د. إبراهيم خليلبعد رواياته ‘ الطريق إلى بلحارث’ 1982 و ‘وقت ‘1984 و ‘ مخلفات الزوابع الأخيرة ‘ 1984 و’ الحياة على ذمة الموت ‘ 1993 و ‘ ليلة الريش ‘ 2004 و ‘ عندما تشيخ الذئاب ‘ 2008 تصدر للكاتب جمال ناجي رواية جديدة في بيروت بعنوان ‘غريب النهر’ 2012 لتؤكد رسوخ قدمه في هذا الفن الأدبي ، وتطور أدائه ، إن كان ذلك على مستوى الرؤية أو الأداة.فالقارئ- أيا كان- لا يستطيع أن يفت من التأثير الشيق الذي تتركه فيه الحوادث المحكية بالطرائق الجديدة التي سلكها الروائي في سرده. فالمجريات المألوفة تمكن من عرضها بوصفها مفاجآت تارة، أو ألغازا غامضة تحتاج إلى ما يفسرها ويكشف عما فيها من غموض. وهذا الكشفُ بحد ذاته- له تأثيره في القارئ المتلهف لمعرفة الأكمة وما وراء الأكمة.فابتداءً يمثل اسماعيل عبد الجبار ابو حلة لغزا.فهو من (العباسية) التي تقع على كثب من(يافا) وهو مزارع وصاحب بيارة في الغور قريبا من الشونة الجنوبية،ولم يذكر لنا الراوي العليم من هو اسماعيل هذا (عمي اسماعين) ومن هو أبوه إلا بعد صفحات كثيرة، عندما بدا لنا الراوي العليم وكأنه قرين لأبي مصطفى فهو يتذكر ما لا يذكره ابنه اسمعين عنه وعن ممارساته في المناسبات والمواسم، وعن زوجاته الأربع: صفية، وفهمية، وزكية، وأخيرا عائشة أم إسماعيل وحمدان، وعن وقوعه في أيدي جنود الانتداب بسبب شرائه الأسلحة وتوزيعها على الثوار وإخفاء بعضها في مستودع الحصرولذا جرى اعتقاله والزج به في السجن، يذكر الراوي ذلك فيما القارئ ما يزال واجما أمام اللغز الذي استهل به الكاتب الحكاية وهو قدوم شوكت ليتضح بعد صفحات كثيرة تروى فيها حوادث فرعية أن شوكت هذا هو ابن مصطفى أبو حلة ، فمن هو هذا المصطفى؟ تتطلب الإجابة عن هذا التساؤل الرجوع بالذاكرة إلى الوراء ، وتحديدا إلى بدايات الحرب الأولى وجمال باشا وجمع المجندين بالإكراه وزجهم عنوة في أتون الحرب وكان من بين الذين جرى تجنيدهم لسوء الحظ مصطفى، ولكن الحظ تبسم له فقد أتاحت له محاسن الصدف أن يوضع تحت إمرة أمباشي هو طلعت آتاش الذي جرت له معه مفارقات عدة منها أنه أصبح بعد الحرب مرافقا لياوز آتاش والد طلعت، وأتقن التركية، وقيادة القطار، وتزوج (بنوسين ) شقيقة طلعت، وبعد أربعة عشر عاما من الانتظار رزق بتوأمين أحدهما شوكت الذي يشبه أباه كثيرا، والآخر يلماز الذي يعمل في معابر الحدود التركية.بيد أن إسماعيل الذي ارتاب في حكاية شوكت، أول الأمر، ولم يصدق أنه ابن أخيه، الذي انقطعت أخباره منذ أمد بعيد، وظنوه ميتا وأصبحت عظامه مكاحل، لم يلحظ الشبه بين شوكت وأخيه الأكبر مصطفى، وللزمن أثره في ذلك. فكم من السنوات مرت على الفراق الذي امتد شأوه من تلك الحرب حتى منتصف تسعينات القرن الماضي( العشرين)؟ ولكن ما يصدر عن شوكت من الأسئلة يبدد هذه الشكوك، ويساعد على جلاء بعض الغموض الذي يحيط بهذا الغريب، فقد سأل عن قبر عائشة وهي جدته، وسأل عن قبر وحيد الحنش زوج نجود وهؤلاء من أفراد العائلة، ولكن الغموض لم يزل حتى مع هذه الأسئلة فثمة حقيبة صغيرة تسترعي انتباه فخرية واسمعين لأن الضيف المفاجئ هذا يتشبث بها ويكاد لا يفلتها من يده حتى وهو يغط في سباته العميق.وثمة استطراد في حكاية غريب النهر، فشوكت هو الغريب بالنظر لأصحاب المزرعة(البيارة) أما هم فلم يعودوا غرباء على الرغم من أنهم جاءوا إلى المكان طارئين بعد عام النكبة. ولكن المكان فيما يبدو- ووفقا لمعالجة الراوي للحكاية هاجر مع من هاجر. وهذا يؤكد مبدأ إنسانيا تعززة التجارب والخبرة. فحيثما هاجر الإنسان يحاول أن يسبغ على المكان الجديد الذي يستقر فيه ملامح المكان الذي غادره. وإذا نجح في هذا أو كاد زايلته حمى الاغتراب واقتنع أو كاد يقتنع بأنه لم يعد غريبا ،وهذا ما كان لأسرة اسماعين أبو حلة. فقد باع كل شيء في سبيل أن يشتري قطعة أرض يحولها لما يشبه (عباسية) أخرى على كثب من الشونة الجنوبية. وقد ساعده على تحقيق ذلك وحيد الحنش الموظف في الزراعة قبيل أن يلقى حتفه في حادثة سير. يرصد الراوي العليم وفقا لمبدأ الاستجابة لحوافز السرد والتحولات التي تطرأ على الأسرة بصفة عامة وعلى اسماعين بصفة خاصة العلاقة التي تنشأ سرا بين ارملة وحيد (نجود) واسماعين. وتنتهي تلك العلاقة بزواج غير مقبول من فخرية التي تشترط عليه ألا تقيما في مكان واحد. وحين تنجب له المولودة خلود تقيم فخرية الدنيا فهي تحرض أبناءها على أبيهم لأن البيارة ستفلت من أيديهم وتخشى أن يكتبها لكل من نجود وابنته خلود. يجري هذا كله فيما يشبه التقاطع بين قوسين الذي يعترض نسق تسلسل الحوادث التي تروي الحكاية الرئيسة ؛ حكاية شوكت ورزاق.فعند قدوم رزاق، الذي يحمل جوازات سفر عدة، ينحرف اتجاه الحكاية نحو مزيد من التفاصيل التي تتعلق بعائلة (أبو حلة) فتثار على مستوى المحكي السردي مسألة شعبان وزوجنه شهلة التي تتلخص بكلمتين هما: مبذرة، وعلى الموضة. وتثار مشكلة رزاق التي تتلخص هي الأخرى بكلمتين هما: غضيب، وبلعب بالمصاري لعب. وجهاد الذي التحق بالجبهة الديمقراطية وانتهى به المطاف في رام الله بعد اتفاق أوسلو، في هذه الأثناء وقبل ثلاثة اشهر من وقوف الزائر الغريب شوكت اكتشف خطأ في أوراق رزاق عند أحد معابر الحدود التركية، وتشاء الأقدار أن يكون الموظف المسئول يلماز أوغلو شقيق شوكت أي ابن مصطفى أبو حلة الثاني. وجرى التعارف بين الاثنين، ثم تعرف شوكت ورزاق واستقى منه المعلومات عن الأسرة فقرر القدوم إلى الأردن ليمثل ظهوره أمام منزل اسماعين بداية اللغز الذي يحتاج للتفسير والإيضاح. وتتعاقب المفاجآت واحدة تلو الأخرى، معرفة شعبان بابن عمه شوكت، عودة رزاق، تحول نجود، التي وصفت في موقع ما بالعاهرة، إلى سلفية تضع النقاب وتغادر مجاهدة في سبيل الدعوة، والحقيبة الصغيرة التي كانت مثار استهجان اسماعين وفخرية يتضح أنها تحتوي أوراقا على جانب كبير من الأهمية؛ خرائط توضح موقع أحد الكنوز التي تركها الأتراك العثمانيون في اثناء انسحابهم من البلاد .والحديث عن الدفائن والكنوز حديث يشد القارئ مثلما يشد أبطال الرواية، فعندما بسط شوكت الخريطة أمام رزاق وخلود وإسماعين وجرى الحديث عن الرموز والخطوط والأسهم انتقل هاجس الكشف عن حقيقة الدفائن من الأبطال للقارئ الذي يصبح من هاتيك اللحظة شريكا في اللعبة المحكية. وحين ينجح شوكت ومن معه في تحديد موقع الكنز ويبدأ الحفر ويتراءى لهم أن في الأمر رصدا ينتقل الإحساس برهاب الجن للقارئ نفسه، لكن المفاجأة على عادة الكاتب- تتجسد في أن الصندوق الذي جرى استخراجه من باطن الأرض لا يحتوي إلا اشياء لا قيمة لها ‘ سترة عسكرية تحمل رقم الأمباشي طلعت خال شوكت. وتمثالا برونزيا وآخر جيريا ونقودا قديمة تعود إلى زمن الخليفة عبد الملك بن مروان ‘.وتسفر المفاجأة عن مفاجأة أخرى، تؤدي إلى تجنب الإحباط ، ففي الصندوق ورقة مطوية طيّ الحرز الثمين، وعندما بسطها شوكت تبين أن فيها خارطة أخرى ترشد من يمتلكها لدفائن ثانية وكنوز في أريحا. ولكن حلاوة المفاجأة ها هنا- تصطدم بسؤال: كيف السبيل للوصول إلى هذا الكنز؟ فالاحتلال – بلا ريب – لن يسمح لكثيرين منهم بالدخول، أو القدوم، باستثناء شوكت الذي يستطيع الحصول على تأشيرة بحكم أنه تركي، على أن شوكت ورزاق يتمكنان من السفر إلى أريحا، الأول بتأشيرة، والثاني بتصريح عن طريق أخيه جهاد الذي يعمل لدى السلطة في رام الله. وإذا تجاوزنا المفاجأة المتمثلة بقدوم (سفر) شقيقة فخرية، جابهتنا مفاجأة أخرى وهي بدلا من العثور على صندوق واحد في أريحا عثروا على صندوقين أحدهما بحجم التابوت. ووجدوا فيهما خواتم ذهبية مرصعة بأحجار من الزمرد و32 ليرة عصملية وولاعة ذات قاعدة ذهبية وساعة جيب بسلسة من الذهب و3 كشتبانات من الفضة ونفائس أخرى يصعب نقلها عبر الحدود ، وعلى الرغم من هذا كله لا تخلو جعبة الراوي العليم من المفاجآت، فقد جرى العثور على ورقة أخرى في أحد الصندوقين ترشد إلى كنز آخر ولكنه هذه المرة في العباسية على كثب من سكة حديد اللد. حفزت المفاجأة الجديدة شوكت لزيارة قريته التي تقع على مسافة غير بعيدة من يافا ليخبره سائق سيارة البيجو أن القرية دمرت عام 1948 ولم يبق منها إلا ما يراه من أطلال دارسة، وآثار باقية متداعية ،مما أعاده مرة أخرى إلى البيارة بخفي حنين.مسالة البحث عن الكنوز، والإخفاق الملازم، مسألة توحي بدلالات رمزية، ربما قصدها الكاتب. غير أن سيال المفاجآت لا يتوقف. فقد فوجئ الجميع باستثناء شوكت أن مصطفى أبو حلة لم يمت مثلما ظنوا من زمن بعيد، وإنما ظل حيا يرزق حتى ساعة عودة شوكت من العباسية، فعندما اتصل بالهاتف مع أخيه يلماز أخبره هذا بوفاة الابن الأكبر لعبد الجبار أبو حلة ، وفي هذا لغو اضطر شوكت لتفسيره، فأبوه العاجز المقعد منذ سنين طويلة تجنب أن يكتشف أهله ما آلت إليه أوضاعه الصحية على الرغم من أنه زار لبنان في الثمانينات سائلا عن ذويه، وعن أقاربه، فظنه كثيرون عجوزا خرفا يتحدث عن حرب السفر برلك التي مضى عليها مايقارب السبعين سنة.وقد اتصلت بالمفاجأة واحدة أخرى وهي وصية مصطفى أن يدفن في العباسية، فإنْ استحال ذلك، أن يدفن في أي بقعة من فلسطين. وقد تحايل الجميع على السلطات في كل من (فلسطين المحتلة) ورام الله للسماح بدفنه وفقا للوصية دون فائدة، فاضطروا بناء على اقتراح من خلود أن يدفنوه سرا في الحافة الغربية من النهر، فكأنَّ هذا الدفن يوحي بأن الغريب الذي عناه المؤلف بالعنوان هو مصطفى أبو حلة مثلما كان الغريب في بداية الرواية هو ابنه شوكت. والسؤال الذي يطرح نفسه، بعد هذه الوقفة الموجزة عند أبرز مفاصل هذه الحكاية، هو : أيهما أولى باهتمام الدارس، والناقد، الحكاية أم الخطاب الأدبي الذي يحيط بها مثلما يحيط السوار بالمعصم؟ كثير من الناس عندما يسألون عما أعجبهم في الرواية يشيرون إلى الحكاية. وهذا شيء طبيعي، ويتفق مع آراء كثيرة جدا ترى في الحكاية حجر الزاوية في المبنى الروائي. وأنا على العكس من ذلك، لا أرى في هذه الحكاية بالذات ما يثير الاهتمام سوى التشويق الذي يوقع القارئ تحت تأثيره وسحْره، فلا يُفلت الرواية من بين يديه إلا حين ينتهي من القراءة.وقد يشجعه هذا الأثر على إعادة القراءة من جديد دون أن يفقد النص سحره. والذي أراه هو أن الخطاب الأدبي الفني هو الأرجح في موازين النقد. فالأشخاص الين يعرفون مثل هذه الحكايات ويروونها كثيرون، وقد ظن بعضهم أنهم بذلك يستطيعون كتابة الرواية. وفاتهم أن الرواية فنٌّ، وصناعة، يحتاجان إلى ثقافة، ومهارة، لا تتوافر إلا للموهوبين، ممن صقلوا استعدادهم الفطري بالممارسة والخبرة.وقد أوتي جمال ناجي حظا من الخبرة، وقسطا من المواهب، مكناه من تفكيك الحكاية المتخيلة، وإعادة بنائها على وفق المنظور الروائي الذي يلتبس فيه الواقع بالمتخيل، والمتخيل بالواقع، فلا يتضح الفرق بينهما إلا لمن أوتي القدرة على التذوق، والتحليل، والتمحيص. فعلى سبيل المثال قد تبدو الرواية (غريب النهر) لبعض الناس من القراء، والنقدة، على السواء، رواية تاريخية، وهذا في رأيي- ضربٌ باطل من الظن، واجتهاد غير دقيق، فالتاريخ ها هنا- يمتزج بالمتخيل السردي امتزاجا طريفا فيبدو المكون التاريخي فيها جزءا لا يتجزأ من المتخيل الحكائي. والمقاطع السردية التي تتعلق بجمال باشا وحكاية مصطفى والسفر برلك مكونات سردية تلتحم التحاما عضويا بحكاية شوكت واسماعين ورزاق وشعبان وخلود ونجود، وحتى اتفاق أوسلو، ووادي عربة، واجتياح بيروت 1982 وبما أن الخطاب الأدبي هو الذي يعنينا عندما نقرأ الرواية، فإن هذا يقودنا للحديث عن أركان لرواية وفي مقدمتها الحبكة التي هي الحجر الأساس.وقد ذهب فورستر E.M.Forster وهو كاتب روائي بريطاني وناقد ترك لنا كتابا قيما بعنوان ‘ أركان الرواية ‘ Aspects of the Novel يزعم فيه أن الحبكة الجيدة هي التي تميز الرواية من اللارواية. فكثيرون هم من يحاولون كتابة قصص طويلة، وروايات غرامية، مأخوذين بسحر هذا الفن الرفيع، وما يتمتع به من (كاريزما) غير أن قلة منهم هي التي تحسن كتابة الرواية بحبكة جيدة. وأعتقد أن جمال ناجي في (غريب النهر) يقدم لنا مثالا نموذجيا لتلك الحبكة التي عناها فورستر بتأكيده ذاك. فقد نجح في أن يقدم حبكة صيغت على أساس التلاعب بمقادير الشخوص، وتصاريف الزمن. محققا الترابط والتوازن بين ما يحدث وما يتوقف عليه من نتائج، مراعيا بدقة تسلسل الحوافز الغامضة، والحوافز التي تزيل الغموض، مما يضع المتلقي في مناخ ديناميكي يحركه في اتجاهين متقابلينن، أحدهما يدفع به دفعا لمعرفة ما سيحدث، والآخر يدفع به في الاتجاه المقابل، وهو تذكر ما حدث، دون أن يفارق الراوي العليم حرصُه على الكشف عما تختلج به نفوس الشخصيات من هواجس، ومن ذكريات، ومن آمال عراض، أو خيبة مرة، تشفّ- بطريقة غير مباشرة- عن طبائعها: فشهلة مبذرة، وفخرية غيورة، وشعبان انتهاوزي، ورزاق عابث، واسماعين نسونجي مثلا- وما من شخصية في هذه الرواية، على كثرتها ،إلا ولها سمة تمثل مفتاحًا صغيرًا كذلك الذي يفضي بنا إلى الحصون، والقلاع، والغرف المحظورة.فالشخصيات تتكلمُ، وتتحاور بألسنة عدة، وهذا يساند حبكة الرواية لتبدو بعيدة عن الافتعال، ومتقنة، فما الذي يدفع بالكاتب للتنويع في مستويات الخطاب اللهجي في الرواية غير التزامه بالمبدأ الذي تطرق إليه باختين في كتابه (شعرية دستويفسكي) وهو أن تكون الرواية صورة لتعدّد الأصوات، وتنوع اللغيّات. ومن هو الذي لا يذهب به الظن مذهب منْ يعتقد أن الكاتبَ، في بعض المواضع من الرواية، يستخدم لغة النساء بدقة، حتى ليرتاب في أن امراة ما ربما كتبت له تلك الفقرات، أو قامت إحداهن بتصحيحها له وإضافة المسحة الأنثوية، أوْ أن الراوي العليم يتقمص شخصية نسوية في هذا الموقع، أو ذاك ، فلا نكاد نفرق بينه وبين المرأة.وهذا باعتقادنا مكون آخر يُضفي على الخطاب الأدبيّ في غريب النهر مصداقية فنية تمحو الفوارق بين الخيال والواقع.*ناقد وأكاديمي من الأردن