي بهم برامج ‘التوك شو’ باعتبارها فقرات ضاحكة، لكن غيري تعامل بحساسية بالغة الى درجة اتهام هذه الفضائيات في ولائها، وأنها تضع السم في العسل، مع أننا في مرحلة التحول الكبير وكثير من الإعلاميين الفلول يتحدثون الآن، كما لو كانوا هم من فجروا الثورة، حتى لميس الحديدي المسؤولة في لجنة الدعاية للرئيس المخلوع، ركبت ناقة الثورة وشرخت، وربما تضع السم، على هذا النحو، لكني لا استطيع، ولأسباب لها علاقة بالسلامة العامة، ان أشاهد لها حلقة كاملة، لأن صوتها على ‘سرسعته’ يعطي السامع احساساً بزحمة أصوات، وعلى نحو يذكرني باللحظة الأولى التي قابلت فيها القاهرة وجهاً لوجه وفي ميدان رمسيس، أكثر الميادين زحاماً وإزعاجا، وكنت قادماً حينها من الهدوء القاتل، حيث الخيل والليل والبيداء تعرفني!. الضوضاء تزعج قولوني العصبي، وتدافع أصوات لميس وجيرانها يجعلني أذهب الى ‘روتانا سينما’ المحطة المفضلة لحسني مبارك بحسب قول شهود عيان، اذ كان يجد فيها الراحة الأبدية، لكن لا أظن ان أحداً في الإعلام الآن لديه استعداد لمعاداة الثورة، إلا عندما تقع أزمة بين المجلس العسكري الحاكم والثوار، حينئذ فان بعض الفضائيات تذكرنا بمرحلة الثورة عندما كانت الآلة الإعلامية مسخرة للتشهير بهم!

من العيار الثقيلومن هنا فان برامج ‘التوك شو’ باستضافة ‘المرشحين’ من الفصيلة سالفة الذكر إنما تستهدف المنافسة وتقديم الأفضل من ناحية الإثارة للمشاهد، ومن أفضل الشخصيات التي قدمت هو هذا الرجل، الذي بدا متكلفاً وهو يضع ساقاً على أخرى بافتعال واضح ليؤكد جدارته بالمنصب، وعندما سئل عن شهادته العلمية.. وقال والذين حصلوا على الشهادات ماذا صنعوا؟.. لقد حكمنا طيار فماذا فعل؟!

وقد كانت فقرته كوميديا من العيار الثقيل، لكن البعض لم ينظروا إليها على هذا النحو، وتعامل بجدية صارمة مع الموقف، فلم تكن هذه البرامج بالنسبة لهم مسلية، وإنما كانت سبباً في إثارة القولون، واعتقد، والله اعلم، أن جمع قولون ‘قوالين’، على وزن ‘كوالين’، وأحد ‘المرشحين المحتملين’، ساحب استمارة الترشيح، كان لصاً مهمته ‘تطفيش الكوالين’ وفتح الأبواب المغلقة وسرقة الشقق، وقد ألف كتاباً ربما جاء عنوانه: ‘كيف تحمي شقتك من السرقة’؟!

، إن لم تخني الذاكرة، وفيه يقدم النصائح الغالية للقراء في كيفية حماية كل منهم ‘لكالونه’، وما هي نوعية ‘الكوالين’ العصية على السرقة، وهو يرى أن عمله السابق كلص سيجعله الأجدر بالتعامل مع لصوص النظام البائد!

ربما لكون جرعة ‘الكوميديا’ زائدة عن الحد، فان هذا هو ما دفع الفضائيات للتوقف عن استضافة هذه النوعية من المرشحين، ولم يكن التوقف مرده الى سعي القائمين على برامج ‘التوك شو’ المحافظة على ‘قولون’ المشاهد، فقد حصلت حالة من التشبع، وتوقفت الكاميرات عن الذهاب الى لجنة الانتخابات الرئاسية، فتوقف بالتالي السيل المنهمر من ساحبي استمارات الترشيح من الذهاب إليها والحصول على لقب ‘المرشح المحتمل’. أنصار نظرية المؤامرةالمعالجة على طريقة ‘الحملة الإعلامية’ هو ما دفع أنصار نظرية المؤامرة الى القول ان استضافة هؤلاء هو عملية مستهدفة ليتحسر المصريون على زمن حسني مبارك، إزاء هذا التجرؤ على منصب رئيس الدولة، وفي تقديري أن السبب في هذا مرده الى ‘الفراغ’، وبكلام كبير هو كاشف عن حجم التحديات التي تواجه الإعلام في المحروسة، فالإعلام يتكلم لغة واحدة ويناقش قضايا واحدة وموضوعات واحدة. فالموضوع الواحد يناقش في كل الفضائيات تقريباً، وبنفس الضيوف تقريباً، فلم يعد هناك تميز، ولم يعد هناك مبرر للازمة معتز الدمرداش فاصل وسنعود ‘أوعوا تروحوا في حتة تانية’، فصار هناك من يناضل في سبيل ان يجد له موضوعاً لم يسبق ان طرقه برنامج آخر!

لدرجة ان صاحبة برنامج ‘العاشرة مساء’ استضافت زعيم دولة الإنشاد الديني الشيخ ياسين التهامي، من باب الاستراحة من الموضوعات السياسية، فاستضافه في اليوم التالي معتز الدمرداش صاحب برنامج ‘مصر الجديدة’، للعلم فان برنامجاً يحمل نفس الاسم يقدمه خالد عبد الله على ‘قناة الناس’، فهناك تزاحم على الأسماء، واكتب في جريدة مصرية زاوية تحمل عنوان ‘بيت القصيد’، فجاء نجل الشيخ يوسف القرضاوي وجعلها عنواناً لزاوية له، ولفت انتباه القائمين على الصحيفة بأن هذا لا يجوز مهنياً، لكنهم خشوا من أن يكلموه فيغضب، وهو سريع الغضب وقد يرحل مخلفاً وراءه غباراً كثيفاً، وبعض وسائل الإعلام المحسوبة على الفلول أو على أطراف تابعة للنظام البائد، تتقاسم المحسوبين على الثورة، في إطار سياسة ‘تبييض المواقف’، وفضائية بعينها اعتمدت احد الشيوخ والذي يحمل لقب ‘خطيب الثورة’ مراسلاً لها من ميدان التحرير.

لم أشاهد الشيخ ياسين التهامي في البرنامجين، لكني شاهدته في برامج سابقة، وأيقنت انه بحاجة الى من يعرف مفاتيح شخصيته، فيدفعه للكلام وكأنه جالس بين مريديه، فقد بدا الكلام يخرج من فمه ‘بالقطارة’، وبدا خجولاً الى حد كبير، على الرغم من انه في مجاله يبدو ملكاً متربعاً على العرش.

يقولون: الفقي لما يسعد يدعي لميتين في يوم واحد، والفقي هو قارئ الجنائز، وقبل أن تشعر الفضائيات بالفراغ، جاءت وفاة البابا شنودة لتشغل الإعلام المصري لأكثر من ثلاثة أيام، ولمناقشة ليس فيها تميز، والتعامل مع أمور غير صحيحة على انها مسلمات، فالبابا دخل في قطيعة مع السادات بسبب زيارة الأخير لتل أبيب وهذا ليس صحيحاً والصحيح ان البابا بارك هذه الزيارة وأرسل برقيتي تأييد للسادات. والبابا هو صاحب مقولة ان مصر وطن يعيش فينا وليست وطنا نعيش فيه، والصحيح ان قائل هذه العبارة التي كان يرددها البابا هو الزعيم المعروف مكرم عبيد، الذي كان البابا معجباً بشخصيته.

المهم، فقد تم تشييع البابا لمثواه الأخير، فعادت برامج ‘التوك شو’ تشكو الفراغ.. واخشى ان تعود مرة أخرى الى استدعاء ‘المرشحين المحتملين’ لرئاسة الجمهورية، أو للدقة ‘المرشحين المفتعلين’، لان أيا من مرشحي المسخرة ليس مستوفياً لشروط الترشيح.

فمؤكد لو عادت الكاميرات بفضل الفراغ الى لجنة الانتخابات لشاهدنا طوابير كل يوم للمرشحين تنافس طوابير الخبز المدعم.

صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية