غربة الإبداع في متاهات إبداع آخر

في سياق بلورتنا للأبعاد التي يتميز بها عنوان هذه المقاربة، اقترحنا لها مدخلا فرعيا هو «الحق في قول أي شيء» وهو كما يبدو للملاحظ، مشوبا بغير قليل من الالتباس، لأن بنيته تتضمن عنصرين متعارضين، يقع كل منهما على طرفي نقيض من الآخر. فثمة الحق في القول، الذي نعتبره موضوعيا ومنطقيا، إلا أنه حق سيتحول إلى باطل فور اقترانه بـ»أي شيء»، حيث تحضر ضمنيا ظلال العشوائية، المؤدية طبعا إلى غياب مصداقية القول وشرعيته.
لكن هذا الالتباس التضليلي، لا يلبث أن يتبدد فور استحضارنا لسياقه الواقعي، الذي يضفي عليه حالة من التماسك والانسجام. وهي حالة مقترنة بسعي الأفراد والجماعات، إلى ممارسة حقهم الطبيعي في الاندماج المجتمعي، الذي يضمن لهم شروط التواجد العادل والمتكافئ في محيطهم الصغير والكبير.
طبعا، نحن نتحدث هنا عن الحد الأدنى من مستويات الاندماج. المتميزة بتعدد قطاعاتها ودلالاتها، التي يحتل فيها الاندماج الحضاري والثقافي بالمعنى الحديث للكلمة، مكانته الأكثر تقدما. ومن المؤكد أننا من خلال إضاءتنا مؤقتا لدلالة هذا الحد الأدنى، سوف نتمكن من الانتقال التلقائي إلى غيره من المستويات، التي تعنينا في هذه المقاربة. إن المقصود بالحد الأدنى من مستويات الاندماج، هو ذاك الناتج عن التجمعات، واللقاءات المناسباتية، أو الصدفوية التي يجد فيها الأفراد أنفسهم، منساقين للخوض في قضايا/أحاديث، لم تكن من قبل مبرمجة، أو معدة سلفا للنقاش. وقد يتعلق الأمر في هذا السياق بمناسبة احتفالية أو مأتمية. جلسة حميمية في مقهى.. قاعة انتظار في مستشفى الأمراض العقلية.. مقصورة في قطار سريع.. فسحة سجنية. وكل هذه المقامات، تغري الأفراد بالتنافس في سرقة الأضواء من بعضهم بعضا، والسعي إلى ترسيخ ميزة اختلافهم، عبر تفعيل ما يمتلكونه من مهارات في إدارة دفة القول وتجاذب أطراف الحديث، وكلها عوامل من شأنها تحقيق مكسب المشاركة المفضية إلى الاندماج، بوصفه أداة للتخلص من ظلمة الهامش، والتمركز بدل ذلك في صلب دائرة الاهتمام، كشكل من أشكال إثبات الذات، وانتزاع صك الاعتراف، المؤديين عمليا إلى بسط الهيمنة والاستحواذ.
غير أن المثير في المواضيع المتناولة في مثل هذه المناسبات، هو طابعها التعميمي والتبسيطي، باعتبار أن اللقاءات الملتئمة بالصدفة ككل، لا تكون معنية ببلورة مواقف وآراء مستوفية لشروطها العلمية والفكرية، بقدر ما تهدف إلى إشاعة حالة من الألفة والحميمية العابرة بين منشطيها. وضمن هذا المعطى، سنجد أنفسنا أمام شبكة متحركة من المحكيات والتصورات المجتمعية. ولعل أول ما يلاحظ فيها، تمحورها حول أكثر القضايا تداولا، خاصة على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، كما هو الشأن حاليا بالنسبة لكوفيد 19، الذي يعتبر في حد ذاته عتبة مناسبة لتفريع وتشعيب شبكة الأحاديث. وخلال ذلك، سنحصل على رصيد مهم من الأحكام والاستنتاجات الجاهزة والمبتسرة، حول القضايا المثارة. سنكون مثلا، على علم بآخر فضائح «الفنانات»، وأخبار الضباط المتورطين في تهريب العملة والمخدرات. سنطلع على أنماط متعددة من الفساد المستشري في دواليب الدولة. على المواهب المتعددة التي يمتلكها سياسيو اليسار واليمين، في نهب خيرات البلاد. سنكتشف الأقنعة الكهنوتية التي يخفي بها الدعاة وجوههم الإبليسية. سنقف على الشطط المريع الممارس من قبل أعوان السلطة ومسؤوليها، في حق المواطنين المغلوبين على أمرهم.
إلى جانب ذلك، سنصاب بالذهول من حكايات تخص مختلف أنواع الابتزاز، الذي تمارسه على الطالبات والطلبة جهارا، تلة حقيرة من المندسين في أسلاك التعليم العالي. سنكون على بينة من شراهة استثمار المبيضين في التعليم الخصوصي، وتحويلهم له إلى فضاء للمضاربات النقدية. إلى جانب قضايا أخرى من قبيل تورط أبناء الأعيان في ما لا حصر له من الفضائح كالارتشاء والنصب والدهس المتعمد للمواطنين. فعلى هذه الوتيرة الموجهة بقانون التداعي، ينساب تلقائيا مجرى الأقوال والإدانات والاستنتاجات. ومن المؤكد أن قوة هذا الانسياب، تعود أساسا إلى التنافس المعلن أو الخفي، القائم بين الحاضرين في تحقيق حظوة الاندماج، والفوز بمركز الصدارة في مراتب المشاركة الكلامية.

بالنظر لتمنع التجارب الفكرية والإبداعية عن كل تأطير نظري ثابت ومطلق، حتى بالنسبة للمختصين، فإن المجال يظل مشرعا تماما على كل أنواع الإنشاء والقول.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فالمنطق الذي يشتغل في مثل هذا الطقس، لا يستند إلى اختصاص معرفي، ولا إلى مرجعيات ثقافية مؤطرة بقوانينها وأسسها، لكن فقط بالرغبة في الاندماج مع الآخرين، خارج أي رقابة فكرية أو أسلوبية. ذلك أن الخبر الجاهز والمعطى عبر الوسائط المعلوماتية المشتركة، يجسد الرافد الفعلي لهذا النوع من النقاشات. فيما تتغذى التعليقات المتتالية من بعضها بصورة تلقائية وعفوية تامة، لكن مع ذلك، يمكن القول، إن هذه اللقاءات العابرة والظرفية، على ما تتميز به من بساطة، هي بمثابة مقياس موضوعي لنبض الشارع ككل، حيث يمكن التعرف من خلالها على طبيعة القضايا التي تشغل نسبة جد مهمة من الرأي العام. كما أنها تعتبر بمثابة مرجعية أساسية لقراءة الواقع المجتمعي من قبل الباحثين الأكاديميين والمختصين، فضلا عن كونها أداة ناجعة وفعالة لتحقيق نوع من التقارب الإنساني بين كافة أفراد المجتمع، بصرف النظر عن تباين انتماءاتهم الطبقية أو الثقافية، لذلك نجدها بهذا المعنى تأخذ شكل مختبر مفتوح على كافة الشرائح المجتمعية، التي تطمح إلى صقل ملكاتها الحجاجية والتحليلية. وهو شيء جدير بالتثمين والتنويه، عدا عن إنه يصطدم في نهاية المطاف بواقع أكثر التباسا، كلما بادر البعض من ذوي الكفاءات المعرفية البسيطة والمتواضعة، إلى توظيف منهجية هذه الجلسات الصدفوية، في الانتقال بهاجس اندماجهم إلى مستويات أكثر تقدما، أي تلك المطبوعة بخصوصيتها النوعية، كما هو الشأن بالنسبة لقطاع الثقافة والفن والإبداع.
فضمن هذا النوع من المبادرات، تفقد المستويات المعرفية والثقافية المشار إليها خصوصيتها، كما تتنصل من قوانينها ومعاييرها. وبتعبير جد صريح، تفرغ من مضامينها الفعلية، لتلتحق مباشرة بأجواء اللقاءات العابرة والصدفوية، بمعنى أنها تصبح مستباحة تماما من قبل كل الوافدين، الذين يأنسون من أنفسهم الرغبة في الإبداع، أو التفكير بدون استثناء، فالجميع له الحق في اقتحام عالم السينما، إخراجا وتمثيلا. والجميع له الحق في الالتحاق بركب التلحين والغناء، ووضع الكلمات. كما للجميع كامل الحقوق في الانتماء إلى دنيا الكتابة الشعرية، والسردية، أو الفلسفية، وهلم جرا، خاصة حينما يتعلق الأمر بالبحث عن موطئ قدم للاندماج في حركية الفضاءات المعرفية والثقافية.
وفي اعتقادنا أن هذه الظاهرة الجديرة بالمقاربة، مشتركة بين كافة اللغات، وكافة الجغرافيات الحضارية، ولعل أهم ما يحضرنا في هذا السياق أولا: الميل الغريزي لدى الكائن إلى التعبير عن تقلباته الروحية فكريا أو إبداعيا، بصرف النظر عن مستواه المعرفي والثقافي، وأيضا بصرف النظر عن حدود تمكنه، أو عدم تمكنه من قوانين الإواليات التعبيرية. علما بأن الكائن ومهما بلغت عقلانيته، فإنه يظل نهبا لتلك الأحوال الباطنية التي يحدث أن تعصف بأي حضور عقلاني وعملي. وهي الأحوال ذاتها التي تبحث عن شكل معين من أشكال التجلي الفكري أو الجمالي، حتى بالنسبة لمن يفتقر إلى الحد الأدنى من التكوين المدرسي.
وثانيا، بالنظر لتمنع التجارب الفكرية والإبداعية عن كل تأطير نظري ثابت ومطلق، حتى بالنسبة للمختصين، فإن المجال يظل مشرعا تماما على كل أنواع الإنشاء والقول. وعلى أرضية هذين العاملين المتداخلين، والمؤازرين بدينامية الوسائط المعلوماتية، تتناسل تباعا الإبداعات الفنية والفكرية والأدبية العابرة للقارات، بدون أن تكون بالضرورة معنية بطرح تساؤلاتها حول حدود شرعيتها الجمالية ومصداقيتها الفنية. وفي خضم ذلك، تظل الخطابات الفكرية والإبداعية الحقيقية، تعيش غربتها الموحشة، داخل طوفان الحق في قول أي شيء، كما يظل المبدعون والمفكرون الفعليون، في حل من أي اندماج محتمل.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية