غرفة أورهان باموك

حجم الخط
0

صبحي حديدي

تقضي التقاليد العريقة السائدة في الأكاديمية السويدية أن يقوم الحائز علي جائزة نوبل بإلقاء ما يسمي محاضرة نوبل، وفيها يُنتظر من الفائز أن يقدم خلاصة تجربته الشخصية في حقل نشاطه الإبداعي أو العلمي أو العملي الذي استحقّ عليه الجائزة، كما جرت العادة أن تحتوي المحاضرة علي رؤيا فلسفية من نوع ما، تغطي واقع وآفاق ذلك الحقل من النشاط، وتدخل في أرشيف الأكاديمية الرسمي كوثيقة أساسية.

ويوم الخميس الماضي ألقي الحائز علي نوبل الآداب لهذه السنة، الروائي التركي أورهان باموك، محاضرته التي حملت العنوان المفاجيء قليلاً في بساطته: حقيبة أبي، وفيها شدد مجدداً علي حاجة الأديب إلي العزلة، حتي كاد أن يجزم باستحالة كتابة أدب حقيقي خارج الانعزال (ويقصد بالضبط: بين أربعة جدران)، بعيداً عن صخب الجموع وضجيج الحياة في الخارج. وهو يكتب: يحلو لي أن أري نفسي منتمياً إلي تراث الكتّاب الذين ـ أينما كانوا في العالم، في الشرق أو في الغرب ـ ينقطعون عن المجتمع، ويغلقون علي أنفسهم في غرفة، صحبة الكتب. إن نقطة الإنطلاق للأدب الحقّ هي رجل يغلق علي نفسه في غرفة مع كتبه.

وأما حكاية الحقيبة فإنها منتزعة من سيرة باموك، وتروي أن أباه أورثه حقيبة صغيرة تحتوي علي كتابات إبداعية غير منشورة (كانت للأب محاولات شعرية وأدبية، كتبها خلال اربعينيات القرن الماضي) ومخطوطات ودفاتر مسودات، طالباً منه أن يفتحها بعد وفاته ويقرأ محتوياتها، علّه ـ وهو الروائي المكرّس ـ يجد فيها ما يصلح للنشر. لكن الابن تردد طويلاً في فتح الحقيبة لأسباب عديدة، بينها اشفاقه أن لا يجد في النصوص ما يرضيه، وخشيته أن تبرهن النصوص علي أن الأب لم يكن يأخذ الأدب علي محمل الجد، وخوفه أن يعثر فيها علي تفصيل خفي صاعق يخص حياة والده… وحين قرر فتح الحقيبة، فإن الابن لم يتجاسر علي قراءة كل ما خلفه الأب، واكتفي بالنزر اليسير قبل أن يغلق الحقيبة مجدداً.

والحال أن المحاضرة لا تنطوي علي أية إشارة إلي أي نوع من القضايا السياسية أو الاجتماعية ذات الإشكالية، سواء علي صعيد تركيا ذاتها (مذابح الأرمن واضطهاد الأكراد مثلاُ… بوصفهما في رأس لائحة الأسباب غير الأدبية وراء حصول باموك علي الجائزة)، أو العالم بأسره (العراق، الامبراطورية الأمريكية، إضرام نيران ما يُسمي صدام الحضارات، الشرق والغرب، الجوع والتخمة…). وليس في وسع المرء أن يدفع التناقض المذهل بين محاضرة هذا العام غير المكترثة إلا بغرفة الكاتب المغلقة، ومحاضرة السنة الماضية التي ألقاها المسرحي البريطاني الكبير هارولد بنتر، وكانت بمثابة قبضة جسورة رُفعت في وجه الهيمنة الأمريكية، وانحياز شجاع إلي ضحايا هذه الإمبريالية الغربية الوحشية، وإلي معذبي الأرض هنا وهناك. ولأن جائزة هذه السنة كانت مسيسة (كما كانت جائزة السنة الماضية في الواقع، والكثير من جوائز الأكاديمية السويدية خلال العقد المنصرم، ولست شخصياً أجد الأمر غريباً أو فظيعاً أو مستنكَراً)، فإن من حق المرء أن يبحث عن السياسة في محاضرة باموك، وأن يفتقد علي وجه التحديد القضيتين اللتين وضعتاه علي كل شفة ولسان في الغرب: المسؤولية التركية عن مذابح الأرمن أولاً، وقمع الأكراد ثانياً وبدرجة أقل. وبالطبع، ليس كل حائز علي الجائزة مضطراً للخوض في السياسة، ولكن حين تكتنف السياسة حيثيات الجائزة علي نحو مباشر أو غير مباشر، فإن غياب السياسة عن المحاضرة يصعب أن يمر بريئاً من المغزي المضاد، أي التعامي القصدي عن السياسة بقصد طرد تهمة الحيثيات السياسية.

كذلك يصعب علي المرء مقاومة إغواء المقارنة مع سنة أخري سابقة كانت فيها السياسة طافحة في ملابسات منح الجائزة، واضحة في حيثياتها وصريحة في سياقاتها التاريخية، أي سنة 1997 حين ذهبت نوبل الأدب إلي المسرحي والممثل والكاتب والكاتب الإيطالي داريو فو. الأكاديمية قالت الكلام التالي، المدهش تماماً، عن الفائز: اقتفي خطي مهرجي الملوك في القرون الوسطي، وألهب السلطة بسوط النقد، مستعيداً بذلك كرامة المهانين والضعفاء (…) بمزيج من الضحك والرصانة فتح أعيننا علي مفاسد المجتمع ومظالمه، وكذلك علي المنظور التاريخي العريض الذي يمكن أن تُوضع فيه. وإنّ استقلال رؤيته وصفاءها دفعاه إلي مجازفات خطيرة، عاني مباشرة من عواقبها، ولكنها في الوقت ذاته كفلت له استجابات هائلة في أوساط عريضة مختلفة. كيف انسجمت محاضرة داريو فو مع هذه الروحية السياسية والاجتماعية الطاغية علي بيان الأكاديمية السويدية؟ بدل المحاضرة الموعودة، وصل فو إلي ستوكهولم متأبطاً 25 رسماً كاريكاتورياً، أنجزها بنفسه علي طريقة الرسوم المتحركة، واختصر فيها مراحل حياته الفنية، ومواقفه الأخلاقية والفلسفية، والمحطات التي مرّ بها وهو يشيّد أركان تجربته الفريدة كمسرحي مهرّج، ساخر من بَلاط المؤسسة علي اختلاف أنماطها. وفي مساء المحاضرة الموعود وزّع الفائز الرسوم علي أعضاء الأكاديمية بوصفها… محاضرة نوبل للآداب!

لسنا متأكدين، مع ذلك، أن المهرّج الكبير رسم تلك المحاضرة وهو حبيس جدران أربعة، والأرجح أنه كان في الحال النقيضة تماماً: أقصي الصخب، وأعلي الضجيج، وأشد التهريج!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية