غراس وكلاب الفوهرر!

حجم الخط
0

خيري منصور

كان ينبغي لغونتر غراس ان يكتب قصيدة من طراز بابي يار التي قدم من خلالها يفتشنكو اوراق اعتماده الى النادي الصهيوني، لكن الرجل لم يفعل، وعلى العكس من ذلك قرر ان يقترب من المحظور والمسكوت عنه، حيث مارست الصهيونية لأكثر من ستة عقود ابتزازات لا آخر لها لما تريده ان يبقى الى الابد ذاكرة آثمة وهي الذاكرة الاوروبية الموشومة بصليب معقوف. لقد سمى غراس كتاب حياته قشر البصلة وهذا التعبير يعود الى شيلر، رغم انه منذ القدم يعني عدم جدوى البحث عن اللب او الجوهر، فالبصلة عندما تقشر تتحول الى قشور فقط، تماما كما وصف طومسون ثمرة الصبّيرعندما كان يعيش في لبنان، وان كان طومسون قد اراد معنى آخر تماما عندما وصف العقل العربي بأنه اشبه بهذه الثمرة الصحراوية.. ما إن تنقب من بذورها حتى تتلاشى.

لم يخف غراس ما حدث له في بواكير صباه، وان كان فيما بعد قد حاول استقصاء مصائر كلاب الفوهرر المدللة، وكل ما في الامر ان هذا الروائي الحائز على نوبل للاداب لم يستطع ان يبقى صامتا حتى الختام، فقال ما قال وبطريقته، لكنه لم ينكر الهولوكوست جملة وتفصيلا، وان كان يعتقد بأن من يقولون بأنهم من ضحايا الهولوكوست صنعوا هولوكوستات للآخرين، وسبق لكتّاب غير غراس منهم فريسون الفرنسي وغارودي الى حدّ ما، وكذلك الاب بيير ان تساءلوا عن تلك الرواية بدءا من تفاصيلها ومنهم من دفع الثمن على الفور، ومن تابع الصحافة العبرية بعد نشر غراس لذلك النص لا بد انه رأى بأن موسمها كان برمّته مكرسا ضد غونتر غراس وكأن هناك جيشا آخر احتياطيا تم استدعاؤه على الفور، لأن الرواية لم تعد مقدسة او معصومة، وان نقد اسرائيل ليس من المحرمات الاخلاقية والدينية والثقافية.

انها الفزاعة ذاتها، لم يسلم منها حتى الموتى وقد يطال العقاب ديستويفسكي وكازنتزاكي اضافة الى شكسبير لأنهم كتبوا عن اليهود من خلال رؤاهم وتجاربهم خصوصا كازنتزاكي الذي زار فلسطين عام 1947 وكتب انطباعاته عن تلك الزيارة، عندما كانت البلاد قاب مذبحتين من اعلان الدولة العبرية.* * * * * * * *ان أمثال جين فوندا من الحالمات والحالمين بحسن سلوك اسرائيلي جعلوا تل ابيب تدمن هذا الاستعطاء بل الاستجداء لرضاها، لهذا ما ان شذّ مارلون براندو عن القاعدة حتى عوقب بالاسلوب ذاته، وكان كل ما اقترفه هو افتضاح النفوذ الصهيوني في هوليوود والطريقة التي تقدم بها الشخصية الاسرائيلية وهي لا تختلف كثيرا عن السوبرمان المعصوم او رامبو الامريكي.

كان براندو قد رفض الاوسكار وقال عبارة تستحق البقاء ما بقي على هذا الكوكب فن وفنانون هي ارفض الجائزة دفاعا عن الشرف القليل الباقي، ومنذ ذلك اليوم وبعد رحيل براندو تبدد الكثير من ذلك الشرف الباقي وسادت ثقافة مسلّحة تقودها دبابة وتوأمها جرّافة لتحويل العولمة الى أمْرَكَة ومن ثم الى أسْرَلَة ما دام الاثنان هما احدث مثالين في التاريخ عن الاستيطان الإبادي، ويطلب من العالم ان يسمي هذا الجحيم فردوسا ارضيا حسب تعبير الراحل عبد الوهاب المسيري. والمسألة ليست سجالية بحيث نسعى نحن او سوانا الى تبرئة غراس، فالرجل له اطروحته الخاصة عن البراءة والإثم وله بوصلته الاخلاقية ايضا.

لكن هذا النمط من الارهاب الثقافي على اسس عنصرية نخشى من تمدده في القارات الخمس حيث تمنح اسرائيل الحق في القتل والإبادة دفاعا عن وجودها، فأي وجود هشّ هذا الذي يحتاج الى التاريخ برمته كي يحرسه على مدار الساعة.

نعرف ان اوروبا كانت على وشك التحرر من هذا الابتزاز، لكن هناك عوامل تجدد صلاحيته وثمة من يكدحون ليلا ونهارا لإدامته، ليس فقط لأنه بمثابة فيتو ثقافي هذه المرة بل لأن من افتضحت يائيل دايان ابنة الجنرال دايان مفهومهم للخوف، اصبحوا مصابين بما هو اشد من اي خوف وهو الفوبيا منه، وكانت روايتها ‘طوبى للخائفين’ بمثابة النذير لدولة تعيش سجينة في ثكنة، وما يقال الان عن غراس صهيونيا على امتداد الارض يختبر بلوغ اوروبا والغرب كله سن الرشد قدر تعلقه بالابتزاز النازي، اذ ليس معقولا ان يعاق الكون كله والى القيامة بسبب ما لحق باليهود في مرحلة ما.. ثم ينتج اليهود المتأسرلين يهودهم وينكلون بهم ويطالبون الكتاب في العالم بشهادات زور. غونتر غراس لم يعلق جرسا في عنق قطّ، لأن ما قاله كان مسبوقا بكتابات من داخل اسرائيل ذاتها، ومنها ما كتبته ميشيل مزراحي واسرائيل شاحاك وشلومو رايخ وآخرون، فالضحية لا يمكن لها ان تبقى الى نهاية العالم قناعا لجلاد، يتستر به ويفتك حتى بالاطفال. واذا كان هناك من يستثمر هذه المناسبة لإحياء فوبيا اللاسامية فإن الوقت قد تأخر والعالم لم يعد مستغرقا في تلك الغيبوبة التي حجبت عنه الحقائق.

وسواء تحدث غراس عن ايران او فلسطين او اي مكان آخر فإن هاجسه هو تلك النزعة التدميرية بل الابادية التي تغذيها ثقافة الانتقام، اما اذا كان المقصود بتحويل امثال غراس وبراندو وحتى تشومسكي الذي منع من الدخول الى فلسطين قبل عام الى امثولات عقابية فإن الضمير الثقافي في العالم لم يعد رهينة لأحد، وانجاز الجريمة الكاملة بمعزل عن الشهود لم يعد متاحا لأحد، ولم يقل غراس ما قاله المؤرخ ارنولد توينبي عن اسرائيل بأنها خطأ تاريخي لكن الطريقة التي عومل بها الرجل تدل على ان من مارسوها هم من نتاج ذلك الخطأ التاريخي اضافة الى الخطيئة الجغرافية.* * * * * * * * وصف كتاب اسرائيليون مثل يهوشع سويول غراس بأنه يهذي، وانه خرج عن صمت دام ستين عاما ليفتضح علاقته المبكرة بالنازي، اما يواف سبير فإن مقالته التي حملت عنوان اسرائيل والمثقفون الألمان تنبش قضية تتجاوز ما قاله غراس وكأن هناك خوفا من ان المثقفين الالمان قد ضاقوا ذرعا بالابتزاز، رغم ان الشعب الالماني لم يشارك كله في اضطهاد اليهود ومنه ضحايا، ومن لا يذكر ريمارك الروائي الذي كتب في منفاه خلال الحكم النازي كل شيء هادىء في الحي الغربي، ووقت للحب ووقت للموت، واستطاع غوبلز وزير اعلام النازي ان يحزر اسلوب ريمارك رغم انه كان يوقع باسم مستعار.

فإلى متى ستظل الثقافة الالمانية رهينة هذا الابتزاز لتواصل تسديد مديونية سياسية واخلاقية يضاف اليها الربا الثقافي؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية