غرقت الرصاصة في العتمة

حجم الخط
0

فادي سعدالرصاصة كانت تنتظر. بعدما لقّم بندقيّته، لم يبقَ إلاّ أن تنتظر دورها. حملها القنّاص معه إلى سطح البناية القريبة. من هناك، عبر فوّهة البندقية، كانت تتلصلص على الحيّ. لمحتْ بعينَيْها المعدنيتين ناصية الشارع الطويل الخاوي. الجدارن التي ألبستها الحرب أسمالاً مثقوبة. المحال المغلقة، والعربات المحترقة. الركام المكتنز بالأسرار الذي خلفته قنابل الطائرات. بحدسها أحسّتْ أنها ستنبثق بعد قليل، فهذا القنّاص يبدو قليل الصبر من تململه المستمر. ستخرج أخيراً من سجنها لتشارك الجميع رقصة الموت. في الحروب، تزداد حريّتها ويغمرونها بالاهتمام. لم تعد تفكّر كثيراً بخطّ سيرها ومآلها الأخير. ففي النهاية ستستقر في جسدٍ ما. هذه ميّزة القنّاصة: لا يضيّعونها في حجر جدارٍ أو طريق، ولا يلقونها في الهواء كما يفعل بعض الهواة في حفلات الأعراس والأفراح. القنّاص سيمنحها فرصة جديدة لتهتك لحم إنسان وروح إنسان، وربّما حياة عائلة بأكملها. لم يعد يعنيها الأمر أخلاقياً. فقد تعلّمتْ الرصاصة كيف تنظر إلى الحياة كحالة فِعْل وإرادة أولاً، منفصلة عن النتائج. التفكير الوجودي هو الذي يملي عليها اختياراتها. وفي آخر الأمر، ليست سوى رصاصة من معدن، لا تصلح لشيء غير القتل. وهي – وإنْ كانت تخجل أن تعترف بذلك أمام الآخرين – تجد هذا المعنى (الإجرامي من دون شك) لوجودها الذي استطاعت استنباطه من هذه الحياة العبثية، سبباً تستحق الحياة أن تُعاش من أجله.طبعاً لن تستطيع أن تبسط هذا المعنى بهذه الطريقة لضحاياها. فهم على الأغلب غاضبون منها. لكن يجب أن يفهم هذا العالم أنها أيضاً جزء من هذه الحياة العبثيّة ومساربها المعقّدة. مثلاً، ما نفع وجود السيف والمدفع، أو الحُليّ والتماثيل… أو الكتاب كمثال أخير؟لقد اختارتْ الحريّة المطلقة. لم تقيّدها حقائق الحياة، وشرائعها الأخلاقية المسبقة. هي الآن موجودة في هذه البندقية، وستؤدّي وظيفة لا يمكن أن تؤدّي غيرها. فجأة أحسّت بحركة. يحرّك القناص البندقية إلى الأعلى. يوجّهها صوب هدف ما. سمعتْ قرقعة الزناد، ثم فراغ أبيض وهواء ساخن لفح وجهها. إنها الحرب. ابتسمتْ بخبث قبل أن تندم. فرغم كلّ شيء، ما زال لديها قلب صغير، تؤلمه صرخات الألم وأنين الضحايا. تفضّل دائماً أن يكون اختراقها مميتاً حتى لا تسمع صخب الحشرجات والاحتضارات. قذفتها قوة دفع كبيرة. لم تستطع في البدء أن تفتح عينَيْها لشدّة الهبوب. وجدتْ نفسها في بحر صاخب من الأزيز وهسيس الخراب وجلجلة متواصلة من ضرب القنابل. فتحتْ عينَيها ببطء، وأكملتْ طيرانها صوب ضحيّتها. كانت تتمنّى لو أعلموها مسبقاً عن وجهتها الأخيرة. ولكنهم كانوا يجيبونها دائماً بضرورة الحفاظ على سريّة الموضوع. ‘أسرار عسكريّة’، على حدّ قولهم. عيناها باتتا مفتوحتين على سعتهما الآن، تشخصان إلى مشاهد الحرب المنثورة على الطريق كسكاكين مغروزة في جسد متورّم من الضرب. على يمينها رأته، شيخاً يندب وهو ينبش الركام، ويغمس يديه في ما تبقّى من حجارة بيته. كان ابنه يساعده في البحث. تناهى إلى سمعها أنين خافت في الجهة التي يبحثون فيها، لا يمكن إلاّ لأذنيها الرصاصيتَيْن المرهفتين أن تسمعه. كان الأنين يستنجد ويستغيث. وفكرتْ بأن تتوقف قليلاً لتدلّ البائسَيْن على مصدر الصوت. لكن لا وقت لذلك، فضحيّتها قد تغيّر مكانها إنْ تأخرّتْ، وأكثر ما تكره أن تخطئ الهدف. على يسارها رأتْ امرأة واقفة على شرفة متبقيّة وحيدة، في خاصرة بناء خراب، تنشر على حبل الغسيل صور أبنائها الأربعة المفقودين وصورة زوجها الشهيد. تمنّتْ لو كان لديها بعض الوقت للتلويح وإلقاء السلام. ربّما تربيت ناعم على الكتف. لكن ضحيّتها قد تغيّر مكانها، والقنّاص معروف بدقته، لا تريد خذلانه. قطعتْ أحد التقاطعات بين الطريق الرئيسي وزقاق معتم. لمحتْ خطفاً أربع جثث متروكة على طول الزقاق. قربهم، كانت طفلة جالسة تلعب بجديلتَيْها، وعلى وجهها خطّان لامعان من الدمع. أدارتْ الرصاصة رأسها بسرعة حتى لا تشعر بالضعف. الأطفال كانوا دائماً نقطة ضعفها التي تتسلّل عبرها ظلال من الشفقة. كلّما واجهتْ طفلاً، أصابتها رجفة تهزّ كيانها وقناعاتها، واعتراها شعور بالغثيان. كانت قد عاهدتْ نفسها سرّاً أن لا تؤذي أيّاً منهم مهما انحدرت الحرب في قذارتها.أكملتْ مسارها حتى اقتربت من شرفة يفصلها باب زجاجي عن داخل البيت. دنتْ حتى التصق وجهها المعدني بالزجاج، فتعرّفتْ على وجوه الساكنين المجتمعين في غرفة الجلوس. أمّ ملتفعة بثوب أسود، في أعلاه يبرز وجهها المستدير تحلّيه بعض التجاعيد وعينان سوداوان يشعّ منهما قلق الأمومة. على مسافة صغيرة من الأم، بنتٌ صغيرة لم تتجاوز العقد الأول من العمر تداعب دمية صغيرة شقراء. وفي الطرف الآخر من الغرفة، كان صبيّان مراهقان منهمكَين باللعب، في يد كلّ واحد منهما سيف خشبي يلوّحان بهما في الهواء في مبارزة وهمية. انقبض قلب الرصاصة أمام مشهد الأطفال، وعاودها الشعور بالغثيان. سمعت، قبل أن تخترق الزجاج، الأمَّ وهي تلاعب بنتها الصغيرة، وتناديها برنا. رنا، طفلة بيضاء بشعر حريريّ فاحم، تمنّت الرصاصة لو تحوّلت إلى لعبة بين يدَيْها الصغيرتين. سمعتْ ضحكتها ذات الرنّة العالية كأغنية ريفيّة حزينة. كانت رنا تلعب عندما لمحتْ الأمُّ الرصاصة وهي تقتحم زجاج الشرفة. وثبَتْ بجسدها تمدّه ساتراً أمامها، لكنها تأخرّتْ. كانت طلقة الموت أسرع. لم تصدّق الرصاصة أنها مُصوّبة لتستقر في جسد رنا. ماذا كان يفكّر ذاك القنّاص المجرم؟ انكمشت روحها وهي تقترب من الجسد الغضّ. أحسّتْ بحبل الذنب والخطيئة يلفّ عنقها المعدني. تمنّتْ الموت في هذه اللحظة. أن تنتهي قوّة دفعها وتبتلعها الأرض في أحد شقوقها المنسيّة. حاولتْ أن تغيّر مسارها ولكن قوّة الدفع كانت أقوى منها. شرعت الرصاصة بالصراخ أزيزاً اختلط بصوت بكائها. كانت رقبة رنا تكبر أمام ناظريها. أغلقت عينيها ورفعت رأسها إلى السماء. لكنّ الوقت لم يسعفها لقول أيّ شيء. ارتطمت بلحمٍ ناعم أملس، وكان آخر ما سمعته شهقة مرعبة لأمّ ثكلى.في ذلك الدهليز المعتم من اللحم البشريّ، فتحتْ الرصاصة عينَيْها ثانية. تلفّتت حواليها لتجد نفسها في مكان يشبه الحنجرة: الحبال الصوتية التي مزقتها في طريقها، تلك اللهاة البعيدة والجدران الناعمة الملمس العائمة في بحر من الدم. هذه حنجرة رنا إذاً، حنجرة نازفة، وأنا السبب قالت لنفسها. كانت تسمع أصوات صراخ غائمة تأتيها من الخارج. جلبة وصفير عربة إسعاف. غرغرة قريبة وشهيق صاخب لطفلة تختنق. أجهشتْ الرصاصة بالبكاء، وفكّرت بعمل أيّ شيء لإنقاذ رنا. رأتهم يحاولون شفط الدم من الأعلى لِوقْف النزيف، لكنّها كانت تدرك مسبقاً عقم محاولاتهم. فعلى مقربة منها كانت تراه، الشريان الذي أصابته برأسها في عقره. الشريان الطفوليّ المنحور الذي لن تكفي ضمادات العالم كلّه لرتق شقّه. اختلط دمع الرصاصة بدم رنا. كانت تحسّ بالجسد تتناقله أيادٍ ومحفّات. يصلها صوت الأنابيب وصراخ الأطباء في الخارج وخرير الدم يحاصرها في الداخل. سدّت أذنَيْها، ركعتْ أمام الحنجرة النازفة وشرعتْ تتوسّل إلى السماء. لم تتخيّل أنها ستفعل ذلك يوماً، لكن العجز وهول الجريمة التي ارتكبتْها حوّلاها إلى كتلة هلاميّة من الخوف والإثم والحبّ الميّت.بدأ الهدوء يحفّ بالمكان. رنا لم تعد تصدر أصواتاً. والذين كانوا يسعفونها تفرّقوا. حتى الشريان بدا وكأنه تعب من النزيف. صمتٌ أسود، ورنا بدتْ هادئة كطفلة نائمة.لم تعد الرصاصة تسمع إلاّ صوت نحيبها. ما عاد يهمّها الخروج من الجثّة. قرّرت أن تبقى مع رنا في قبرها. كانت تسمع خبط الرفوش تحثو التراب على وجهها الجميل.وغرقت الرصاصة في العتمة. ‘ كاتب من سورية يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية