غابرييل غارسيا ماركيز: موعدنا أغسطس

محمد فتيلينه
حجم الخط
0

لم تكن علاقة غابرييل غارسيا ماركيز بالكتابة علاقة عادية أو رتيبة، ولم يكن هو مجرد روائي حائز نوبل، أو مؤلف لأعمال روائية أيقونية مثل «مئة عام من العزلة» و»الحب في زمن الكوليرا»، بل كان، قبل كل شيء، إنسانا يحمل في داخله فصولا خاصة به، لا تتطابق مع تلك المدوّنة في التقاويم.
في ذاكرته، كانت الشمس تسطع على نحو مختلف، والزمن عنده يسير في منحنيات، والفصول تتداخل مع بعضها كما تتداخل حكاياته مع الأجداد في شوارع «أراكاتاكا» بلدته الأولى. صيف ماركيز في الكاريب لم يكن مجرد سطوع الشمس على مدارس الأيام، بل هو حالة شعورية، حالة تتكثف فيها الأنوار والرغبات، فتتبدد الحدود بين الماضي والحاضر، وبين السماء والأرض، بل بين البحر واليابسة.

طفولة في حضن الشمس

ولد ماركيز سنة 1927 في منطقة ساحلية من كولومبيا، حيث كان الصيف أكثر من فصل؛ بل بانوراما طبيعية وخلفية دائمة للحياة. كانت البيوت ذات الجدران الطينية تتنفس بحرارة النهار، وكانت المساءات الطويلة تفوح برائحة الياسمين وتمتلئ بأصوات كائنات الليل. في بيت جده وجدته، حيث نشأ، ولدت الحكايات مع الرياح: بلا موعد، وبلا سبب واضح. جدته، التي تحكي عن الأرواح وعن الضفادع، كما تحكي عن الجيران، غرست فيه الإيمان بأن الواقع أوسع مما نراه، وأن الأسطورة ليست بعيدة عن الحقيقة.
ارتبطت ذاكرة ماركيز، منذ طفولته، بالصيف كمساحة لعب ورائحة وبداية. ظل الصيف في عقله الباطن زمن المعجزات الصغيرة. إذ يختصر كثيرا من الصور: قدوم بائع المثلجات من المدينة، رسائل تصل على ظهر القوارب، مهرجانات القرية، وأصوات الموسيقى التي تدور في الساحات- وفي القوارب التي تقطع الأنهار الكاريبية – حتى الفجر. شكلت الصور الأولى تلك مخيلته، وجعلت من النور والحرارة جزءا من لغته الروائية لاحقا.

البدايات

أول عمل انضم إليه ماركيز كان الصحافة في أواخر الأربعينيات، متنقلا بين الصحف والمجلات. الصحافة كانت مدرسته الأولى، حيث تعلم كيف يلتقط التفاصيل، وكيف يحوّل قصة بسيطة عن صياد، أو عن حادث في الشارع إلى نص مشحون بالحياة. لكنه، منذ البداية، كان يكتب بنَفَس الروائي: يضع مشهدا صغيرا في إطار واسع، ويترك خلفه ظلالا من الغموض تبعث في الناس لهفة القراءة. لم يكتف بوصف ما حدث، بل يكتب ما كان يمكن أن يحدث، وكأنه يرفض أن يلتزم بالوقائع. تأثر بالأدب الروسي، خاصة دستويفسكي وتولستوي، وبالأدب الأمريكي من خلال سرديات وليام فوكنر، الذي قدّم له نموذجا لآلية بناء قرية متخيلة، تصبح بؤرة لكل الحكايات. كذلك كان مفتونا بسرفانتس، ووجد في «دون كيخوته» درسا عن السخرية من العالم دون أن تفقد التعاطف معه. لكن مكتبته الحقيقية لم تكن من الكتب، بل من أصوات الناس وأغانيهم، ومن رائحة الأسماك الطازجة في الأسواق المحاذية للأنهار والوديان.

الفصول والزمان في أدب ماركيز

لم يكن الزمن في أدب ماركيز يسير بشكل خطي. يمكن لحكاية أن تبدأ في منتصف القرن العشرين، ثم تعود بنا فجأة إلى نهاية القرن التاسع عشر، كان قلمه يقفز عشرات السنين إلى الأمام في جملة واحدة. كتب عن الزمن كما يعيشه أهل القرى: عبر التقاطع الذي خلقه بين ما جرى وما يُحكى وما سيأتي. أما المواسم، فهي ليست خلفية صامتة، بل شخصيات حية فالمطر عنده يمكن أن يستمر أربع سنوات، والصيف قد يمتد لعمر كامل، بينما لم يكن الثلج سوى حلم تحققت رؤيته في باريس ذات عام.

الصيف عند ماركيز

الصيف بالنسبة لماركيز هو أكثر اللحظات صفاء ووضوحا في ذاكرته. إنه الفصل الذي تتوهج فيه الألوان، وتتكثٌف فيه الروائح. في كولومبيا، الصيف ليس استراحة بين فصول، بل هو القلب النابض طوال العام، ولقد انعكس ذلك في بعض أعماله، حينما تأتي اللحظات الحاسمة في الصيف: لقاءات الحب، القرارات الكبيرة، الانقلابات الداخلية. في «الحب في زمن الكوليرا»، مثلا، تلعب الحرارة والرطوبة دورا في دفع الشخصيات إلى مواجهة رغباتها أو الهروب منها.

موعدنا في أغسطس… الانتظار

أغسطس/آب، في تقويم ماركيز الداخلي، ليس شهرا فحسب، بل هو مساحة زمنية برزخية: ليس هو بدايات الصيف ولا نهايته، بل هو الذروة أو النقطة التي يصل عندها النور إلى أشدّه قبل أن يبدأ في الانحدار. أغسطس عند ماركيز مرتبط بالرحلات، بالمهرجانات، وباللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأن كل شيء قد يتغير إذا مد يده قليلا.
في سنواته الأخيرة، وبينما كان يعاني من فقدان الذاكرة بسبب المرض، كتب ماركيز مسودة رواية بعنوان «موعدنا في أغسطس». كانت الحكاية تدور حول امرأة تُدعى آنا ماجدالينا، تزور كل عام في أغسطس جزيرة لزيارة قبر أمها. في الظاهر، الزيارة واجب عائلي، لكن خلفها حياة أخرى: لحظات انفتاح على الحب، لقاءات عابرة، وشعور بأن الزمن يترك للناس فرصا صغيرة عليهم التقاطها قبل أن تضيع.
لم تكن الرواية – أو بالأحرى المسودة – مكتملة تماما، لكن ما وصل إلينا منها (من خلال ترجمة واحدة) يكفي لفهم ما كان يحاول ماركيز قوله ببساطة: الحب لا يتقاعد، وأن أغسطس، حتى في شيخوخة العمر، يمكن أن يكون فصلا لاكتشاف جديد. لم تكن آنا ماجدالينا في الرواية شابة متهورة، بل امرأة واضحة تعرف أن الوقت يضيق، لكنها تملك الشجاعة لأن تفتح الباب لما تبقى من أنوار.

أغسطس مرآة للحظات أخيرة

حين كتب هذه الرواية، كان ماركيز يعيش أياما من المرض والنسيان. كان الصيف لا يزال في دمه، لكن الشمس لم تعد تنبعث في ذاكرته كما كانت. لكنه اختار رغم ذلك، أن يكون أغسطس عنوانا وفضاء لآخر نصوصه الروائية (الرواية قصيرة نسبيا، فهي في حدود 20 ألف كلمة) ربما لأنه كان يشعر أن أغسطس هو شهر التوازن الغريب: بين الحر الذي يذكّر بالبدايات، ونهاية الصيف التي تذكّر بالنهايات. ربما كان يرى نفسه مثل آنا ماجدالينا، يعود كل عام إلى مكان ما في داخله، يُحيي ذكرياته، ويحاول أن يجد فيها حياة جديدة.

الحب في شيخوخة الصيف

ماركيز لم يكن يخشى الكتابة عن الحب في عمر متأخر. في «موعدنا في أغسطس»، الحب يشبه موجة بحرية تأتي فجأة في ظهيرة حارة، تربك العاشق وتترك على جسده أثر الملح. ليس حبا طاغيا كما في قصص الشباب، بل هو حب هادئ، واثق من نفسه. يعرف أن قيمته في أنه يتجسد الآن، في هذا العمر، لا في أي زمن آخر. هذا التصور للحب لم يكن غريبا عليه. في الحب في زمن الكوليرا، جعل الحبيبين يلتقيان في شيخوختهما، ليبدآ معا علاقة مؤجلة استمرت نصف قرن من الانتظار. في أغسطس الأخير من حياته، كان يكتب النص نفسه بطريقة أخرى: عن امرأة تذهب إلى جزيرة لتزور قبرا، لكنها تكتشف أن قلبها ما زال قادرا على الخفق.

ماركيز وأغسطس: علاقة خاصة

يمكن القول إن علاقة ماركيز بأغسطس كانت شيئا مختلفا أقرب إلى حب مركب. كان أغسطس في حياته شهر السفر إلى الشواطئ، وشهر اللقاءات مع الأصدقاء القدامى، وشهر الاستراحة من العمل الصحافي والتفرّغ للكتابة. في مكسيكو سيتي، حيث عاش سنوات طويلة، كان أغسطس فصل المطر الموسمي الذي ينعش الشوارع بعد الظهيرة. في باريس، حين كان مراسلا شابا، كان أغسطس شهر المدن الفارغة، حيث يرحل السكان إلى المصايف، وتصبح المقاهي هادئة، مناسبة للتأمل والكتابة.
ربما لهذا السبب وجد في أغسطس مساحة روائية مثالية: هو شهر الانتقالات، ليس صاخبا كبدايات الصيف، ولا حزينا كخريف وشيك، بل ممتلأ بالوعود المؤقتة.

الكتابة تواجه النسيان

في سنواته الأخيرة، كان ماركيز يكتب وهو يواجه نسيانا قاسيا. الأسماء تتسرب والتواريخ تختفي لكن الصور الحسية تبقى من خلال: رائحة البحر وحرارة الرمال وألوان الفساتين الصيفية. هذه الصور كلها هي التي شكّلت عالم «موعدنا في أغسطس»، كأن الرواية محاولة للإمساك بما تبقّى في الذاكرة، لتثبيته على الورق قبل أن يختفي.

بقي الصيف في الأخير

كانت لغة ماركيز في هذا العمل الأخير أبسط وأكثر شفافية، كأنها مكتوبة في ضوء النهار. لم تعد الجمل طويلة ومعقدة كما في «مئة عام من العزلة»، بل أصبحت قصيرة ومشبعة بالإشارات الحسية: ضوء يلمع على صفحة الماء، صوت موسيقى بعيد، نسيم يرفع طرف الثوب. هذه البساطة لم تكن عفوية، بل كانت اختيارا واعيا، ربما أراد الكاتب من خلالها أن يقول إن كل كلمة يجب أن تصل مباشرة، بلا التفافات.

ماركيز وأغسطس.. الوداع الهادئ

ليست «موعدنا في أغسطس» رواية وداعية بالمعنى المباشر، لكنها تحمل في طياتها إحساسا بأن الكاتب كان يكتب وهو يطل على نهاية الطريق. هناك هدوء في السرد، نوع من التسليم بأن الحياة تمضي وأن أجمل ما فيها هو تلك اللحظات التي نسمح لأنفسنا أن نعيشها، حتى لو جاءت متأخرة.
هكذا بقي أغسطس، بعد رحيل ماركيز، مرتبطا باسمه وصار القراء يرونه شهرا روائيا بامتياز، شهرا يمكن أن تقع فيه قصص حب صغيرة لا تقل شأنا عن الحكايات الكبرى. وربما هذا هو إرثه الأخير: أن يمنحنا القدرة على رؤية الحياة في ذروتها، حتى ونحن نعرف أن الصيف سينتهي قريبا.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية