غزة: قصص نزوح مروية بدماء الشهداء شرقي خان يونس

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: نزح علي سعد الدين، وهو ستيني، من مدينة غزة إلى خان يونس، مع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر الماضي، ومنها إلى مدينة رفح، بعد اقتحام القوات البرية لجيش الاحتلال خان يونس مطلع العام الحاليّ، ومن رفح إلى مخيم الشاطئ على سواحل غزة بعد اقتحام المدينة الواقعة أقصى جنوبي القطاع، ثم العودة إلى خان يونس مجددًا.

واضطر علي سعد الدين إلى خوض رحلة نزوح خامسة من منطقة بني سهيلا، شرقي خان يونس، إلى دير البلح، حيث يقيم في الشارع بلا مأوى، بعدما اكتظت المحافظة الوسطى بالنازحين الذين تركوا بعض مناطق جنوب القطاع استجابة لأوامر جيش الاحتلال بضرورة الإخلاء.
وتستمر موجات النزوح من المناطق الشرقية لمدينة خان يونس منذ مطلع شهر تموز/يوليو وحتى الآن، بعد أن أطلق جيش الاحتلال تحذيرات من خطورة البقاء في الخيام والمنازل، الواقعة شرق خان يونس، كونه قرر أن يشمل تلك المنطقة بعملية عسكرية برية.
يعتبر علي سعد الدين نفسه واحدًا من النازحين المحظوظين، لأنه يملك سيارة ملاكي، استطاع وضع بعض قطع الأثاث البسيطة فوقها، بينما يشعر بالتعب، كونه لا يجد منزلًا أو حتى خيمة يقيم فيها بعد وصوله إلى مدينة دير البلح. يقول لـ«القدس العربي»: «لا أجد خيمة أو مكانا أمكث فيه، ولا أي شيء يسترني».
لا يدري المواطن الغزي ما يتوجب عليه فعله في هذا التوقيت، ولا إلى أين يذهب، كما يجهل مستقبل قطاع غزة وأهلها في ظل موجات النزوح المستمرة وسط الحرب الإسرائيلية المتواصلة على القطاع للشهر العاشر على التوالي: «الله أعلم ما الذي سيحصل لنا إذا كُتب لنا عُمر وبقينا في الدنيا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل».
وبخلاف سعد الدين لم يجد النازح يونس رحمي سيارة تنقل أغراضه، فجلس بها في الشارع، نظرًا لارتفاع أسعار خدمات النقل عبر سيارات الأجرة والتوك وتوك والتروسيكل: «حينما نزحنا ذقنا الغلب والمرارة. بحثنا على سيارة تنقل أغراضنا ولم نجد. كل السيارات التي وجدناها أجرتها مرتفعة تصل إلى 800 وألف شيكل».
خلال حديثه لـ«القدس العربي» يضيف النازح: «إن لم نمت من الرصاص والقصف الإسرائيلي سنموت من تعب النزوح. الطقس حار جدًا، وأشعة الشمس قادرة على قتلنا جميعًا».

تشريد ربع مليون غزي

وحسب الأونروا، فإن أكثر من 250 ألف فلسطيني قد يضطرون إلى مغادرة المناطق الشرقية لخان يونس بعد أن أصدر جيش الاحتلال أوامر الإخلاء منها، الأمر الذي سيزيد من معاناتهم خاصة في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وأن عملية النزوح باتت مكلفة ومتعبة نفسيًا وجسديًا.
وفي طريق النزوح من خان يونس كانت فاطمة الأغا تمشي على عجل، وتمسك في يدها طفلتها الصغيرة، 5 أعوام، فيما تحمل الأخيرة دمية في يدها، وتبكي من شدة التعب والإرهاق، لتصرخ الأم الغزية في مرارة وهي تحبس دموعها: «كنا نأكل ونشرب. كنا مرتاحين. لماذا فعلوا بنا هذا؟».
وبينما كانت الطفلة تبكي رفعت الأم يدها، وصاحت: «هؤلاء أطفال طالعين من بيوتهم بألعاب. لا فيها قذائف ولا صواريخ. قولوا لهم: ألعاب! ما عندنا صواريخ ولا أي شيء، فقط نساء وأطفال وشيوخ. لماذا يهاجمونا؟ لماذا يجبروننا أن ننزح».
وعلى مقربة من فاطمة مشت زينب السلطان متلهفة الخُطى، تحمل في إحدى يديها بعض عبوات المياه الفارغة، بينما تجر باليد الأخرى ثلاثة أطفال، وأخذت تتساءل: «ماذا نحمل؟! هل نحمل صواريخ؟» ثم أشارت إلى زجاجات المياه والأطفال: «هذا الذي نحمله. أوامر الإخلاء الإسرائيلية ترهقنا، وتدفعنا إلى النزوح باستمرار، رغم أنهم هم من يوجهوننا إلى المناطق التي يسمونها بالإنسانية سواء في خان يونس أو دير البلح ومن قبلها رفح».

احتلال غادر

ورغم أن النازحين استجابوا لأوامر الإخلاء الإسرائيلية بالخروج من المناطق الشرقية لخان يونس إلا أنهم فوجئوا بطائرات الاحتلال تطلق عليهم الصواريخ وهم في الشارع، حيث تناثرت الأشلاء وسقط العديد من الشهداء وفقًا لشهادة أحد النازحين ويدعى بلال طبش.
استيقظ بلال في السابعة صباح يوم 23 تموز/يوليو، على اتصال من جيش الاحتلال يبلغ الأهالي في منطقة بني سهيلا بضرورة إخلائها إلى المنطقة الإنسانية المعدلة في مواصي خان يونس، ولكن الاحتلال غدر بهم في الطريق.
يروي بحزن: «فجأة وبينما نحن خارجون من مناطقنا، إذا بالاستهداف يحدث. ضربوا علينا صواريخ».
ملأت الإصابات شوارع بني سهيلا، وصار الناس يركضون وسط المصابين والشهداء والأشلاء، يوضح الشاب الغزي العشريني: «سقط عشرات المصابين والشهداء. لم نعرف كيف نحملهم وسط القصف المستمر. كانت هناك أشلاء والوضع مأساوي جدًا».
وأعلن جيش الاحتلال نيته تعديل المنطقة الإنسانية في غزة شرقي خان يونس، زاعمًا أن «حركة المقاومة الفلسطينية حماس دمجت بنيتها التحتية في المنطقة» وطلب من السكان المتبقين في الأحياء الشرقية سرعة الإخلاء مؤقتًا إلى «المنطقة الإنسانية المعدلة في المواصي».
وادعى جيش الاحتلال كذبًا أنه وجه تحذيرًا مبكرًا للمدنيين عن طريق الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية والنشرات الإعلامية من أجل إبعادهم عن مناطق القتال في الأحياء الشرقية للمدينة الواقعة جنوبي قطاع غزة، حيث أفاد الكثير من الأهالي أنهم لم يتلقوا أوامر بإخلاء منازلهم ومناطق سكناهم بل تفاجأوا بالقصف.
نجلاء قديح لم تتلق أي اتصال أو رسالة من الاحتلال بضرورة إخلاء منزلها في منطقة بني سهيلا بل فوجئت بالطيران الحربي ومدفعية الاحتلال تقصف المنازل بشكل عشوائي وبلا هوادة: «كنا نجلس في بيتنا سالمين في أمان الله. لم نستفق إلا والأحزمة النارية تنزل علينا في كل مكان».
تستكمل حديثها: «قصف مدفعي وطيران. قصف عشوائي. خرجنا نركض في الشوارع، حيث تساقط الشهداء بكل مكان بدون سابق إنذار ودون أن يبلغونا. خرجنا وها نحن في الشوارع بلا مأوى».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية