غاب صدام حسين.. فهل سيستقر العراق؟

حجم الخط
0

غاب صدام حسين.. فهل سيستقر العراق؟

د. سعيد الشهابيغاب صدام حسين.. فهل سيستقر العراق؟ صدام حسين ليس وحده الذي تنتهي حياته بالإعدام، لكنه وحده الذي أحدث إعدامه شرخا علي كافة المستويات وفي شتي الاصقاع. فعلي الصعيد العراقي اتضحت حالة الاستقطاب في المواقف بشكل واضح جدا ما بين مؤيد للاعدام ومعارض، وما بين مبتهج بنهاية الطاغية وحزين لسقوط الشهيد . وعلي صعيد العالم العربي، برزت حالة الاستقطاب ايضا بين من اعتبر تلك النهاية امرا محتوما بسبب سياسات الزعيم العراقي (خصوصا في الكويت) ومن نظر اليها بغضب لانها جسدت عدالة المنتصر . البعض وصف الحكم بالاعدام وتنفيذه جزاء عادلا ضروريا بينما نظر آخرون اليها بانها انتقام غير مبرر . ومرة أخري تبدو اليد السحرية لصدام حسين قادرة علي منع حدوث إجماع شعبي ورسمي ضده. فعندما بدأ الحرب ضد ايران في 1980 استطاع تحقيق دعم رسمي من اغلب الحكومات العربية، وشوهد الملك الاردني السابق، حسين بن طلال، بجانبه وهو يشرف علي سير العمليات العسكرية علي جبهة الحرب العراقية ـ الايرانية. وبرغم تصاعد الصحوة الاسلامية آنذاك بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، الا ان الاصوات الشعبية المعارضة لتلك الحرب لم تكن مرتفعة بالقدر المطلوب، اذ استطاع صدام حسين ونظامه التأثير علي الرأي العام العربي، ومنع تبلور موقف ضده. آنذاك، كان للسعودية دور في تأجيج المشاعر الطائفية بين المسلمين وطرح الحرب في اطار الصراع المذهبي المقيت. وعندما أمر صدام بغزو الكويت، استطاع هذه المرة ليس تحييد الموقف العربي (رسميا وشعبيا) فحسب، بل تمكن من تجييره لصالحه، وفشلت السعودية ودول الخليج الاخري في الأثير علي الرأي العام العربي خصوصا بعد استدعاء القوات الاجنبية الي المنطقة. وبدت الامبراطورية الاعلامية التي أنشأتها السعودية علي مدي الخمسة عشر عاما السابقة (1975 ـ 1990) غير قادرة علي اقناع العرب والمسلمين بجدوي استدعاء تلك القوات. وتكرر المشهد نفسه خلال سنوات الحصار اللاحقة. هذه المرة تمكن صدام حسين من تحقيق دعم معنوي علي الصعيد الدولي، وبدت الولايات المتحدة وبريطانيا البلدين الأساسيين الداعمين بقوة لمشروع الحصار. ثم جاءت الحرب الاخيرة التي اسقطت نظامه، فتمكن، مرة اخري، من التأثير علي الرأي العام العربي والاسلامي، وتأجيجه ضد التحالف الأنكلو ـ أمريكي بشكل حاسم. هذه المرة أصبح فيها عنوانا لمواجهة التحالف الغربي في منطقة تئن تحت وطأة ذلك التحالف غير المقدس وسياساته الظالمة. والسؤال هنا: هل ان غياب صدام أسدل الستار علي الضبابية التي هيمنت علي السياسات والمواقف الشعبية والرسمية؟ ثمة صعيدان مهمان يرتبطان بالتطورات الاخيرة في العراق. اولهما الموقف من اعدام صدام حسين، وثانيهما الاستقطابات الشعبية المتجددة في ذلك البلد بعد غيابه. علي الصعيد العراقي، هناك حالة استقطاب واضح بين فريقين: احدهما مبتهج بالاعدام والآخر حزين لذلك. والامر نفسه ينعكس علي الصعيد العربي الاوسع، وان كان بنسبة معكوسة. ففي داخل العراق يمثل الفريق الاول الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي ويضم الاكراد والشيعة، الطرفين اللذين كانا ضحية سياسات النظام السابق بشكل مباشر، واللذين قتل منهما أعداد كبيرة تقدر بمئات الآلاف علي مدي سنوات حكم حزب البعث. اما الطرف الثاني فيتمثل بالعرب السنة، الذين وقفوا ضد الاعدام وعارضوا التغيير السياسي الذي حدث في العراق. اما علي الصعيد العربي، فهناك شعور عام بالاحباط، ومعه رفض الاعدام واعتبار صدام حسين رمزا للمقاومة ضد التحالف الانجلو ـ أمريكي. والملاحظ ان الاشكالية الاساسية التي احدثت استقطابا في المواقف تتمثل بالعامل الاجنبي في المعادلة. فالقليل من معارضي الاعدام يدافع عن سياسات النظام السابق، وتؤسس الغالبية العظمي موقفها علي اساس معاداة الاحتلال، معتبرة ان قرار الاعدام لا ينفصل عن ذلك الاحتلال. فهناك اذن وجهان لقضية صدام حسين: اولهما مرتبط بحكمه وسياساته مع شعبه، وهو الامر الذي يؤسس مؤيدو اعدامه موقفهم عليه. وثانيهما استهدافه من قبل الاحتلال ولغته المعادية للتحالف الانجلو ـ امريكي، وهو الامر الذي يؤسس معارضو الاعدام موقفهم عليه. والواضح ان الحكم العراقي الحالي لم ينجح في اقناع الرأي العام العربي بالذنب القاتل لصدام حسين، لاسباب عديدة لا مجال لمناقشتها الآن، فيما استطاع صدام ومعه حزب البعث في استدراج الرأي العام والعديد من المجموعات الجهادية للموقف القائم علي أساس مقاومة الاحتلال واستهداف التحالف الانجلو ـ أمريكي. وثمة خطر محدق بنمط التفكير لدي الطرفين. فالتقليل من خطر الاستبداد والقمع والديكتاتورية لا ينسجم مع اطروحات الحركات السياسية التي تطالب بالاصلاح والديمقراطية ومواجهة الاستبداد المتأصل في النظام السياسي العربي. والتقليل من شرور الاحتلال او السكوت عليه لا يخدم مصالح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، بل من شأنه ان يقوي موقف المحتلين وثقافة الاستسلام والتعايش معه. وبالتالي فما يحصل في العراق اليوم، سواء قبل اعدام صدام حسين او بعده، خطر ليس علي طرف دون آخر، بل علي ثقافة الامة وتوجهاتها، ومن شأنه ابقاء الحالة الضبابية التي تمنع الرؤية ذات البصيرة الثاقبة للامور. وفي نهاية المطاف فكلا الموقفين لا يؤسسان لمخرج حقيقي من الازمات التي تعاني منها الامة، ولا يقعدان لمفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، كما لا يعمقان مشاعر الرفض للاحتلال وهيمنة القوي الاجنبية الكبري. المسألة الاخري ذات الصلة بالسجال السياسي في العراق، تتمثل بالتحالفات المتغيرة علي الصعدان السياسية والامنية والثقافية داخل المجتمع العراقي. ومرة أخري تبدو المسألة الطائفية ذات موقع محوري في صياغة تلك التحالفات، بينما هناك خشية حقيقية من تراجع المسألة السياسية والمبدئية الي مواقع متأخرة في التفكير الاستراتيجي للمجموعات السياسية والعسكرية داخل ذلك البلد المبتلي. بعد رحيل صدام حسين، مطلوب من القوي الوطنية طي صفحة مضطربة في تاريخ العراق السياسي، واعادة صياغة الموقف من منطلق المسؤولية ازاء الأزمة الاساسية في البلاد الآن وهي الاحتلال. المشكلة ان هذه الصياغة لم تعد محصورة بالاطراف العراقية، بل هناك جهات عديدة خارجية تتصارع في ما بينها بهدف منع تبلور موقف عراقي مشترك يتجاوز اشكاليات الوضع الحاضر ويتطلع لبناء عراق مستقل جديد. فمثلا: التحالف الانجلو ـ أمريكي ليس من مصلحته، بعد غياب صدام وما يمثله من ثقل سياسي علي اوضاع العراق، تبلور موقف عراقي شامل ضد الاحتلال، ولذلك بدأ باثارة المسألة الايرانية، واصبح اعلامه يركز عليها ويعتبرها أحد أسباب التوتر الامني. وقد بدأ البعض يتجاوب مع هذه الاطروحة. وتنسب صحيفة التايمز اللندنية في عددها يوم الجمعة الماضي الي احد المقاتلين من لواء 1920 قوله: اذا وضع الامريكيون ايديهم مع المقاومة فسوف نستطيع طرد الايرانيين . ومن جهة اخري، يعتبر الايرانيون استمرار الاحتلال ضارا بمصالحهم القومية، ولم يخفوا يوما امتعاضهم من استمراره والتحريض ضده، واعتباره دعما للاحتلال الاسرائيلي الغاشم. وفي الوقت نفسه، هناك البعد المذهبي الذي تتحرك السعودية علي اساسه. فهي تنظر الي الوضع العراقي ضمن الأطر المذهبية، وتعتبر ان وجود دور قوي للعراقيين الشيعة يضر بالمصالح الاستراتيجية للمملكة. وتقول الانباء ان السفير السعودي السابق لدي واشنطن، الامير تركي الفيصل، أزيح عن منصبه لسببين اساسيين: اولهما دعوته حكومته للحوار ومد الجسور والتصالح مع شيعة العراق، وثانيهما: معارضته اي عمل عسكري ضد ايران. وفي الشهر الماضي أبعد ايضا مستشار سعودي رفيع المستوي بعد ان صرح بان السعودية عازمة علي التدخل المباشر لدعم سنة العراق، فيما لو انسحب الامريكيون. وبرزت في الفترة الاخيرة تصريحات خطيرة من السعودية تكرس التوجه الطائفي في المنطقة وتوحي بان الشيعة أخطر من اسرائيل . وقال بعض المحللين (صحيفة التايمز 4 ديسمبر) ان هذه التصريحات انما هي محاولات لتبرير تحالف متوقع بين السعودية و اسرائيل والولايات المتحدة بشراكة بريطانية، يستهدف ايران وحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية. قد تكون التحليلات التي يقدمها بعض الكتاب والخبراء الغربيين بعيدة عن الواقع، ولكنها تقوم عادة علي وقائع لا يمكن انكارها، وتتطلب استيعابا موضوعيا من اصحاب القرار ليستطيعوا وضع الامور في نصابها والتخطيط علي ضوء ذلك. فتن العراق اذن لم تنته باعدام صدام حسين، كما ان محاولات احتواء الازمة الامنية تحتاج لجهود سياسية كبيرة بالاضافة الي الجهود الامنية والعسكرية. فقد تحول هذا البلد الي ساحة مفتوحة للصراعات المتعددة: العرقية والمذهبية والايديولوجية والسياسية. ومن الخطأ النظر الي الواقع العراقي بان الصراع فيه ذو طابع مذهبي فحسب، ولا بد من استيعابه وفق نظرة شاملة تنظر الي زوايا الصراع المتعددة وتتعاطي مع كل منها ضمن اجماع شبه وطني، بعيدا عن املاءات واقع الاحتلال. فبعد ثلاثة اعوام من الاقتتال الداخلي والصراع الدموي، يجدر برموز كافة الاطراف العودة الي العقل والمنطق واستيعاب حقيقة مهمة وهي ان ايا من الاطراف لن يستطيع الغاء اي طرف آخر، وان مصلحة الجميع تقتضي التعايش ضمن اطار شامل جامع يتعامل مع المواطنين كعراقيين قبل الخصوصيات العرقية والمذهبية. فاذا لم يحدث ذلك، فسوف يتحول العراق الي ساحة مفتوحة للصراعات ذات المنشأ الخارجي، ويشهد حروبا بالنيابة عن الجهات الخارجية القادرة علي التمويل غير المحدود لآلة الموت التي لا توفر أحدا. لقد تضاعفت المدخولات النفطية ووفرت لحكومات الدول النفطية قدرات واسعة للتدخل في العراق بهدف منع قيام دولة موحدة قادرة علي لعب دور اقليمي ودولي متميز. ويخطيء اي من الاطراف اذا اعتقد ان خوضه الحروب ضد ابناء وطنه، بدفع خارجي، سوف يحقق له شأنا اكبر وموقعا سياسيا افضل. وتخطيء تلك الاطراف ايضا اذا اعتقدت ان صب الزيت علي النار العراقية سوف يجنبها المتاعب والاشكالات التي تنجم عن قيام عراق عربي مسلم موحد. فقدر امتنا ان تكون متعددة الرؤي والانتماءات العرقية والمذهبية، ولم يضرها علي مدي تاريخها الطويل ان تكون كذلك، بل ساهم ذلك التنوع الفكري والثقافي في اثرائها وتقوية عودها. ولا يستطيع احد ان يقضي علي ذوي الاتجاهات او الاعراق او المذاهب المختلفة عنه، فذلك مغاير لطبائع الاشياء ونواميس الكون والمجتمع. ربما كان صدام حسين قد قرر ان يكون القائد المهاب الذي يفرض علي شعبه الخشية من بطشه، معتقدا انه بذلك يطوع جميع الاطراف لارادته. ولكن الولايات المتحدة اليوم لا تختلف في سياستها عن ذلك. فهي تسعي لاقناع كل طرف عراقي بانها الضامن الاقوي لأمنه وسلامته من بطش الاطراف الاخري، فيما تسعي لمنع قيام توافق وطني علي اسس من التفاهم والحوار، تسعي لمد الجسور مع المجموعات المسلحة وتتظاهر بسياسات الانفتاح والرغبة في التحاور. ولكن هل ستنجح في ذلك؟ ثمة مؤشرات ذات ايحاءات مختلفة. فمن جهة هناك ما يشير الي رغبة الرئيس بوش في استيعاب توصيات لجنة بيكر ـ هاميلتون حول العراق، بما في ذلك فتح حوار مع دول الجوار ذات التأثير المباشر علي العراق خصوصا ايران وسورية. ولكن هناك مؤشرات اخري بعكس ذلك، تفيد بان بوش مستعد للاستمرار في سياساته القديمة بما في ذلك زيادة القوات الامريكية في العراق، ومواجهة ايران وسورية عسكريا اذا اقتضي الامر. مهما كان الموقف الامريكي، فان الحكومة العراقية مطالبة بالاسراع في طي صفحة الماضي، والبدء في حوار وطني شامل والسعي المتواصل لاقامة نظام ديمقراطي علي اساس لكل مواطن صوت ، وحرمان الاطراف الاجنبية من استغلال الاوضاع الامنية المتدنية لتكريس نفوذها غير المحدود. لقد غاب صدام عن المسرح، واصبح السؤال حول العراق: ان يكون او لا يكون.ہ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية