سحر عبداللهتعلن صفارة خفر السواحل أن سفينة للغرباء الغير المرحب بهم قد اقتربت من شاطئ بلد أوروبي حضاري ما، فيعرف ركاب هذا القارب الوحشي المعدني الهائل أنهم أمام خيارين: إما أن يبقوا في السفينة كي يستلمهم البوليس، أو أن يقفزوا في مياه البحر.
يختار الياس (بطل الفيلم)، وصديقه مع آخرين القفز في البحر ليلاً بشكل يقارب الانتحار بعد أن مزقوا كل أوراقهم الشخصية وجوازات سفرهم ورموها في البحر، لتطفو فوق الموج كالزبد، كبقايا طعام متناثرة تنتظر نوارس أو أسماكاً جائعة لالتقاطها.
يستيقظ الياس صباح اليوم التالي، ليجد نفسه على رمل شاطئ للعراة، وهو يرتجف من رطوبة المياه التي عاركها طوال الليل وهو يسبح باتجاه الشاطئ المكان الذي وصلت إليه سفينتهم. تسعفه فطنته لخلع قميصه وسرواله الداخلي، كي يبدو كشخص ينتمي لسلالة العراة اللاهية السعيدة على الشاطئ.
وعلى الفور يركض مفزوعاً باتجاه المشالح، فيسرق شحاطة بلاستكية وثيابا لعامل من الفندق، مكتوب على ظهر القميص ‘نادي عدن’. يدخل الياس في ورطات لا تنتهي بسبب ملابسه التي توحي بـأنه موظف جديد قليل الخبرة، وغير متمكن من المهنة. لكنه شاب جميل وجذاب تسترق الفتيات والعجائز النظر إليه خلسة. يصرخ أحد العمال به: ساعدني أنت هيا احمل الحقائب. يستجيب الياس بخوف وسرعة كالطفل فلا شيء آخر يفعله. يسرق حذاء من هنا، سندويشة من على طاولة هناك. يعيش حالة رعب انكشاف أمره من قبل حرس الفندق أو موظفي الأمن الذين ملأوا المكان هنا وهناك بحثا عن القناديل البشرية التي يقذفها البحر وتحاول الالتصاق والتمسك بأي شيء حتى ولو برمل الشاطئ.
يبدأ البوليس البحث عن هؤلاء البائسين وينخرط الياس في الورطة / اللعبة، بمرارة وتوجس وقلق يشربان لمعان عينيه.
يقبضون على فارٍّ بائس فزع بعينين مثبتتين في مكان ما كطائر زاغت عيناه قبل أن يحتضر.. قبل أن ينطلق البوليس به يقف هذا الرجل – الذي هو صديق إلياس في رحلة الهجرة – فيردد الجملة التي تمرنا سوية على ترديدها في القارب وبعد سنة من محاولتهما إتقان اللغة الفرنسية.
اعطني خبزا أيها الخباز. لا يوجد عندي، تعال غداً يا سيدي. حين يسمع الياس هذه العبارة، تمتلئ عيناه بالدمع المحبوس ويمضي.
في محاولة الياس اليائسة للهرب من منتجع عدن إلى أي مكان آخر في رحلته الخرافية إلى باريس يعيش تجربة سريعة مقتضبة وحالمة مع سيدة ألمانية تريد جسده وفتوته. يستجديها كطفل باكياً أن تأخذه معها إلى هامبورغ. تتعاطف كريستينا الألمانية المتمدنة مع الفار المتوسطي لكنها تحاول أن تشرح له بانكليزية مكسرة أن الحياة في هامبورغ أعقد من هنا، إنها متزوجة ولديها عائلة. تحتضنه بحنان ولوعة واعدة إياه بأنها ستساعده على أقل تقدير بالوصول إلى باريس.
تترك له في رسالة مبلغاً من المال وكلمة حب، فيغادر غرفتها فجرا تاركاً لها خاتما كان يزين إصبعه الفقيرة.
يهرب الياس على متن طوافة خفيفة من شاطئ الفندق إلى مرفأ آخر، وما إن يمشي خطوتين في البلدة حتى تبدأ رحلة أخرى من اليأس والعذاب المترافق مع مفارقات ثنائية مبكية مضحكة.. يسخر منه كل عابري الطريق حين يخبرهم بأنه ذاهب إلى باريس.. يشفق عليه من يرى هيئته وحاجته وضياعه.. تمنحه امرأة ريفية (على الأغلب أرملة) بيتها. لكنه كالعادة يهرب فجراً من حاجة البشر المستميتة لجسده وشبابه، شبابه المتعطش لباريس.
نتابع رحلة إلياس الخرافية راكضاً، ماشياً، راكباً على دراجة، مستقلاً مستودعات حافلات ضخمة، حتى يصل أخيرا إلى باريس.
وفي باريس، يصارع الغرق في فتنة الأمواج البشرية، برج إيفل، المحطات، السيارات، والمطاعم الأنيقة، بهدف الوصول إلى الليدو في الشانزليزيه. الليدو هو عنوان ساحر فرنسي أو مكان عمل لساحر فرنسي رآه الياس في منتجع عدن وقال له أن يمر عليه إن وصل يوماً إلى باريس.
بكل براءة أو سذاجة؛ وربما بفعل اليأس لا غير، توهم الياس المسكين أو صدق ربما أن تلك العبارة حرفية وحقيقية، فغامر في سبيلها قاطعاً رحلة خرافية كلفته الكثير من الانتهاكات والإهانات.. وحين يصل إلى ذلك الساحر، الذي لم يمنحه سوى ابتسامة وعصا سحرية، يزفها له بسخرية مبطنة في نظرة مشفقة معبرة.
الياس الذي بادره بابتسامة عريضة كعادته حين يلاحظ دهشة الآخر من كلامه، سرعان ما تتبخر ابتسامته حين يقدم له الساحر عصا ًسحرية. يدرك فوراً أن الساحر لم يعن ِ ما قاله في منتجع عدن. ينتهي الفيلم على مشهد الياس يدير ظهره لنا متجهاً صوب برج إيفل وبيده العصا، آملين كمشاهدين أنه سيجد الحل السحر ي – أو اللاسحري لمعضلة باريس في عقله.
قدم الفيلم مقولات هامة ومختصرة ودالة على قضية معقدة وشائكة وهي قضية المهاجرين غير الشرعيين. إشارات إلى قسوة القوانين من جهة ورأفة البشر من جهة أخرى، رأفة عاجزة أحيانا ومؤذية أحياناً أخرى، حين يلقي البوليس القبض على صديق الياس يهزه أحد الجنود بشدة ناهراً إياه بالاعتراف عن مكان البقية. يرتجف الناجي من البرد والفزع والدم يعلو وجهه ويديه. نسمع صرخة مسؤول الأمن في الفندق يقول له: ألبسه غير هذه الثياب واحضر طبيباً. لنفهم بأن البوليس لن يرحله قبل أن يتأكد من أنه يرتدي ثيابا نظيفة ويتعافى!. تفصيل العلاقة العابرة بين كريستينا الألمانية والياس، كشف لنا أنها تستطيع أن تساعده ماديا لتوصله إلى باريس لكنها لا تتجرأ على أن تنقذه من هذه الورطة المغلقة. تفصيل صاحب المطعم الباريسي الذي أشفق على جوع إلياس مرة حين جلس إلى إحدى الطاولات ليأكل كل ما ترك من بقايا طعام عليها. فبدلاً من أن يطرده وقف كستارة أمامه كي لا يثير اشمئزاز رواد المطعم إن رأوه يأكل كحيوان جائع بيديه المتسختين ومظهره البائس.!! تفصيل المشردين الباريسيين الذين يؤوون الياس في خيمتهم البلاستيكية في وسط الشارع يمنحونه الدفء والخبز والنبيذ.
تفاصيل أخرى مضادة، مدير معمل يستقطب مهاجرين غير شرعيين ويبتزهم بأبخس الأُثمان، أي مقابل وجبة طعام يتيمة.. ساعات عمل طويلة، رواتب زهيدة. البوليس الذي يحرق إحدى عربات الغجر الذين ساعدوا الياس على الفرار.
بانوراما مكثفة ومعبرة عن حالة مهاجر ابتسم له الحظ فوصل إلى باري س عبر مغامرات نجا منها، بفعل الصدف الطيبة فلم يمت أسوة بالآلاف ممن قضوا إما غرقاً أو صعقاً بالكهرباء، عبر الحدود التي اصطنعها البشر.’عدن غربا’ يحكي بؤس واغتراب الملايين في بلدانهم الأصلية.. فيغامرون بحثا عن حلم الخلاص في رحلة قد تؤدي إلى موت واحد هو أخف من الموات اليومي في بلادهم الأصلية. ذكرني الفيلم ببرنامج وثائقي عرضته قناة الجزيرة منذ سنوات عن قارب للعراقيين يبحر باتجاه اندونيسيا كان يفتقد أدنى شروط السلامة. يغرق القارب بمن فيه وتنجو قلة قليلة. لن أنسى شهادة إحدى الناجيات عن امرأة أخرى ماتت هي وجنينها وكان الحبل السري لا يزال يربط بينها. ‘عدن غربا’ً، الجنة، باريس ولو كان الموت دونها. الجحيم شرقاً ولو كانت الحياة معها… صرخة قوية في سماء العالم المتمدن الممتلئ بالضجيج، ليتها تلقى أذناً صاغياً بين ضفتي المتوسط شرقا ًوغرباً.
صرخة غير مستغربة من مخرج يوناني ـ فرنسي معروف بأعماله ذات الرسالة السياسية الواضحة وخاصة المتعلقة بالمهاجرين والوفية لجماليتها السينمائية والفنية…*كاتبة من سورية تقيم في بريطانيابطاقة الفيلم: تأليف: جون كلو غرومبيرغ وكوستا غافراسإخراج: كوستا غافراس.
بطولة الفيلم المطلقة لريكاردو سكامارسيو بدور إلياس. أنتج الفيلم سنة 2009 وأطلق للعرض أول مرة في باريس وكان قد نال جائزة النقاد في مهرجان مدينة الأضواء في لوس أنجلس.
عدد جديد من مجلة ‘اضافات’بيروت ـ ‘القدس العربي’: صدر العدد الحادي عشر ـ صيف 2010 من مجلة ‘اضافات’ متضمناً افتتاحية للدكتور خالد الوحيشي.
وقد تضمن العدد ملفاً بعنوان ‘هجرة الكفاءات العربية’، تمثل بستة بحوث:
ـ شبكات المعرفة في الشتات لوليام تيرنر، جان ـ بابتيست ماير، بول دي غاتشتينير وأسماء عزيز.
ـ الهجرة باتجاه واحد.. حقائق وعوامل (هجرة العمالة المؤهلة من المغرب العربي الى الدول الاسكندنافية) لمحمد صبور وادريس هابطي.
ـ مجالات مساهمة الباحثين الاجتماعيين العرب في الخارج لعبد القادر لطرش.
ـ عودة الكفاءات الجزائرية الى بلدها الأصلي: نهاية لتجربة اقامة بالمهجر ام حلقة لمسار تنقلات دولية؟ لحسين العبداللاوي.
ـ تطور العائدات المالية للهجرة التونسية ودورها في نشأة المقاول الرأسمالي ليعقوب الشيحي.
ـ محاولة فهم المغتربين بمبادرة ذاتية: تجارب وخبرات المسارات المهنية للمغتربين اللبنانيين بمبادرة ذاتية في فرنسا لأكرم العريس ومصطفى أوزبلغن.
كما تضمن العدد ثلاثة بحوث أخرى، هي:
ـ موقع لمقاربة درس عبد الباسط عبد المعطي لمحمد حافظ دياب.
ـ الأونروا واللاجئون الفلسطينيون: تاريخ متداخل لريكاردو بوكو.
ـ المتغيّر الديني والاندماج: حالة المهاجرين المسلمين في الغرب لباكينام الشرقاوي.
وفي باب مراجعات كتب:
ـ التقرير الاقليمي لهجرة العمل العربية: هجرة الكفاءات، نزيف أم فرص؟ أعدّها خالد الوحيشي.
ـ كتاب الجمعية الدولية لعلم الاجتماع (ISA) لتقاليد سوسيولوجية متنوعة، أعدها سعيد عامر أرجومند.
ـ الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر (عبد الإله بلقزيز)، أعدها محمد حلمي عبد الوهاب.
وفي باب مؤتمرات تقرير عن: ندوة ‘البدو في الوطن العربي عبر العصور’ القاهرة، 6 ـ 8 نيسان (ابريل) 2010 لعلي عفيفي علي غازي.
يذكر أن المجلة تصدر عن الجمعية العربية لعلم الاجتماع بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية.