بعد زيارته إلى تل أبيب، كأول سياسي سوري يزورها، في العام 2014 حسبنا أن كمال اللبواني، المعارض والمعتقل المزمن لدى أجهزة أمن النظام السوري، لن يتمكّن بعد من مفاجأتك، فماذا بعد مشاركة الأعداء التاريخيين في مؤتمر لمكافحة الإرهاب! لكنه في «الاتجاه المعاكس» على قناة «الجزيرة» أخيراً تحدّث من دون مواربة أو خجل عن «أيديولوجيا المقاومة، التي تسببتْ في نكبة فلسطين». اللبواني قال إن حال اليهود المهاجرين من أوروبا بعد الهولوكوست يشبه حال اللاجئين السوريين اليوم، وإن سبب قيام دولة إسرائيل هو المقاومة التي جُوبهوا بها. أي أن لا وجود في عقل اللبواني للفكرة الصهيونية، ولا لوعد بلفور، ولا لتواطؤ من الانتداب البريطاني في تدفق السلاح للعصابات الصهيونية وفي الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين. لا وجود في عقله للمجازر وللتهجير ومسح قرى ومدن عربية بأكملها عن الوجود.
حينما ترى المصفّقين الملتفّين حول دعاة التطبيع ستدرك أن الأمر آخذ بالاتساع، وأن الأيام المقبلة حبلى بالمزيد من هذا النقصان.
أما لماذا، في رأيي، أن كلام اللبواني أشدّ انحطاطاً من زيارته تل أبيب، فلأن في إمكان حتى بعض الإسرائيليين أنفسهم أن يتحلّوا بشيء من الضمير وأن لا ينكروا المجازر الإسرائيلية والتهجير والاستيلاء على الأراضي، كما فعل عدد من المؤرخين الجدد في إسرائيل. أما اللبواني فلديه من وقاحة الإنكار ما يفاجئ الإسرائيليين أنفسهم.
المتابع للشأن السوري سيلحظ أن ليس اللبواني وحده من يسير في طريق التطبيل لإسرائيل، فهنالك عدد، ورغم أنه قليل للغاية، إلا أنه يستحق الدرس، إذ ما الذي يدفع سوريين معارضين تربّوا في «أحضان قلعة الصمود والتصدي» البلد الأكثر تشدقاً بمقاومة إسرائيل، أن يرتموا هكذا في أحضانها. فهذا فراس طلاس، نجل وزير الدفاع الأسدي التاريخي مصطفى طلاس، يقول في منشور وضعه أخيراً على صفحته في فيسبوك حول السلام والتطبيع والمستقبل العربي: من الآخر؛ كل فلسطيني، بمن فيهم محمود عباس أو خالد مشعل أو إسماعيل هنية بيعرضوا عليه جنسية اسرائيلية لوافق فوراً. بس القصة رزقة ومزاودات».
حينما ترى الملتفّين حول طلاس الابن في تصوراته هذه ستدرك أن الأمر آخذ بالاتساع، وأن الأيام المقبلة حبلى بالمزيد من هذا النقصان.
ثقافة لوم الضحية
ثقافة لوم الضحية، أو ثقافة الاغتصاب، جاءت عنواناً لفيديو من «بي بي سي» حول الاحتجاجات وردود الفعل في باكستان أخيراً على اغتصاب جماعي لسيدة أمام أطفالها بعد تعطّل سيارتها على طريق سريع.
يستعرض الفيديو تعليقات للممثلة النجمة عائشة عمر، وأخرى لسيدة أعمال وناشطة وإذاعية، وكلها ترى أن في ثقافة لوم الضحية تشجيعاً للاغتصاب وأداة سلطوية لمنع محاسبة الأقوياء.
ما الذي يدفع سوريين معارضين تربّوا في «أحضان قلعة الصمود والتصدي»، البلد الأكثر تشدّقاً بمقاومة إسرائيل، أن يرتموا هكذا في أحضانها!
الاحتجاجات لم تتوقف عند إدانة الاغتصاب وحسب، بل جاءت أعنف في الرد على تصريحات مسؤول في الشرطة يعتبر أن «الضحية ملامة ولو جزئياً عمّا وقع عليها لخروجها في الليل بمفردها». قال المسؤول: «أولاً، أنا مندهش أن هذه المرأة أم لثلاثة أطفال وكانت تقود بمفردها! كان ينبغي أن تأخذ الطريق المباشر الذي يعجّ بالحركة. كان ينبغي أن تتأكد من خزان البنزين». (لاحظوا إذاً أسباب الاغتصاب المحتملة؛ إن قدت السيارة بمفردك فأنت عرضة للاغتصاب. إن أخذت الطريق السريع فأنت عرضة للاغتصاب، إن لم تتأكدي من خزان البنزين فأنت عرضة للاغتصاب الجماعي المروع أمام أطفالك!).
نظرية الضبع
أقيل مسؤول وطبيب أردني إثر مقابلة تلفزيونية، رغم دفاعه عن خيار الحكومة في بلده إعادة فتح الحدود رغم ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا. الرجل ضرب مثلاً يقول: «إذا دخل ضبع دارك، تغلق الباب أم تفتحه؟ طبعاً تترك الباب مفتوحاً، حتى يغادر الضبع». عبارة ضحك لها المذبع نفسه طويلاً، قبل أن تضحك الجمهور الأردني، الذي حوّلها بدوره إلى هاشتاغ «نظرية الضبع».
مسؤول أردني عن كورونا: إذا دخل ضبع دارك، تغلق الباب أم تفتحه؟ طبعاً تترك الباب مفتوحاً، حتى يغادر الضبع.
في مقابلة إذاعية معه شكا الطبيب مما سماه «تنمراً» بحقه، إثر التصريح، قائلاً إن لديه أطفالاً يتأثرون بما يكتب وينشر عنه في وسائل التواصل الاجتماعي. سأله المذيع كيف يعفيه وزير الصحة وهو نفسه صاحب نظرية ارتداء «الشماغ» بدلاً من الكمامة، وبالطبع لا يملك الرجل المقال جواباً، لكنها مقابلة لا بدّ أنها أضحكت الأردنيين من جديد، إذ استخدمت تعبير «نظرية الضبع» من دون تحفظ، وربما من دون قصد بالسخرية، فجاءت في النتيجة جزءاً من حملة السخرية من الطبيب المقال.
«اذكريني»
«اذكريني» عبارة يعرفها الدمشقيون، وكل من مرّ بربوة دمشق يوماً، فهي مكتوبة على صخرة عالية هناك، ويجري حتى الآن تناقل صورها في فضاء الـ«سوشال ميديا» كواحدة من صور الحنين. العبارة استعادها مؤرخ دمشقي أخيراً محاولاً تفسير حكايتها. وحسبه فإن عاشقاً دمشقياً انتحر من فوقها بعد فشله بالزواج من حبيبته، لتأتي الحبيبة فتكتب من بعده «لن انساك». يقول المؤرخ إن هناك من ينسب القصة الى شاب يُدعى محيي الدين التركماني وصبية اسمها اُميمة المعصراني. ويتساءل لماذا لم تصبح القصة بشهرة عشاق آخرين «روميو وجولييت» مثلاً؟
وقدّرتُ، وقد وضعت القصة على صفحتي في فيسبوك، أن الحكاية الدمشقية، إن صحّت، جاءت تعاني سوء حظ لصيق، يتعلق بوقع الاسم؛ «محدّين وأميمة»!
الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم
كما حضرتْ في رأسي قصة فنان تشكيلي سوري عالمي عرفت اسمه الأصلي أخيراً: «سبهان حسين المْحِمَّد». تساءلت؛ من أين له أن يصبح عالمياً من وزن سبهان آدم، لو بقي اسمه هكذا! حتى لو كان بيكاسو.صديق سينمائي علّق بالقول «لذلك ليس هناك نجم أمريكي أو فرنسي إلا نادراً باسمه الحقيقي» وفي سماء العرب سنجد الكثير من النجوم يعيشون بألقابهم لا بأسمائهم الحقيقية، ربما لوعي مبكر منهم بأن تلك الأصلية لن تساعد على الرواج والانتشار. بعضهم اختار اسماً جديداً بنفسه (أدونيس) والبعض الآخر مُنح لقباً فاستقرّ في وجدان الناس، حتى كادوا ينسون الاسم الأصلي، ومن أبرزهم «فيروز» التي لا نعرف اليوم كيف تشعر، وهي صاحبة «عينينا هن أسامينا» حين يمرّ أمامها اسمها الأصلي نهاد حداد.
كاتب فلسطيني سوري