في المؤتمر الوطني الذي صادقت فيه وفود الحزب على ترشيح نائبة الرئيس، كامالا هاريس كمرشحة في انتخابات الرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حرصت اللجنة الوطنية على استبعاد الأصوات الفلسطينية من المنصة الرئيسية ولم ترد أن تخرب غزة جو الفرح الذي جلبته شخصيات مثل باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما وبيل كلينتون وزوجته هيلاري ونجمة البرامج التلفزيونية أوبرا وينفري والشخصية المؤثرة في عالم الإعلام. وذهب المنظمون بعيدا في التكتم على حضور وينفري المناسبة حيث ألبسوها قبعة وقناعا ونظارة سوداء، لكي تكون المفاجأة للحفل. وتنافس كل المتحدثين في المؤتمر الذي عقد في شيكاغو، التي تعتبر قلب الوجود الفلسطيني في الولايات المتحدة بالحديث عن مزايا هاريس باعتبارها الأول في كل شيء، ملونة وامرأة وقوية وتضحك دائما وإن كانت ضحكتها مثار انتقاد منافسها دونالد ترامب باعتبارها قناعا لعدم القدرة على الحديث. ولكنها تحدثت في المؤتمر عن كل شيء إلا غزة التي ظلت تحوم فوق المؤتمر.
وكانت غزة هي الكلمة التي حرص المنظمون والمشاركون أن لا تنطق في المؤتمر، فهي ستكشف عن خلافاتهم في وقت أردوا فيه الوحدة أمام الجمهوريين الذين عقدوا مؤتمرهم بصخب كبير وخطاب طويل لترامب في النهاية. مع أن خطاب هاريس ليلة الخميس كان قصيرا، 40 دقيقة. وتجنبت فيه كعادتها تقديم موقف سياسي واضح من الحرب في غزة باستثناء الحديث عن أهمية توفير الأسلحة لإسرائيل كي تكون قادرة للدفاع عن نفسها، وذرف دموع التماسيح على ضحايا الحرب الإسرائيلية في غزة والذين يقتلون بالسلاح الأمريكي.
وحاولت هاريس أن ترضي الطرفين داخل الحزب مع أنها بالضرورة أرضت الناخبين المؤيدين لإسرائيل، رغم ما بدا من كلامها القوي «كررت مرتين» و«سأكون واضحة» وهي تعلم أن مئات المحتجين خارج قاعة المؤتمر كانوا يطالبون الولايات المتحدة بوقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، كوسيلة لإجبار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على التوقف عن قصف الأحياء المكتظة بالسكان، كما وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» (23/8/2024). وقالت هاريس وكأنها تأخذ فقرة من خطاب لبايدن: «سأقف دائما مع حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» مضيفة «لأن شعب إسرائيل يجب ألا يواجه مرة أخرى الرعب الذي تسببت فيه منظمة إرهابية تسمى حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر». ثم واصلت وصف المذبحة في مهرجان موسيقي صباح يوم السبت، قبل 10 أشهر، مشيرة على وجه التحديد إلى «العنف الجنسي الذي لا يوصف» في ذلك الصباح، وهو الاتهام الذي تواصل حماس إنكاره. وعندما جاء الحديث عن غزة أشارت إلى الأضرار «المدمرة» و«الأرواح البريئة المفقودة» عندما رد الإسرائيليون، قائلة: «إن حجم المعاناة مفجع». ويبدو وكأنها وكاتب خطابها حاولوا المراوغة وتجنب الإشارات لما ستفعله هاريس في الحرب وإسرائيل وغزة لو انتخبت للرئاسة.
وربما عولت على أن قضايا السياسة الخارجية ليست مهمة للناخبين. مع أنها أصبحت قضية محورية هذا العام بسبب الحرب الإبادية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة. و«كانت لحظة مذهلة في مؤتمر، حتى ساعاته الأخيرة ليلة الخميس، جعل قضايا العالم الملتهبة في آخر القائمة» كما تقول «نيويورك تايمز». وقد رفض منظمو المؤتمر طلبا من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، بما في ذلك حفنة من المندوبين غير الملتزمين، بالسماح لصوت فلسطيني أمريكي بالتحدث من على المنصة. وكان من شأنه أن يكون النغمة المتنافرة الوحيدة في ما كان مصمَّما لأن يكون خاليا من المعارضة لمدة أربعة أيام. وكانت هاريس تدرك تمام الإدراك أن قضية غزة والاحتجاجات التي أثارتها في الحرم الجامعي قد تركت الإدارة محاصرة بين دائرتين انتخابيتين قويتين – الديمقراطيون المؤيدون لإسرائيل والتقدميون الأصغر سنا – وكانت تبحث عن طريقة لتهدئة القضية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. في النهاية، اعتمدت هاريس على نبرة قوية في مخاطبة المحتجين في الحزب، بدلا من تغيير السياسة. ويبدو أن إدارة بايدن تقوم بلعبة تبادل أدوار حيث تميل الكفة دائما إلى إسرائيل وبنيامين نتنياهو الذي يضطر جو بايدن للتنازل له، رغم التهديد والوعيد بفرض تداعيات على طريقة إدارة الحرب. ومع ذلك التزم بايدن ومنذ البداية بأهداف الحرب وهي تدمير حماس، التي انتهت بتدمير إسرائيل غزة والفلسطينيين.
واليوم لا يوجد مكان آمن في غزة وتضيق المساحة على السكان الذين يتم تهجيرهم كل يوم، ولم يعد الناس المتعبون قادرين على إحصاء عدد المرات التي تركوا فيها أماكنهم. لكن الحزب الديمقراطي الذي أراد إشاعة الفرح والبهجة بين المشاركين أراد مع المتحدثين فيه تجنب كلمة غزة والتعمية على كل صوت يريد أن يذكرها كما حدث مع محجبة هي جزء من وفد للمشاركة في عملية ترشيح هاريس حيث ضربت بعصا لافتة وغمرت بأصوات المشاركين وهم يهتفون «نحن جو». وعندما اعتصمت مجموعة غير ملتزم أمام مقر الاجتماع بانتظار أن يسمح لفلسطيني أمريكي الحديث أمام المؤتمر انتهى المؤتمر دون رد من اللجنة الوطنية للحزب. وكما علق جيت هير في «ذي نيشن» (23/8/2024) فالفرحة لا تكفي لحل أزمة حقيقية تواجه الحزب. وقال إن جو البهجة والفرح كان من الصعب التعامل معه وسط تجاهل الهجوم الإسرائيلي ضد غزة والذي قتل حتى الآن أكثر من 40.000 فلسطيني، وهو رقم متواضع لأنه قد يكون ثلاثة أضعاف. لأن الحرب الحالية على غزة تمولها أمريكا التي تقدم الحماية الدبلوماسية للحكومة الإسرائيلية حتى في الوقت الذي تقدم فيه المنظمات الدولية أدلة موثوقة على جرائم الحرب المنهجية المستمرة. وفي وقت قدم فيه الأطباء القادمون من غزة، شهادات عن جرائم حرب ساحقة، وفي داخل المنطقة المخصصة للمؤتمر.
وأضاف الكاتب أن حملة هاريس، فشلت حتى الآن لتقديم أي دليل على خططها لتغيير استراتيجية بايدن القائمة على «عناق الدب» والتي تقدم الدعم غير المشروط لإسرائيل وتساعد على استمرار هذه المذبحة.
والآن وقد فكك الحزب الديمقراطي مضاربه ورجعت قبائله إلى ولاياتها لتحضر لما تبقى من أيام على الانتخابات، فقد يكتشفون أن لحظة الفرح في الأيام الأربعة بمدينة شيكاغو، كانت حلما عابرا. صحيح أن الحزب قد تجنب مظاهرات عام 1968 التي أدت تظاهراتها لخسارة مرشحه هيوبرت همفري بسبب فيتنام، إلا أن الانتخابات ليست فقط عن المزاج بل عن السياسات الفعلية. فالظل الذي ألقته غزة على المؤتمر الوطني الديمقراطي هو علامة مبكرة للديمقراطيين وضرورة تعاملهم بجدية مع السياسة. ولا يمكن استخدام الفرحة للتهرب من المهام الصعبة المقبلة، بما فيها مهمة تجاوز سياسة بايدن الفاشلة في الشرق الأوسط. وهو نفس الكلام الذي حذر منه يوجين روبنسون في «واشنطن بوست» (20/8/2024) من أن الحزب حاول التأكيد على وحدته وليس غزة، ولهذا حدد التظاهرات المضادة للحرب، وهو ما أدى لقلة عدد المشاركين فيها، فبدلا من 20.000 مشارك متوقع لم يشارك في تظاهرات اليوم الأول للمؤتمر سوى آلاف، لكنها لم تخف الغضب والعاطفة عما يجري في غزة من فظائع وقتل. ويرى روبنسون أنه في عدم التوصل إلى اتفاق حتى الآن بشأن وقف إطلاق النار، ومع عودة الطلاب الجامعيين قريبا إلى حرم جامعاتهم، لن يمنح الديمقراطيون أي نوع من الحرية فيما يتعلق بغزة. فيما يعتقد العديد من المهتمين بشدة بمعاناة الفلسطينيين أن عبارة «دونالد ترامب سيكون أسوأ» تبدو وكأنها ذريعة وليست سياسة. وهو المبرر الذي أقنع الديمقراطيون أنفسهك به. فهم ليسوا مجبرون على تغيير سياستهم من الحرب لأن الناخب الأمريكي سيصوت لهاريس نظرا لأن منافسها أكثر شرا.
وسيجد الناخب العربي الأمريكي نفسه أمام اختيار، بعد الطريقة التي تعامل فيها المنظمون للمؤتمر مع المشاركين الفلسطينيين ومنعهم من رفع أصواتهم. وبالمحصلة كانت «غزة» تابو حرص الديمقراطيون على منع ذكره، لكنهم لم يستطيعوا تجاهل الظل الثقيل الذي ألقته على المؤتمر. وقال إدوارد لوس في «فايننشال تايمز»(21/8/2024) إن اختيار هاريس تجنب الحرب ربما كان حكيما، فهي كنائبة لا تستطيع أن تناقض رئيسها، مع أنها لا تستطيع تجنب الضرر الذي تعاني منها سمعة أمريكا في العالم. فصورة غزة تذكرنا اليوم بوارسو عام 1945 وغروزني عام 1999. ولن يصدق أحد ما تقوله إسرائيل من أن قصفها دقيق وموجه ويستهدف المسلحين فقط. وكلمة «عشوائي/لا يميز» لا تصف الأمر بدقة. فهدم إسرائيل لغزة يبدو مقصودا ويهدف لتعليم الفلسطينيين درسا جماعيا، وباستخدام السلاح الأمريكي، تحديدا. ولهذا السبب حرصت إدارة مؤتمر الديمقراطيين على وضع خط أحمر للفلسطينيين وعدم تجاوزه أو السماح به كما كتبت تا- نيهسي كوتس، بتقرير بمجلة «فانتي فير» (21/8/2024) أن الديمقراطيين الذين تفاخروا بتنوعهم رسموا خطا/حاجزا عندما تعلق الأمر بالفلسطينيين الأمريكيين. وفي موضوع الحرب الإبادية التي تشنها إسرائيل باستخدام الأسلحة والدولارات الأمريكية والدعم الدبلوماسي ــ وهو الهجوم الذي قد يكبحه رئيس أمريكي بشدة ــ لا يمكن للمؤتمر الوطني الديمقراطي أن يظل فقاعة قصيرة النظر أو يصم أذنيه على أهم قضية أخلاقية تواجه العالم، كما تقول ناتاشا لينارد في «ذي انترسبت» (20/8/2024) وقالت إن عروض المؤتمر الضخمة كانت منذ البداية حريصة على الحفاظ على نفس السياسة الفاشلة التي اختطها بايدن في الشرق الأوسط. مع أن المنظمين للمؤتمر حاولوا التعويض الاحتفال به، تعويضا على ما يبدو من عقدة الذنب، بعدما أجبره قادة الحزب على التنحي عن حملة إعادة انتخابه وبقسوة بالغة. وفشل بايدن سابق على هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويعلق لوس من «فايننشال تايمز» أن بايدن لم يستطع الوفاء بوعده والعودة إلى الاتفاقية النووية مع إيران عام 2015 وخرج منها ترامب عام 2018. وكان فشل بايدن مرتبطا بحذره المبالغ فيه من اللوبي الإسرائيلي المؤيد لنتنياهو والذي ظل ينظر إلى الاتفاقية مع إيران بأنها عملية استرضاء. وهو ما عبد الطريق أمام ردة فعله على هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، فكلما خدع نتنياهو بايدن استسلم الأخير له. ولو كان هناك مراقب من المريخ، يراقب العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، لاستنتج بأن إسرائيل هي التي تتخذ القرارات. وفي كل مرة عبر فيها بايدن عن جرأة لاستخدام النفوذ الأمريكي، شعر بأنه ملزم بالتنازل لنتنياهو.
ولعل أبرز الفشل هو عجز بايدن على فرض وقف إطلاق النار على نتنياهو الموافقة على صفقة توقف الدمار وتحرر المحتجزين لدى حماس، لكنها ظلت محاولات يائسة وبائسة يلعب فيها مبعوثوه دور المدافع عن إسرائيل ونتنياهو. وهو ما بدا في الحملة الأخيرة لاستئناف المفاوضات بعد قتل إسرائيل زعيمها والمفاوض الرئيس اسماعيل هنية وقيادي عسكري لحزب الله ما وضع المنطقة على حافة الحرب. وفي كل مرة تنهار فيها المحادثات وتقترب المنطقة من مواجهة شاملة يرسل فيها بايدن بوارجه ورجاله إلى المنطقة لنزع الفتيل والتهديد. وتشتعل التسريبات من «مصادر» إسرائيلية وأمريكية حول الخلافات بين بايدن ونتنياهو، ويقود موقع «أكسيوس» حملة التسريبات من خلال تفاصيل عما جرى بينهما من خلافات أو مطالب. وعلينا هنا ألا نفترض أن إدارة بايدن لا تريد إنهاء الحرب في غزة، لكنها رضيت بلعب دور المدافع عن إسرائيل ومديرا للأزمة ومنح نتنياهو وجيشه الوقت لمواصلة الإبادة. ولهذا بدا وزير الخارجية، أنتوني بلينكن الذي يلتزم بالخطاب اللطيف والمبشر بأن الصفقة على بعد ياردات، واضحا في زيارته التاسعة للمنطقة وهو يحمل حماس المسؤولية ويرضى بموقف إسرائيل، مع ان الأخيرة هي التي عطلت الجولة الأخيرة. وكان هذا الموقف واضحا في تصريحات سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة التي رمت الكرة إلى ملعب حماس. وبدا هذا واضحا في تقرير ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست»(21/8/2024) والذي تحدث فيه عن حرص بايدن على إبرام صفقة ودفع نتنياهو «غير الواقعي» للموافقة والتخلي عن «النصر الشامل» وكذا إقناع حماس للموافقة على «المقترح الوسطي» والتخلي عن لعبة الانتظار على أمل مهاجمة إيران أو حزب الله إسرائيل.
وتظل محاولات الصفقة مجرد لعبة أمريكية كما يقول سونجيف بيري في موقع «ذي انترسبت» (22/8/2024) فأي شخص يتابع محادثات وقف إطلاق النار سيكتشف أنها « أداة لإدامة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل» وأن «ما يسمى بمفاوضات وقف إطلاق النار هي شكل من أشكال التمويه الذي يستخدمه بايدن وهاريس لصرف الانتباه عن حقيقة دعمهما للفظائع الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة». وقال إن مجرد استخدام كلمة «وقف إطلاق النار» لوصف ما تسعى إليه إدارة بايدن هو في حد ذاته شكل من أشكال العنف اللغوي. فأحدث مسودة لمقترح «وقف إطلاق النار» الذي أعلن عنه بلينكن تؤيد بشكل أساسي استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة دون وقف دائم للحرب. ولكن حتى هذا كان على ما يبدو تنازلا كبيرا بالنسبة لنتنياهو، ولهذا السبب يقال إنه يواصل تقويضه. وفي الوقت نفسه، قبل أسبوع واحد فقط أعلنت وزارة الخارجية عن بيع 20 مليار دولار أخرى من الأسلحة الأمريكية لإسرائيل.
ويقول إن الشروط السيئة النية في أحدث اقتراح ليست سوى البداية. من غير المرجح أن توافق حماس على الشروط الجديدة الرهيبة التي وضعها بلينكن على الطاولة، وهذا الرفض بدوره سيمكن بايدن وهاريس وبلينكن ونتنياهو من إلقاء اللوم على حماس بشكل أكبر لرفض السلام. وهذا من شأنه أن يمنح نتنياهو المزيد من الوقت لمواصلة قصف وتجويع وقتل الفلسطينيين. ثم تتكرر الدورة مرة أخرى، مع عودة بلينكن قريبا إلى الشرق الأوسط لجولة أخرى من مفاوضات وقف إطلاق النار المزعومة، بينما تستمر الولايات المتحدة في إرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل لحربها. ويرى بيري أن كسر هذه الدائرة الساخرة يتطلب الصدق بشأن دور بايدن وهاريس في هذه المهزلة الملطخة بالدماء. ففي حين يتحمل بايدن المسؤولية النهائية عن دعم أمريكا الكامل للعنف الإسرائيلي، فقد دعمت هاريس مرارا وتكرارا استمرار الرئيس في تسليح إسرائيل. ومن خلال عملية تفاوض احتيالية لا تنتهي أبدا لوقف إطلاق النار، مكن كل من بايدن وهاريس الحزب الديمقراطي الأوسع من تجنب الاعتراف بالواقع المروع المتمثل في مسؤولية قادتهم عن الإبادة الجماعية. ويبدو أن لعبة بايدن- هاريس انطلت على النائبة التقدمية عن نيويورك ألكسندريا أوكاسيو كورتيز التي وقفت على منصة المؤتمر الوطني الديمقراطي يوم الاثنين وأشادت بشكل خاطئ بهاريس «لعملها بلا كلل لتأمين وقف إطلاق النار في غزة وإعادة الرهائن إلى الوطن». ما جعلها عرضة لانتقاد زميلتها عن مينسوتا إلهان عمر وجعل أوكاسيو كورتيز شريكة سياسية بإرادتها في سياسة بايدن – هاريس لدعم حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل. ويرى الكاتب أن تردد إدارة بايدن وساسة الديمقراطيين تقديم رؤية واضحة واستخدام نفوذهم نابع من سلطة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بشبكتها الواسعة من المانحين ذوي الثروات العالية، حيث يلتزم العديد من الساسة بنقاط الحوار التي تطرحها جماعات الضغط من أجل تجنب مقصلتها. إنهم يفضلون التظاهر بأن شيئا إيجابيا يحدث بدلا من مواجهة الغضب الذي شعر به النائبان جمال بومان وكوري بوش عندما أنفقت نفس شبكة المانحين المؤيدة لإسرائيل ملايين الدولارات لهزيمتهم في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية الأخيرة. ويقول بيري إن مجموعات الضغط وشبكات المانحين المؤيدة لإسرائيل بنت واقعا في الحزبين من السياسيين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل الذين يمكنون الآن أسوأ الدوافع في السياسة والثقافة والمجتمع الإسرائيلي. لا يتعين على إسرائيل أن تتصالح مع هوسها الإبادي لأن الوالد الذي يدللها، الولايات المتحدة، سيحميها من جميع العواقب. وعلى الرغم من هذا، أو ربما بسببه، فإن بايدن وهاريس قادران على الاستمرار في التظاهر بأنهما وسيطان للسلام بينما يرسلان مليارات الدولارات من الأسلحة إلى جنود إسرائيل. إن الاعتقاد بأن بايدن وهاريس وبلينكن قادرون (أو سيفعلون) على الدفع من أجل وقف إطلاق نار حقيقي هو قبول للخيال بأنهم يمكن أن يكونوا دعاة للسلام بينما هم بالفعل الممكنون الأساسيون للإبادة الجماعية. وطالما تمتعت كامالا هاريس ومن يمثلها بالحرية في الوقوف على منصة المؤتمر الوطني الديمقراطي والتظاهر بأنهم يدفعون من أجل السلام، فسيكون من السهل على بايدن وهاريس الاستمرار في دعم المذبحة ضد الفلسطينيين. إذا تم انتخاب هاريس كرئيسة للولايات المتحدة القادمة، فلا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تتغير السياسة الخارجية الأمريكية بشكل سحري. فبدون ضغوط خارجية، من المرجح أن يستمر البيت الأبيض بقيادة هاريس في دعم تدمير إسرائيل للمجتمع الفلسطيني، كل ذلك مع التلويح بفخر براية «السلام».
كان لدى هاريس يوم الخميس الفرصة للتحرر من ظل بايدن وسياسته في غزة وتؤمن انتصارها، لكنها لم تفعل ما فعله همفري عام 1968 عندما اشترى إعلانا لنصف ساعة في شبكة «إن بي سي» وحدد فيه رؤيته للسلام في فيتنام، ولكن همفري كان متأخرا في تحركه. ومع أن الخطاب زاد من شعبيته وأدى إلى تضييق الهوة بينه والمرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون، فلم يكن كافيا للنصر. فسياسة بايدن تظل تهمة لهاريس كما يقول المعلق مهدي حسن في «الغارديان»( 19/8/2024) حيث تساءل إن كانت حملة هاريس قد تعلمت من دروس همفري في 1968؟ ربما لم تكن غزة فيتنام، ولكن ينبغي لهاريس، مع ذلك، أن تنأى بنفسها عن بايدن بشأن غزة بنفس الطريقة التي نأى بها همفري بنفسه عن جونسون بشأن فيتنام. وربما كانت نائبة الرئيس حكيمة لو استحضرت كلمات نائب الرئيس عندما تحدث بعد هزيمته بهامش ضيق عام 1968: «كان علي ألا أسمح لرجل سيصبح الرئيس السابق أن يقرر مستقبلي».