عندما كانت الجموع المصرية المسالمة تتدفق على ميدان التحرير قيل ان روح غاندي ترفرف هناك. اهمية هذا القول هو الاعتراف بان افكار غاندي وفلسفة اللا عنف التي طبقها بنجاح باتت بالفعل من الافكار الملهمة لكل الذين يسعون للتغيير باساليب سلمية لا تؤذي احدا.على المستوى التاريخي يمكن اعتبار ان السيد المسيح الذي ولد اثناء الاحتلال الروماني لفلسطين اول من طبق هذه الفلسفة ضد الاحتلال الروماني التي وان لم تؤتي ثمارا مباشرة الا انها كانت لها تاثيرات عميقة ليس على الدولة الرومانية فحسب على مستوى العالم بأسره.وفي العصور الحديثة طرح المفكر الامريكي هنري ثورو فكرة العصيان المدني التي هي في نهاية المطاف اسلوب لا عنفي يستخدمه المظلومون لاجل نيل حقوقهم.على كل حال من غير الممكن لمقالة واحدة ان تتمكن من تغطية غاندي وفكره لكن يظل من الممكن ان يتناول المرء قدر الامكان بعضا من جوانب فلسفة غاندي اللا عنفية.كان غاندي يؤمن بتلازم الفكر والقول والعمل الامر الذي سعى لتطبيقه على ارض الواقع بادئا بنفسه لاجل مقارعة الاحتلال البريطاني الذي اعتبر الهند تاج الامبراطورية البريطانية.ومن اهم افكار غاندي السلمية في مقارعة الاحتلال كان عدم الخضوع للاحتلال. ومن اقواله الشهيرة بهذا الصدد (اني لا استطيع تعليمك العنف لاني لا اؤمن به، لكني استطيع ان اعلمك ان لا تطأطئ رأسك لأي كان حتى لو كلفك ذلك حياتك). كان بالفعل يؤمن بلا حدود بالقيم الانسانية وكل ما يرتبط بها من قوة اخلاقية. كان يعتبر الانسانية بمثابة بحر كبير يضم بضعة اوساخ هنا وهناك، ولكنها لن تستطيع تغيير البحر كله. وكان يعرف بطبيعة الحال ان العقلية الامبريالية الانكليزية التي عرفها اثناء دراسته المحاماة في لندن قد لا تأخذه على محمل الجد. وهذا ما يفسر قوله (انهم سيتجاهلونك اولا ثم سيسخرون منك ثانيا ثم يحاربوك ثالثا ثم في النهاية تنتصر عليهم) وهذا الذي حصل اثناء تجربته في صراع المحتل الانكليزي الذي كان مرتبكا كثيرا خاصة في البداية لناحية كيف يتصدى لهذه الظاهرة.على العموم تظل هناك اسألة كثيرة حول اللا عنف لانها في نهاية المطاف ليست نظرية جاهزة تماما مثلها مثل كل النظريات. فالماركسية مثلا تستند اساسا الى نظرية صراع الطبقات ومن بعد ذلك يظل هناك تصورات قد تخطى وقد تصيب وتختلف من تجربة الى اخرى.وحتى تجربة غاندي لم تخل من النقد، فهناك من رأى ان اعتقاد غاندي بعدم امكانية تحقيق نصر عسكري على بريطانيا قاده الى تبني المقاومة اللا عنفية. وانا لست مع هذا الرأي بسبب قلة القوات الانكليزية الموجودة على ارض الهند الواسعة انذاك، واعتماد الانكليز على الهنود في الادارة والجيش والبوليس وعلى كادرات هندية تم تدريبها باشراف انكليزى.وقد بات من المعروف ان غاندي استلهم الكثير من افكار اللا عنف من الثقافة الهندوسية. وهناك ما يكفي من النصوص الهندوسية المقدسة التي لا بد انها كانت الملهم لغاندي. ففي ‘الباباغيدا’ او انشودة الرب يجد القائد العسكري ارجونا نفسه في محنة حقيقية اذ كيف سيقتل اقرباءه واصدقاءه.يشكو امره الى كرشنا بقوله: حتى إذا اتفق لهم أن يذبحوني، كيف لي أن أؤذيهم؟ ليس بمقدوري أن أتمنى ذلك: أبداً، أبداً، ولو أكسبني ذلك عرش العوالم الثلاثة فكم بالحري أقل سيادةَ الأرض! كرشنا، أيها السامع صلوات البشر قاطبة، قل لي كيف يمكن أن نأمل بالسعادة ونحن نهمُّ بذبح أبناء دهريتاراشترا؟ لعلهم أشرار، وأسوأ الأشقياء، ومع ذلك، إذا قتلناهم ستكون خطيئتنا أعظم! ومن المهم الاشارة الى موقف غاندي المعارض لقيام دولة صهيونية في فلسطين. ومن خلال الرسائل التي رد بها على دعوات الصهاينة لتأييده في هذا المشروع كان له موقف غير مهادن لهم حيث اوضح في احدى ردوده ان طرد سكان فلسطين الاصليين يعني دخول الصهاينة في صراع طويل مع العرب. وهذا ما يفسر بالطبع كراهية الصهاينة لغاندي التي ترجمت مواقفه الى سياسة هندية داعمة للعرب استمرت فتره طويلة ولم تتغير قليلا الا في الفترة الاخيرة.وثمة سؤال اخر هل تتمكن فلسفة اللا عنف من دحر الظلم والظالمين؟ انا اظن انه سؤال صعب جدا لان فكرة الدحر تحمل معنى الانتصار العسكري. وفكرة اللا عنف كما افهمها تعتمد على تغيير البيئة عموما لصالح المظلوم الامر الذي يؤدي في النهاية الى استرجاع حقوقه.د. سليم نزال