غزة: الإسرائيليون لا يفهمون المسلمين

حجم الخط
0

من جولة في السامرة أجراها لي بوعز هعتسني، ثمة انطباع واحد يصعب علي أن أنساه، فقد أشار إلى سلسلة الدكاكين التي مررنا بها في شارع مركزي في قرية عربية قائلاً: «انظري، انتبهي لليافطات، كلمة «أندلس» تتكرر فيها؛ فهم يتوقون إلى إسبانيا ويعتزمون العودة حتى إلى هناك. من وجهة نظرهم فإن إسبانيا نزعت منهم بالضبط مثلما نزعت فلسطين».
أما حقيقة أن إسبانيا كانت موجودة قبل الاحتلال الإسلامي وبعده فلا تغير شيئًا من هذه الفكرة (إسبانهم وفقًا لقوانين الله)، والدليل هو أنهم كانوا هناك واضطروا إلى الرحيل. هناك مسلمون يدعون إلى تحقيق حق العودة إلى إسبانيا، وآخرون يرون أنفسهم لاجئي إسبانيا، ومنهم من يرون الإسبانيين كمحتلين.
إن اللجوء الإسلامي هو فكرة مختلفة تمامًا عن فكرة اللجوء الغربي، فالمسلم يمكنه أن يكون لاجئًا حتى لو كان هو، أبوه وجده لم يلجأوا من أي دولة. كما يمكنه أن يكون لاجئ دولة احتلها بالقوة وبعدها طرد منها. يدور الحديث عن لجوء ميتافيزيقي، وبهذه القوة فإن الحديث يدور عمليًا عن لاجئ خالد. إذا لم يحتل أو يعيد احتلال ما أعطاه الله له (أي: العالم كله)، فإنه كافر في واجبه الديني.
يتاح اللجوء الميتافيزيقي من خلال خيط من مبدأين أساسيين، مبدأ «الصمود»، أي التمسك بالأرض، إلى جانب مبدأ الزمن المتقطع. فبينما تقدس الثقافة الغربية الحاضر والثواب الفوري، فإن الزمن الإسلامي يمتد على محور آخر، يكون فيه للحاضر أهمية قليلة وثانوية تمامًا. المسلم المؤمن يحتقر ثقافة اللحظة للإنسان الغربي وعدم صموده أمام المحن أو المعاناة. فالمعاناة في غزة مثلاً تعدّ ضريبة ينبغي دفعها، والمعانون أنفسهم هم حلقة في سلسلة مهمة، أكثر من مجموع أجزائها.
إن جولة إسرائيل الحالية حيال غزة أغرقها (مرة أخرى سوء الفهم العميق للثيولوجيا الإسلامية في عيون الإسرائيليين. فالغرور الغبي يتوزع هذه المرة بالتساوي بين المعسكرين: اليسار لا يزال أسيرًا ـ إلى الأبد على ما يبدو ـ للمفهوم الرومانسي بأن العربي الأصيل من غزة ليس سوى ضحية يائسة تقف أمام فوانيس شاحنة الصهيونية الكاسحة وليس في يده سوى مقلاع الحجر. مفهوم أن الواقع معاكس، وذلك لأن الوقود الذي يشعل الطائرات الورقية الحارقة ليس اليأس، بل المشاعر المعاكسة ـ الامل في احتلال كل الارض من الشمال وحتى الجنوب.
اليمين هو الآخر ـ إذ يدعو الحكومة للوصول إلى حل «ضربة واحدة وانتهينا»، وإلى إسقاط حكم حماس ـ مصاب بالتعالي الذي نتيجته الاستخفاف بالعدو. نعم، قوات الأمن يمكنها أن تسقط حماس، ولكن السؤال هو ماذا سيأتي محلها؟ والرأي يقول إنه لن تقوم قيادة جديدة تؤيد المساواة بين الجنسيين وحقوق المثليين. والسيناريو الأكثر واقعية هو أنه في غياب حكم مركزي، ستقوم كثير من الجماعات التي ستشعل الحدود من أجل أي مبلغ رمزي من جانب الطاغية الإيراني.
حتى لو اضطرت إسرائيل للعودة إلى القطاع، وحتى لو وجدت نفسها تحتله من جديد، فينبغي أن نقول باستقامة عقلية: إن عملية من هذا النوع ليست سوى تجميلية فقط. فالعربي الغزي سيخاف العصا اليمينية حتى لو آلمته جدًا. كما أنه لا يوشك على الرضى من الجزرة التي يعرضها عليه اليسار، مهما كانت سخية. والتفكير بأن نتنياهو مذنب، أو أن الاحتلال مذنب، هو تفكير مغرور ونرجسي. فمن يتحمل كل الذنب، يفترض مسبقًا أنه كلي القدرة.
غير أنلعبة كهذه بالنسبة للعربي الغزي هي لعبة مجموعها الصفر ـ إما هم أو نحن. وعندما تكون هذه هي حدود اللعبة، فما يتبقى لإسرائيل هو إدارة النزاع. أما إمكانية حله، فهذه ببساطة لا توجد على الطاولة.

إسرائيل اليوم 19/7/2018

غزة: الإسرائيليون لا يفهمون المسلمين
بالنسبة لهم فإن اللعبة هي إما نحن أو هم ولا يتبقى سوى إدارة النزاع
جاليت ديستل ـ اتبريان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية