غاياتري سبيفاك والجزائر: من نقد الاستعمار إلى حُلم العدالة

في عام 1988 نُشرت النسخة النّهائية للمقال «هل بمقدور التابع أن يتكلم؟» لأستاذة الأدب المقارن واللغات الحديثة غاياتري شاكرافورتي سبيفاك، ليصبح مرجعا أساسيا للدراسات ما بعد الاستعمار والنظرية الأدبية، حيث قدّم المقال سؤالا جوهريا عن أهمية «تمثيل المهمّشين» ونقد المركزية الغربية، ليس من منطلق القوّة والسلطة فحسب، بل بالاستماع لتلك الأصوات المضطهدة، وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي انطلقت سبيفاك في رحلة تشهد على تحوّلات كبرى في الجزائر، قادتها نحو أماكن ومعالم ساهمت في تعميق تفكير غاياتري بشمال افريقيا التي خضعت للاستعمار الغربي.
تواصلت مع الناقدة سبيفاك للتحدث إلى تفاصيل رحلتها في الجزائر، والاقتراب من مشاهد المتعة وتحوّلات المنطقة حينها، إذ أنّ اهتمام سبيفاك بفلسفة فرانز فانون وجاك دريدا، قد جذبها نحو الجزائر للتعرف على ذاتها خارج الفضاء الآسيوي، كما تجمعها روابط شخصية مع كلاريس زيمرا وآسيا جبار، ولعل المقال يقربنا أكثر نحو غاياتري سبيفاك الإنسانة المولعة بشغف المعرفة والحياة، والداعمة لحقوق المرأة في فضائها الجزائري.
في منتصف الطريق
يقدم الفلاسفة أسئلة بالغة الحساسية والإثارة، لا لشيء إلا أن يسبروا غمار موضوعاتهم من الحياة والطبيعة والإنسان، وسبيفاك إحدى أولئك الذين امتازوا بالتنوّع الثقافي واللغوي ضمن بيئة هندية هشّة، سمحت لها بمعرفة هويات متضاربة وناس مختلفين، ومع أنّ آفاق سبيفاك الفكرية تفتّحت على عالم مضطرب وقلق، فقد اتسم تمرُدها النّسوي بكثير من النّقد تجاه الخطاب الاستعماري، داعية لمراعاة وفهم «التجارب النسوية» في سياقاتها التاريخية والثقافية المحلية، بعيدا عن التخييل الغربي.
وفي منتصف الأربعينيات من عمرها، سافرت غاياتري سبيفاك نحو الجزائر، مفعمة بهوس الاستقلال المذهل والمعقد للجزائر عن الاستعمار الفرنسي، حيث زارت العديد من المدن كوهران وتلمسان والجزائر العاصمة، ضمن مقاربتها للتجربة الهندية والجزائرية، ما بعد الاستعمار، كما بدا اهتمامها الشديد بتجربة «قرى بن بلة الاشتراكية» كنتيجة لمجابهة الدمار الهائل الذي خلفه الاستعمار الفرنسي في الأرياف فحسب، بل أيضا لمعرفة ما إذا كانت النساء المهمشات قد فكّرن في معنى التصويت. لقد تعلمت بعض العربية المنطوقة لمواجهة مثل هذه المهام، لتقترب سبيفاك من واقع ما بعد الاستقلال لفهم «موضوع التحرير» في فضاء افريقي عربي مختلف كليا عن ذاك الذي تأسست بموجبه مقالتها الشهيرة «هل بمقدور التابع أن يتكلم؟».
في جولتها في الجزائر التقت سبيفاك العديد من الأصوات الجانبية، وتداخلت بينهم لحظات تتحدث عنها غاياتري أنّها تجاوزت اللقاءات اليومية، وجلسات موائد الكسكس والسّهرات الشعبية، إنّها اقتران مباشر نحو أولئك الذين أرادت سبيفاك سماع صوتهم وتحريرهم من الهيمنة، فذهابها لوهران مهّد لها العمل مع نساء من الطبقة الدنيا، وهم يخوضون غمار التجربة الديمقراطية بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988. لم تتوقف معرفة سبيفاك حول الجزائر عند ألبير كامو، الذي وجدته مؤثرا في وجدان الأدب والنخبة، مع انتقادها الشديد تجاهله السُّكان الأصليين، كما أنّها تجاوزت محاورة جاك دريدا وقد فوجئت بضآلة اسم فرانز فانون داخل الطبقة الوسطى الحضرية، بل ارتكزت إلى ما سمّاه إدموند هوسرل «حسًا بالأشياء» ضمن تجربتها الميدانية مرتديةً أحيانا معطفها الأبيض، في زياراتها المتناوبة على عيادة الطبية نادية آيت ساحلية، للاستماع إلى المهمّشات، ومع أنّ نظرة سبيفاك للحركة النسوية الجزائرية، تتشابه مع نظيراتها المناهضة للهيمنة والتبعية، فإنّها لم تتأخر في الاقتراب من الناشطات المسلمات، اللواتي كنّ ينظفنّ مكاتبهنّ وينسخنّ الملصقات ويقمنّ بتعليقها على الجدران وهنّ يرتدين الجلباب، وكيف أنّ التنافس الديمقراطي حينها قارب بين مختلف القوى السياسية، تتذكر سبيفاك أسماء كثيرة هامشية، كحبيبة مودين، حين سكنت شقتها الفارغة في وهران، وبن ملوكة مالكة الشقة التي أقامت معها في ليون في طريق عودتها المفاجئ من الجزائر العاصمة.
الأختُ الجميلة
لسبيفاك علاقة استثنائية مع الروائية الجزائرية آسيا جبار، تجاوزت نضال النّسوية الثوري زمن الانتقال الديمقراطي والمأساة الوطنية، وقفت غاياتري في الجانب الآخر من مناهضة المد الاستئصالي المهدد للحياة السياسية والاجتماعية الجزائرية، وتمخضت تلك التشابكات والتحليلات مع قراءاتها الداعمة لأحداث أكتوبر 1988، والعمل ضد التوجهات الراديكالية، عن حوارات مكثفة حول المسارات الحرجة، لبلد تصاعدت فيه مطالب عُمّالية ونسوية، تدعو لإصلاحات اقتصادية وسياسية، نتج عنها في نهاية الأمر سردية ذاتية عن الجزائر البيضاء.
زارت غاياتري عائلة آسيا والتقت بإخوتها ووالدتها في باريس، ومرة واحدة في فورتسبورغ في ألمانيا، حيث قدمت عروضا حول أعمال جبار في سيريسي لا سال، وتذوقت طبق «المسفوف» الكسكسي الجزائري السّاخن، والمعبّر عن التكاثف والتلاحم العائلي، ودعيت لحضور حفل تنصيب عضوية آسيا في الأكاديمية الفرنسية وتسلمها السيف في 15 يونيو/حزيران 2006، كان يوما استثنائيا ومفعما بالثقافة والتاريخ، إلى جانب فعاليات في بيركلي وكولومبيا وأماكن أخرى.
تعرّفت عن قرب على جبّار كإنسانة وامرأة جزائرية، واستمتعت بحديثها معها عن أزقة العاصمة الضيقة وصخور قسنطينة العتيقة وأقواس وهران الباهية، تبادلت الابتسامات ولحظات الفرح مع عائلة آسيا الصغيرة، كانت أختا من بلاد بعيدة، وتوأما مختلفا، تحكي بشرتها السمراء وعيناها البنيتان وشعرها المخضب بالبياض، تقارب الأفكار والهموم، وأهدت إليها كتابها «Nulle part dans la Maison de ma Père»، لتنتهي رحلتهما برثاءٍ في برينستون، وفي كولومبيا، نُشر في مجلة «فرونتير» الهندية، حينما كانت تربكها خريطة المدينة، وتنسى مظلتها في الأيام الماطرة.
حُلم سبيفاك
مثل الأمس البعيد، ترغب سبيفاك في تحقيق حُلمها ببناء إرادة عامة للعدالة الاجتماعية، وهي في الثمانين من عُمرها، لن يكون الأمر سهلًا دعوتها لزيارة أخرى للجزائر، سافرت كثيرا بمفردها – فقد عادت لتوّها من رحلة عمل استمرت 67 يوما إلى الهند وغانا وكوريا الجنوبية، وتُدرّس في مدارس ابتدائية مُموَّلة ذاتيا في ريف الهند، ودوام كامل في جامعة كولومبيا، لقد تذكرت سنواتها الجميلة والنضالية في الجزائر، وتجاربها الاستثنائية عن منطقة فتحت لها آفاق هويات متداخلة، لقد عاشت لحظات تأمّل مع كلاريس زيمرا وآسيا، تبصر بياض الجزائر المتعاظم.
لا تزال سبيفاك بحسّها النقدي، ورؤيتها الجمالية للأشياء، ودعمها لحقوق النّساء اللواتي يواجهنّ اليوم أعتى الحضارات وحشية وبربرية، تحلم بواقع تكون فيه الفرص المتاحة متساوية، والثروة من حق الشعوب المضطهدة، حيث ترافع سبيفاك عن الحقوق العامة للشعوب التي عانت ويلات الاستعمار، وما زالت تقارع تمثلاته اللاحضارية في أقدس بقاع الأرض، إذ تواصل جهودها لتخريج مثقفين مهمشين، قادرين على حل المشاكل، بدلًا من أن تُحل مشاكلهم دائما من الأعلى، إنّها ترقب صرخات التابع بأشد «العبارات تحررا» في فلسطين المحتلة.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية