غزة في امطار الصيف.. قتلي بدون صور… حمار مطروح ميتا علي الرمال.. وشوارع نتنة
ما زال الجرحي يتدفقون علي مستشفي الشفاء.. 50 فتي من 212 قتيلا منذ اختطاف جلعاد شاليطغزة في امطار الصيف.. قتلي بدون صور… حمار مطروح ميتا علي الرمال.. وشوارع نتنة مستشفي الشفاء في غزة، الطبقة الرابعة: أخوان ناجيان. قتل والداهما وسبعة من اخوتهما في نومهم. نجا الاخوان فقط من التفجير. اسقط صاروخان من طائرة علي البيت، في الهزيع الاخير من الليل. عواد ابن الـ 19 مجروح جرحا شديدا؛ ومحمد، ابن الـ 20، لم يجرح، وهو يمرض أخاه في سريره. قتل والداهما وجميع اخوتهما واخواتهما الصغار، وفيهم طفلة معوقة. تخيلوا الأمر. تلحظ علامات الصدمة والثكل علي الاخوين اليتيمين. انظارهما موجهة الي الارض وكلامهما واهن، ووجهاهما شاحبان بلا حياة، بعد ستة أسابيع أيضا من الليلة الدامية. علي جدار الغرفة في المشفي علقا صورة أبيهما، وقد صور مع رئيس الحكومة، اسماعيل هنية، ويشبهه جدا في مظهره الخارجي. الدكتور نبيل ابو سلمية كان محاضرا في الرياضيات في الجامعة الاسلامية في غزة ونشيطا في حماس. جاء المطلوب محمد ضيف ليزور العائلة تحت جنح الليل، وأسقط سلاح الجو صاروخين علي البيت، اصيب ضيف ونجا، وابيدت عائلة كاملة تقريبا. كان هذا في اليوم الذي نشبت فيه الحرب في لبنان ولم ينتبه أحد الي القتل في الجنوب. ما زال الجرحي والقتلي يتدفقون علي مشفي الشفاء. تطرح سيارة اسعاف بعد سيارة اسعاف ضحايا عملية الجيش الاسرائيلي هذا الاسبوع، هذه المرة في حي الشجاعية، وبعقبهم أتي ابناء العائلة المهتاجون. كان الجو شديدا ومهددا. يحرس عشرات من جنود حماس المسلحين المكان بملابسهم الزرقاء المنمرة، وبنادق الكلاشينكوف المعدة فوق الاسطح حول ذلك، في ساحة المشفي وأروقته. يستلقي الاقارب علي بلاط الغرف ويهدد المشفي الوحيد في غزة بالانفجار لاكتظاظه.يثور من شوارع المدينة نتن شديد، لم تجمع القمامة منذ ايام كثيرة بعقب اضراب عمال البلدية الذين لم يحصلوا علي رواتبهم منذ شهور، وتدخل الرائحة غرف المرضي. الكهرباء موجودة لبضع ساعات في اليوم فقط، بسبب قصف سلاح الجو لمحطة توليد الطاقة الوحيدة في القطاع، والحرارة خانقة هي ايضا. المصعد عالق او يزحف بصعوبة. عواد ابو سلمية يستلقي وهو أشل وقد ضمدت رجلاه، في السرير بقرب النافذة. الريح التي تهب من قبل البحر فقط تخفف شيئا ما.غير بعيد من هناك، في بيت لاهيا يجلس أحمد العطار، وهو فتي في الـ 17، علي كرسي عجل ويتوسل أبوه اسرائيل والعالم ليهتم البعض بتوفير رجلين صناعيتين لابنه. جرح محمد عندما ضرب سلاح الجو بصاروخ عربة الحمار التي سافر فيها مع امه وابن اخيه لقطف التين في قطعة الارض العائلية بقرب البحر. قتلت الام والحفيد علي الفور؛ وفقد محمد رجليه. حدث هذا ايضا في اثناء عملية امطار الصيف ، التي لا يري احد نهايتها ولا يهتم احد في اسرائيل بها ولا يسأل ما هي غايتها. الجيش الاسرائيلي يقتل ويقتل، تسعة من ابناء عائلة ابو سلمية، واثنين من عائلة ابو عطار. 11 من 212، من بينهم نحو من 50 ولدا وفتي، منذ اختطاف جلعاد شاليط في نهاية حزيران (يونيو) حتي نهاية آب (اغسطس). ساحة خالية في حي الشيخ رضوانكان هنا بيت ذو طبقتين اصبح الان ساحقا. بخلاف بيوت مدمرة اخري، ازالوا الانقاض من هنا. الجزء الخلفي من البيت دمر تدميرا كاملا وانقض الجزء الامامي. صاروخان. نام محمد وعواد في الجزء الامامي، المتجه نحو الشارع، اما سائر ابناء العائلة فناموا في الخلف وقتلوا هنالك. كان أكثرهم نائمين، ربما كان الاب ما يزال يقظا مع المطلوب ضيف. لا يعلم أحد ولا يوجد احد مستعد للحديث. كانت الساعة الثالثة قبيل الفجر. كان الجار ابراهيم سمور، قد مضي في المساء مع الدكتور ابو سلمية للصلاة في المسجد وبعد ذلك تحدثا قليلا لدي باب البيت. كانت الساعة التاسعة مساء عندما افترق بعضهما عن بعض. لم يرَ أحد، بالطبع، ضيفا . قبيل الصباح استيقظ الجيران مذعورين علي التفجير الضخم، وبعقب ذلك من الفور اتي تفجير آخر. يقولون انهم سقطوا عن أسرتهم لقوة الدفع. البيوت ههنا قريب بعضها من بعض. في مكتب مستأجر في الطبقة الارضية في البيت المجاور، يستعمل محكمة شعبية لتسوية النزاعات في الحي، صورة عبدالعزيز الرنتيسي علي الجدار، ومنشأة للمياه المعدنية الاسرائيلية تحت رجليه، يقص الجار عبدالله سمور، وهو طالب في الصف الثاني عشر في الـ 18، ما حدث في بيت الجيران. يرتدي الاولاد الذين يتجمعون في الخارج قمصانا لمخيم صيفي لحماس، واحد الاولاد يرتدي قميصا قصير الكمين عليه صورة ياسين. مضي عبدالله لينام عند منتصف الليل وانتبه لسماع ضجة طائرة في السماء في الثالثة. انه يسكن الطبقة الثالثة. كان ذلك في ليل الثاني عشر من تموز (يوليو)، قبل ساعات من نشوب الحرب في لبنان. أطار دفع التفجير عبدالله من سريره، وهشمت النوافد واقتلعت الابواب. ملأ الدخان فضاء البيت بسبب الحريق الذي شب في بيت الجيران، صرخ الآباء علي الاولاد ليهربوا من البيت. في الخارج رأي عبدالله البيت المدمر ودخان عائلة جيرانه. لقد عرفهم معرفة حسنة. الدكتور نبيل وزوجته سلوي، وجميع أبناء الجيران الذين نشأ معهم، ناصر، ابن السادسة، وآية، ابنة السابعة، وهدي، ابنة الثامنة، وايمان، ابنة الحادية عشرة، ويحيي، ابن الثالثة عشرة، وبسمة، ابنة الخامسة عشرة. وكانت أيضا سمية، وهي بنت معوقة في الثانية عشرة، كانت تأتي سيارة خاصة كل يوم لنقلها الي مدرسة المعوقين التي تعلمت فيها. قتلت هي ايضا. كان عبدالله قد التقي عوادا ومحمدا بعد الظهيرة، وهما علي التخصيص من نجيا. في الليل خلص عبدالله الجثث مع أبيه. وجدا عوادا وجسمه ملفوف في بساط. ماذا عن محمد ضيف؟ لا أعرفه البتة ، يقول. ورد في الصحف في اسرائيل ان محمد ضيف خُلص جريحا من الانقاض ونقل سريعا الي الشفاء. علي حسب التقارير ضُربت سيارة التخليص ايضا بصاروخ من الجو. يقول عم عبدالله ايضا ابراهيم سمور، انه لم يرَ قط محمد ضيف ولا يعلم كيف يبدو. انه يسكن الطبقة الثانية. جرح ابنه معتز، وهو في الثالثة، جرحا طفيفا من الشظايا وكذلك زوجته. سارع الي نقلهما الي الشفاء، في حين كان بيت الجيران يحترق. منذ ذلك الحين ينام الاولاد جميعا في غرفة الوالدين، ويبكي معتز عندما يسمع طائرة. كان انسانا جيدا ، يقول عن الجار الدكتور ابو سلمية. كان نشيطا في حماس، لكنه لم يكن في ذراعها العسكرية. كان معلما ساعد جيرانه الفقراء . يقول انهما في حديثهما الاخير، في عودتهما من المسجد، لم يتحدثا في السياسة. لم يذكر ابو سلمية ايضا بالطبع اي لقاء يرتقبه في الليل.يقول ناطق الجيش الاسرائيلي: في عملية مشتركة بين الجيش الاسرائيلي والشاباك جري القيام في الثاني عشر من تموز (يوليو) قبيل الصباح بهجوم علي بيت في شمال قطاع غزة. استعمل البيت مخبأ لنشطاء كبار في الذراع العسكرية لحماس، بادروا ونفذوا اعمالا ارهابية واطلاق صواريخ قسام. في وقت اصابة البيت عمل الحاضرون في التخطيط لاستمرار العمل العسكري لحماس. كان من الحاضرين ايضا محمد ضيف، الذي اصيب اصابة غير معروفة .يسمون الشارع الرملي الان باسم شهيده، نبيل ابو سلمية. قبل أن نودع ونمضي الي المشفي للقاء الاخوين، تذكر سمور اسما آخر: نسيم مزراحي. نسيم مزراحي من روش اندياني الذي افلس وخلف وراءه كما يقول دينا بلغ 130 الف شيكل لدار خياطته. دار الخياطة مغلقة. في كرسي العجل يجلس احمد العطار ويحدق الي بيته البائس، وما تزال رجلاه المبتورتان مضمدتين. يضايقه الالم وهو يضغط رجليه المبتورتين ليخفف عن نفسه. في 24 تموز (يوليو) خرج أحمد مع امه وابن اخيه، كما في كل يوم، الي كرم التين العائلي بقرب البحر، لقطف الفاكهة. كان ذلك بعد الظهيرة، قريبا من الثالثة، وقد تقدموا رويدا رويدا علي العربة المربوطة الي حمار. فجأة اصابنا صاروخ ، يستعيد. بعد ذلك لم ارَ شيئا. استيقظت في المشفي وقالوا لي آنذاك ان امي ونادي قتلا وأن رجلي بترتا .بعد ثلاثة ايام في الشفاء، نقل الي مشفي ايخلوف في تل أبيب، ولكن هنالك ايضا لم ينجحوا في انقاذ رجليه وبترتا كاملتين. احرقت اجزاء اخري في جسمه وما تزال خروج الحريق مضمدة. انه طالب في الصف الـ 12 تزوج قبل شهرين من كارثته الفتاة زينة، ابنة الـ 16. كانت امه خيرية في الـ 58 عند موتها وكان نادي حفيدها في الـ 12. سمع أحمد ان نادي طار عشرات الامتار من العربة، وان جسم خيرية مزق اربا اربا، نتاج الاصابة المباشرة الدقيقة للعربة. يقول ناطق الجيش الاسرائيلي: في صبيحة الـ 24 من تموز (يوليو) جري تعرف اطلاقي صاروخ قسام من قرب المعهد الزراعي في بيت حانون. اطلق الصاروخان علي سديروت، سقط أحدهما بقرب مدرس في المدينة. بعد ذلك في اليوم نفسه تعرفت قوات الجيش الاسرائيلي مخربين أتيا المكان وحملا منصات الاطلاق علي عربة مربوطة الي حمار. نفذ الجيش الاسرائيلي اطلاقا دقيقا علي النقطة التي مكث فيها المخربان والعربة مع منصات الاطلاق وشاهد اصابة. في زمن الاطلاق لم ترَ امرأة بالغة وحفيدها في العربة. في حالة انهما ركبا العربة نفسها، فان المنظمات الارهابية هي التي لم تحافظ علي حياتهما وعملت في أعمال ارهابية موجهة الي مواطني اسرائيل وهي تغطي نفسها بغير مشاركين، مع استغلالهم واستعمالهم دروعا بشرية .خلفت خيرية تسعة اولاد ونحو من 50 حفيدا. كانت بائعة في سوق جباليا، باعت المنتجات الزراعية، التين والعنب والتوت الارضي، والجبن الذي كانت تصنعه بيديها. علقت في الجدار صورة ابن العم، محمد، ابنة الـ 23، الذي قتل عند نافذة بيته برصاصة جندي، قبل ثلاثة اسابيع بالضبط من قتل الجدة والحفيد. في صورة التخليد المعلقة في الشارع يري وجه الغلام نادي ومن ورائه زعيم الجبهة الشعبية، ابو علي مصطفي. لماذا الجبهة الشعبية؟ لانهم قدموا للعائلة الطعام في ايام الحداد الاربعة . يبين الاب. ههنا لا يعرضون صور النساء حتي بعد موتهن. لا يرونا ايضا صورة حفل زواج احمد، كي لا نري زوجته الشابة. الاب، واسمه نادي أيضا، سمع عن الكارثة بالمذياع، حينما كان في المدينة. في هذا الصباح عاد لاول مرة لصيد السمك في شبكته، ولكن منذ الخامسة صباحا الي الان لم يصد سمكة واحدة. يأتي بعضهم بصورة من ميدان الكارثة: حمار مطروح ميتا علي الرمال، في مقدمة التقرير الاسبوعي للمركز الفلسطيني لحقوق الانسان في غزة، وهو التقرير رقم 29 لسنة 2006. وفي خلفية الصورة تظهر سيارة اسعاف يبدو أن احمد الجريح استلقي فيها، أو أن امه وابن اخيه القتيلين كانا فيها. جيفة الحمار مطروحة في الرمل، عند أسفل العربة. اصابة دقيقة. جدعون ليفيمختص بحقوق الانسان(ملحق هآرتس) ـ – 1/9/2006