“غارديان”: قصة تنظيم “الدولة” ومحاولة التحول من حركة تمرد إلى دولة في الموصل

حجم الخط
0

“القدس العربي”: لا تزال الطريقة التي أدار فيها تنظيم “الدولة” مناطقه محلاً للتحليل. والمثال الذي تقدمه صحيفة “غارديان” يكشف عن صعود التنظيم وسقوطه من خلال محاولته التحول إلى دولة بعد مرحلة التمرد. وفي تقرير من جزءين كتب غيث عبد الأحد وبنى الكاتب رؤيته على يوميات باحث في الصواريخ عن ما جرى في المدينة التي وقعت تحت سيطرة الجهاديين عام 2014 ورغم أنه كان يكتب عن الأسعار والمشاكل مع زوجته إلا انه كتب ملاحظات عن الأحداث التي كانت تتكشف في الموصل.

“السلام أخيراً”

ففي الأيام الأولى من شهر يونيو/حزيران 2014 تم استقبال المسلحين بشكل واسع في الموصل والذين كانوا مؤدبين على خلاف الجيش العراقي المتوحش. فقد حرسوا المنشآت العامة ومنعوا النهب ورفعوا الحواجز التي خنقت المدينة. وكتب الباحث العلمي” لم تنفجر السيارات بعد ذلك، ولا مناوشات ولا متفجرات بدائية” و”حل السلام أخيراً على الموصل، فهم يسيطرون على الشوارع وخاف الناس. وسمحوا لهم بمغادرة المدينة والمدارس لتدريس المقررات التعليمية”. وفي البداية لم يعرف الناس هويتهم هل من رجال العشائر السنية؟ أم هم ضباط بعثيون من جيش صدام السابق؟ جهاديون مثل القاعدة؟ فهذه الجماعات كانت جزءاً من الحياة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وكانت قبل أربعة أعوام تتقاتل فيما بينها على السلطة في الموصل بحثاً عن الشرعية وتشن الحرب ضد الغزاة الأمريكيين وبعد ذلك ضد الحكومة العراقية.

وفي الحقيقة كانت بعض هذه القوى تتصرف كحكومة ظل تجمع الضريبة وتأخذ نسبة من كل عطاء للبلدية. وكانت تختطف وتقتل من لا يستجيب لمطالبهم. وبحسب عزام، المهندس الكهربائي في وزارة الطاقة: “دفعنا نسبة عن كل صفقة ولعقد من الزمان”. وكانوا يأخذون نسبة 8% عن كل عطاء حيث كان مدير الدائرة يتلقى مكالمة قبل كل عطاء. وكانوا يقررون من يحصل على العطاء ومن يعين في الوظيفة. ومن لم يدفعوا كانوا يختطفون وتم اختراق كل وزارة حتى الشرطة” و”عندما سقطت الموصل ظهروا على السطح”. وبعد يومين حضر أحد أصدقاء عزام إلى الدائرة في زي أفغاني وقدم نفسه على أنه مشرف “الدولة الإسلامية”.

أكبر هزيمة

ويقول عبد الأحد إن انتصارات تنظيم “الدولة” تتقاصر بالمقارنة مع الموصل والتي تعتبر أكبر هزيمة في تاريخ العراق وسقوط ثاني كبرى مدنه وتشتيت 50.000 من جنوده وعناصر الشرطة والسيطرة على مئات الأطنان من الأسلحة والمعدات والعربات المصفحة. وفي الموصل سيقوم التظيم بأكبر محاولة طموحة له وهي التحول من حركة تمرد إلى دولة. وبعد أسبوع أصدر التنظيم “وثيقته المدنية” مكتوبة بلغة قديمة وكانت حافلة بالإشارات الدينية القيامية حيث هنأ تنظيم “الدولة” أهل الموصل على “النصر الإلهي”. وقدم فيه رؤيته والتي ذكر فيها الشعب بأنه جرب الحكم العلماني والملكي وأخيراً “الحكومة الصفوية” وكلها كانت فاشلة “ونحن الآن في عهد الدولة الإسلامية وحكم إمامنا أبو بكر وسترون بإذن الله الفرق بين الحكومة العلمانية التي تضطهد وتصادر إرادة وطاقات شعبها وتحرمهم من الكرامة وحكمنا الذي يسير على النص المقدس”. ومنعت الوثيقة التدخين وطلبت من النساء البقاء في البيوت إلا أن الناس واصلوا التدخين في الشوارع وازدهرت مقاهي النرجيلة وظلت النساء يخرجن بدون حجاب وعادت العائلات التي هربت من الموصل. وكانت “وثيقة المدينة” هي الخطوة الأولى في “الدولة” الإسلامية ولم تظهر في يوم واحد. ووصلت بشكل تدريجي من خلال سلسلة تحركات وبيانات أثرت على قطاع معين من الناس. ويشبه مشروع تنظيم “الدولة” محاولات يوتوبية أخرى مثل الثورة البلشفية وطالبان- وكانت طريقاً للديكتاتورية. وبدأت أولاً من خلال آيديولوجية اسطورية يتبعها تطهير للمجتمع وغير مقبولة. وبعد ذلك استخدام القسوة لمنع أية مقاومة. وفي كل هذا اعتمدت على شبكة من المخابرات لدفع السكان على شجب أنفسهم. إلا أن الأنظمة الشمولية لا تستطيع النجاة بناء على الأيديولوجية والرعب فهي بحاجة إلى بيروقراطية فاعلة وقوية.

إحصاء

وبدأ تنظيم “الدولة” بإحصاء شامل في الموصل وتم تسجيل أسماء الجنود والشرطة والممرضين والأطباء والمهندسين والأساتذة مع عائلاتهم. وتم تصنيف كل محل وعقار متجر بناء على هوية صاحبه الدينية. وبحسب موظف في وزارة الزراعة: “جاءوا إلينا وفتحوا دفتر الأراضي”، وأضاف: “كانوا يريدون معرفة الأراضي التي يملكها المسيحيون والسنة أو الشيعة. وقلنا لهم إن هذه الوثائق تعود إلى العهد العثماني ولدينا فقط أسماء الملاك ولا يمكننا معرفة دين المالك علاوة على طائفته”. وفي أول عملية تطهير بدأت على الطريقة الستالينية حيث قتلوا المقاتلين السابقين والبعثيين وضباط الجيش الذين اختفوا. وبعد اسبوع تم وضع كلمة “ن” أي نصراني على محلات وبيوت المسيحيين. وبعدها صدر بيان يطالبهم باعتناق الإسلام أو دفع الجزية. وبعد ذلك بأسبوع صدر بيان يدعو النساء لارتداء النقاب.
ثم جاءت الخطوة المقبلة وهي بناء حواجز حول المدينة بشكل جعلها سجناً كبيراً تنتشر فيه شعارات “باقية وتتمدد”. وبعد تأكيد سلطتها قام تنظيم “الدولة” بعملية تغيير النظام القائم وإلغاء مؤسسات الحكم وأنشات الدواوين او الوزارات: الصحة والتعليم والأمن والقضاء. وتولى كل ديوان “أمير” كان بعضهم من الأجانب. وكانت الإدارة الجديدة خليطاً بين الإدارة الحديثة واستخدام الرموز والأسماء والزي القديم الذي يعود للقرن السابع الميلادي. ويقول عزام: “كانت الدولة الإسلامية دولة إرهاب ولكنها حديثة” “فقد لبسوا أزياء وتحدثوا كما أنهم عاشوا في الزمن الإسلامي الأول ومن الناحية الإدارية كانوا ممتازين وأداروا الدولة بمهارة”.

ويشير عزام لحل أزمة جمع الفواتير الكهربائية حيث أدار الديوان فرنسي- مغربي. وقام التنظيم بتركيب عدادات ذكية و”لم يجرؤ أحد على التمنع عن دفع الفاتورة في كل شهر” واستخدمت الطريقة نفسها في جمع النفايات. وتم تعيين جامع لكل شارع يدفع له السكان. وأصدرت “الدولة” بطاقات يجب دفعها فيما قام المفتشون بزيارة الشوارع. وكانوا “عباقرة” في طرق جمع الأموال وتم وضع البيوت والمحلات المصادرة والأموال المنهوبة تحت إدارة بيت المال. وبيع النفط المستخرج من سوريا لأي شخص استعد لتصفيته. ورغم كل هذا فهناك جانب آخر للتنظيم، أسواق النخاسة والجلد. ويقول الباحث العلمي في يومياته: “يلومنا الناس على عدم الرحيل. قالت لي ابنتي الصغيرة يجب أن نرحل إلى كركوك.. ربما كان علي الاستماع لها لكنني كنت خائفاً من المستقبل”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية