تتفرّع قصص إسكندر الرياشي وتتعدّد، لكن لا تحيد عن النموذجين اللذين رسمهما لكل من المرأة والرجل. ذاك أنّ المرأة هي مثل المرأة الأخرى، بل مثل كل النساء: شابة، عزباء أو متزوّجة لتوها، جميلة وغير محتشمة إلا في الظاهر. وهي تنتظر، منذ يوم زواجها الأول، أن تقيم علاقة حارة (مشتعلة، حسب التعبير الذي يُكثر الرياشي من استخدامه). أما الرجل، عامّة، فبشع وكريه وكثيف شعر الجسم ويكبر زوجته بعقود، وهي قبلت به بسبب الفاقة. كلهم، رجالا ونساء، جرى تشكيلهم بناء على هاتين الصورتين اللتين كانتا شائعتين في زمن كاتبهما. أما النموذج الثالث فهو العشيق الذي يتسلّل في أيام الزواج الأولى، ساطيا على الزوجة المشتعلة شهوة. شخص جميل الطلعة وخفيف الظل ومحبوب من النساء هو، ذاك الذي يجري تقديمه على أنه ممثل لصنفه، لكنه لا يلبث، في مكان ما من القصّة، أن يصير هو الراوي، أو الكاتب إسكندر الرياشي نفسه ولا أحد سواه.
هو، بنفسه إذن، يلاحقهنّ إلى المخادع، أو ينفرد بهن في الدرجة الثالثة من السفينة، درجة الفقر الذي كان مدقعا في العقد الأول أو العقدين الأولّين من القرن العشرين، أو يلتقيهن في موناكو، حيث كان مرافقا لإحدى الشخصيات النافذة. كما أنه يلاحقهن إلى بيت المستشار الفرنسي وإلى مكتبه، فيتولّى هو مهمة عشقهن من بعد المستشار. وإذ يُعثر على إحداهن قتيلة مرمية جثتها في حديقة القصر، فلا تتأخر القصة عن إخبارنا أنه كان يتسلل إلى سريرها. دون جوان من أربعينيات القرن الفائت أو خمسينياته، فشّار، أو «فنّاص» كما في المتدوال اللبناني. أي أنه يروي عن مغامراته لجمهور ساذج مسرور بما يسمعه. وقارئ القصص في الكتاب لا يجد نفسه بعيدا عن أولئك المستمعين فهو، من ناحية، يُعجب بكفاءة الرجل الذكي في اصطياد حسناواته، ومن جهة ثانية يجد نفسه، هو أيضا، يستمع في ما هو يقرأ.
وما يميّز بطلنا عن سائر من هم مثله إلمامه بسرائر ما يتمظهر بمظاهر عادية. فتحت قشرة الغنى والتأدّب والعيش الراقي، دائما يفقس بيض الفساد لينكشف كم هو مضحك هذا العالم، مضحك وليس ظالما. هنا، في قصص إسكندر الرياشي، لا يُحاسَب أحد عما ارتكب، ولا يُحزِن ما ينبغي له أن يُحزن، ولا يدوّي انكشاف الفضيحة. الفاسد، مثل المستشار أو القاضي أو الحاكم، شخص مرح، وقد يكون خفيف الظلّ، ينطبق عليه ما يوصف به اللص الظريف. وإن جرى الكلام على نساء لبنان اللواتي هاجرن في أوائل القرن العشرين إلى أمريكا للعمل، أو إلى سوريا، حين ضربت المجاعة لبنان، فإنهن كن يعملن هناك وهنالك في أقدم مهنة في التاريخ كما يقال. وها إننا نقرأ تعليقه على ما عاشه أو ما فهمه من أيام المجاعة: «في الحرب العالمية الأولى، عندما جاع لبنان، لم يمت من بناته جوعا غير البشعات». أما العفاف الذي صار في تلك الأيام «أرخص من الفجل» فحاله حال العملة، المصاري، التي تقل قيمتها أو تزيد تبعا لتقلّب الأحوال في بلد المتداولين بها، ورغم كونه عبثا في الماضي، لن يثير غضب أحد من حاملي ألوية لبنان، لأن ما يكتبه صاحبنا لن يحسب على أنه من التاريخ. إنها حقائق يومية تشبه ما يقول شخص لسامعه، وباللبنانية أيضا، «الكلام بيني وبينك».
ولم توفّر لوثة الفساد الأمريكيين والإنكليز والفرنسيين حسبه، ففي قصة عن المدرسة التي أنشأها الكويكرز البروتستانت في برمانا كادت تقع الواقعة بين هؤلاء، والفرنسيين على قاعدة أن هناك، قريبا من مدرسة الكويكرز راحت تُتناقل أخبار التهتك الجارية في بيت مجاور، ما يهدّد أو يخفض من درجة الأخلاق المحافظة التي تعلّمها التلاميذ في مدرستهم الأمريكية. وكان هؤلاء قد كلّفوا الإرسالية مالا كثيرا إذ راحت، عندما حطّت رحالها في لبنان، تشتري انتساب اللبنانيين لمذهبها بالمال، على غرار ما تشترى أصوات الناخبين في الانتخابات.
لا شيء بريء في حاضر لبنان كما في تاريخه الذي عايش كاتبنا مطلعه، أو بداية نشوئه، وبقي فيه إلى ما بعد منتصفه. لكن كل ذلك ليس إلا كلاما في كلام. وهو نوع الكلام الذي يدور بين جلساء قليلين يستبدلون الكلام المكتوب، الرسمي، بما يعرفون أنه حقائق من القاع الاجتماعي. وربما كان الذي استمر على حاله رغم تقلّب العهود، سيبقى مستمرا لا بدّ إلى ما سيلي من الأزمان، بل إن كلامهم التحتي اتسع وكثرت حلقات المتداولين به، وكثرت حتى باتت تضمّ الجميع. في ما عدا بطولات الرياشي مع النساء، أعني بما خصّ قراءته لتاريخ بلده، انقلب الحال رأسا على عقب فصار في الأعلى ما كان يتفاعل في الأسفل. لكن ما غاب هو فكاهة كاتبنا ودونكيشيته المرحة.
*كان لقمان سليم قد كتب صفحات عن إسكندر رياشي نشرت في كتيّب قدّمتُ قراءة له في هذه الصفحة. أعيد نشر تلك الصفحات في مطلع هذا الكتاب، وكانت قد بدت لنا حين قراءتها أنها تعيد إحياء عالَم من عوالمنا نسيناه. آنذاك كان جاريا العمل على إصدار الكتاب في طبعة جديدة تلي طبعته الأولى التي صدرت عن دار الأندلس سنة 1966. فكما يحدث لكل شيء هنا، لم تتخطّ شهرة إسكندر رياشي، ولم تتخطّ كتابته جيل قرّائه وعارفيه.
كتاب إسكندر رياشي «نسوان من لبنان» صدر عن مؤسسة دار الجديد بنسخة هي طبق الأصل عن طبعة دار الأندلس، وقد أرفق بها التقديم الذي كان كتبه لقمان سليم- عدد الصفحات 366
كاتب لبناني