غزة في مجلس الأمن الدولي – بين المجازر وصفقات السلاح

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

 الأمم المتحدة ـ «القدس العربي»: عقد مجلس الأمن الدولي الثلاثاء الماضي اجتماعا طارئا بدعوة من الجزائر لبحث مذبحة مدرسة التابعين في حي الدرج بمدينة غزة والتي أطلق عليها «مجزرة الفجر». فقد كان سكان المدرسة الذين احتموا بها، يصلون صلاة الفجر عندما انفجرت فيهم ثلاثة صواريخ ثقيلة أطلقت من سلاح الجو الإسرائيلي ففتت الأجساد وقطعت الأطراف ونشرت لحوم المصلين على مساحة واسعة. وقد تجاوز عدد الشهداء أكثر من 100 ضحية عدا الجرحى، معظمهم من النساء والأطفال.

أجتماع المجلس هذه المرة حمل العديد من التأويلات والإشارات وشهد توترات ومشادات ولغة حادة أحيانا خاصة خطاب السفير الفلسطيني رياض منصور والسفير الجزائري عمار بن جامع الذي طالب بفرض عقوبات على الكيان الصهيوني. جميع المندوبين تكلموا عن ثلاث مسائل من الضروري أن يتم تنفيذها: وقف إطلاق النار، إطلاق سراح الرهائن و(وقلة من المندوبين ذكر الأسرى الفلسطينيين) وإيصال المساعدات الإنسانية بسرعة لدرء مجاعة مؤكدة. إذن أين المشكلة؟ كيف يبحث المندوبون عن حل ضائع وهو يقف أمام عيونهم. يذكرني هذا بالمثل المشهور في بلاد الشام: «يرى الذئب ويبحث عن أثره».
شيء معيب ومخجل ردود الفعل الدولية التي تدعي الحضارة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والتي تجنبت إدانة واضحة للمذبحة، وتجاهلت اغتيال الشهيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وراحت تنادي بضبط النفس وعدم توسيع مسرح العمليات. عندما تنتهك إسرائيل القانون الدولي وترتكب جريمة العدوان سواء في لبنان أو سوريا أو إيران أو اليمن، فلا نسمع من هؤلاء كلمة إدانة واحدة، ولكن عندما تهدد الجهات المعتدى عليها بممارسة حق الرد على العدوان حسب البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تبدأ جوقة الدول الغربية بالمطالبة بضبط النفس وعدم توسيع رقعة الحرب والعمل مع جميع الأطراف من أجل التهدئة. أي نفاق أكثر من هذا.
وأود أن أقدم بعض هذه الملاحظات على هامش تلك الجلسة المهمة في رمزيتها وتوقيتها.
■ لقد دعت الجزائر، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن، إلى اجتماع فوري في الساعات الأولى ليوم السبت بعد تداول أخبار المجزرة عالميا ونقل صور حية من المكان. لكن عقد المجلس لم يتم إلا يوم الثلاثاء بعد الظهر، أي بعد مرور أكثر من ثلاثة أيام كاملة. وهذا يدل على أن رئاسة المجلس، وهي من نصيب سيراليون، لهذا الشهر لم تجد سببا ضاغطا ومستعجلا للإسراع في عقد الاجتماع. وهذا يعيدنا إلى مقولة كثرة المجازر وتواصلها يحولها إلى «لا خبر». وهو أمر نثيره دائما عندما يصمت المسؤولون عن المجازر التي يتعرض لها الفلسطينيون أو يصدرون بيانات باهتة ويتحدثون بشكل عام عن قتل المدنيين دون أي إشارة لمن قتلهم، وكأن الذين سقطوا بعشرات الألوف ليسوا بشرا مثل الآخرين.
■ لم يتكلم في الجلسة، التي من المفروض أن تكون مهمة، أي من المندوبين العرب. فعدا عن أعضاء المجلس الخمسة عشر ومندوب فلسطين، السفير رياض منصور، وممثل الكيان المجرم، جلعاد إردان، لم يأخذ الكلمة إلا ممثل جنوب أفريقيا الذي كان من الجرأة والشجاعة والحكمة ما يثير الإعجاب ويجعل ممثلي الدول العربية العشرين الغائبين يطئطئون رؤوسهم خجلا ومعهم جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. نحن لا نريد مزيدا من الخطابات إلا أن إظهار وقفات تضامنية مع فلسطين أمر مهم لسببين، أولا لطمأنة الدول الأجنبية التي تقف مع الشعب الفلسطيني، مثل غيانا وسلوفينيا ومالطا والصين وروسيا بأن الدول العربية تقف أيضا مع فلسطين والجزائر في مجلس الأمن، ومن جهة أخرى ليشعر ممثل الكيان أن الفلسطينيين ليسوا وحدهم وأن الاستفراد بهم، على الأقل في مجلس الأمن، ليس ممكنا. وبدل أن يسمع خطابين قاسيين أو ثلاثة فليسمع عشر كلمات قوية تفقده صوابه كما حدث هذه المرة عندما أشار إليه رياض قائلا إنه لا يحترم أعضاء المجلس ولا يستمع إليهم وطوال الوقت وهو يقلب هاتفه.
■ مندوب جنوب أفريقيا كان من الشجاعة أن يشير إلى أن بعض أعضاء المجلس مستمرون في دعم إسرائيل والدفاع عنها وهي ترتكب «أبشع الجرائم ضد الإنسانية التي شهدها العالم على الإطلاق». وقال إن عجز المجلس عن إيجاد حل لهذا الصراع المستعصي هو لائحة اتهام لهذه الهيئة، مشددا على أن إفلات إسرائيل من العقاب «يضع موضع تساؤل حول المعنى الكامل لعبارة ملزم قانونا» وفي معرض إشارته إلى اغتيال زعيم حماس في طهران، حذر من أنه من المرجح أن «يزيد من تعقيد» الوضع في منطقة مضطربة. وقال «إن استمرار احتلال فلسطين وتدمير البنية التحتية والعقاب الجماعي والاغتيالات خارج نطاق القانون سيجعل تحقيق الحل السلمي للقضية الفلسطينية أكثر صعوبة بكثير. يجب على المجلس أن يضمن على الفور احترام قراراته بما يتماشى مع ولايته».
■ استمع المجلس إلى كلمتين من مسؤوليتين دوليتين، روز ماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية، وليزا داوتن، وهي مسؤولة رفيعة من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. والفارق بين الخطابين بيّن وواضح، فعادة المسؤول السياسي يكون حذرا أكثر كي لا يغضب الدول الكبرى، أما المسؤول الإنساني فلديه حرية تعبير أكبر انطلاقا من معاناة الناس الإنسانية والتي يجب ألا تخضع لتعاليم السياسة والسياسيين. ذكرت روزماري ديكارلو، وهي تفسر ما حدث في مجزرة المدرسة، أن الغارة الجوية قتلت العشرات، دون تحديد الرقم الذي تجاوز المئة. ولكنها أعادت الرواية الإسرائيلية والتي تتكلم عن وجود عناصر من حركة حماس في المدرسة قتل منهم 31 عنصرا من حماس والجهاد الإسلامي. فالضحايا الفلسطينيون لا يذكر عددهم بينما أكاذيب الصهاينة تعاد حرفيا وبالأرقام. ثم تذكر ديكارلو أن عملية وقعت في غور الأردن وقتل فيها مدني إسرائيلي وجرح آخر. علما أن هذا المدني هو مستوطن. لقد بدأت الأمم المتحدة تتعامل مع المستوطنين في فترة ولاية تور وينسلاند، منسق عملية السلام وممثل الأمم المتحدة في فلسطين، على أنهم مدنيون. علما أن محكمة العدل الدولية قد حسمت هذا الموضوع تماما في فتواها القانونية التي أقرت أن الاحتلال غير قانوني وأن المستوطنات غير شرعية ويجب تفكيكها وإخراج المستوطنين فورا. فكيف تستمر مسؤولة أممية كبيرة في إطلاق وصف «مدنيين» على المستوطنين المسلحين الذين يهاجمون الفلسطينيين ليل نهار ويدمرون ممتلكاتهم ويحرقون أشجارهم ويستولون على أراضيهم؟ بينما أعربت داوتن عن صدمتها لهذا العدد الهائل من الخسائر في الأرواح الذي تجاوز 40 ألف ضحية و9 ألف جريح وعشرات الآلاف من المفقودين. وقالت هذه ليست المذبحة الأولى بل سبقها أكثر من 21 مذبحة. وقالت شيئا مهما: «إن هذه الحرب تدمر الأرواح والأحلام والمستقبل إن أكثر من نصف مليون طالب خسروا عاما دراسيا كاملا، وحتى لو انتهت هذه الحرب اليوم، فإننا نقدر أن 8 من كل 10 مدارس على الأقل سوف تحتاج إلى إعادة تأهيل».
■ من مهازل السياسة الأمريكية وصلفها أنها، في الوقت التي كانت السفيرة الأمريكية تتكلم عن جهود بلادها وقطر ومصر للتوصل إلى وقف إطلاق نار، صرحت واشنطن في نفس اليوم بالموافقة على صفقة أسلحة للكيان الصهيوني بقيمة عشرين مليار دولار. فكيف يستوي الأمران. الولايات المتحدة تحاور لوقف إطلاق النار من جهة ومن جهة تمد الكيان بكل وسائل القتل والتدمير والتمكين الاقتصادي. والدعم ليس فقط بإرسال الذخائر المتطورة بل وإرسال حاملات الطائرات والغواصات وأسراب المقاتلات الجوية من طراز ف-22 الأكثر تطورا في العالم.
■ خطاب ممثل الكيان الصهيوني الأخير في مجلس الأمن، جلعاد إردان، كان من الوقاحة والغرور والكذب ما لا يمكن تحمله حيث أعلن «أن إسرائيل هي الدولة الأكثر أخلاقا في العالم» وكررها أكثر من مرة. فتحداه السفير الفلسطيني منصور أن يسأل الدول الأعضاء الحاضرين ليرى من يوافق على كلامه، ثم تحداه السفير الجزائري، عمار بن جامع، عندما أنكر قتل المدنيين وأنكر أرقام وزارة الصحة الفلسطينية قائلا دون أن ينظر إليه هولاء الأطفال الذي يزيد عددهم على 13 ألفا لم يقتلوا أنفسهم، وهؤلاء الضحايا من النساء اللواتي يزيد عددهن على عشرة آلاف إمرأة لم يقتلن أنفسهن. ممثل الكيان انسحب من الجلسة كاللص الذي اكتشف أمره. هاجم إردان في آخر خطاب له في المجلس منصور واتهمه أنه «ممثل الإرهابيين» وهاجم المجلس وأعضاءه والأمم المتحدة قائلا: «المجلس يقوم بتضخيم الروايات الإرهابية متجاهلاً التزامه بالحقيقة»، مضيفاً أن إسرائيل لم تستهدف مدرسة بريئة بل إرهابيين خطرين يعملون في مركز تسيطر عليه حماس في مدرسة التابعين.
هذا هو المشهد من مجلس الأمن الدولي المكلف بصيانة الأمن والسلم الدوليين. وقد يكون هذا صحيحا إلا إذا تعلق بالكيان الصهيوني فهناك دول ترعاه وتحميه وتسلحه وتطوره وتموله ليتمكن من ممارسة الدور الفاشي الذي أنيط به منذ إنشائه من قبل بريطانيا أم الأشرار العالمية جميعا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية