غزة – الأناضول: لم يكن قرار تأجيل جلسات العلاج الكيميائي سهلاً بالنسبة للفتى محمد بدوي (17 عاماً)، المُصاب بالسرطان، لكنه كان خطوة «تحدٍّ»، يصنع بها الأمل ويُحقق من خلالها حلمه بدراسة هندسة البرمجيات.
القرار الذي اتخذه جاء بتأييدٍ من أفراد أسرته، نظراً لتزامن البدء بجلسات العلاج الخاصة به مع موعد امتحانات الثانوية العامة.
كان من المفترض أن يتلقّى بدوي علاجه خارج قطاع غزة، وهو الآن يصارع بإرادة قوية الآلام التي يشعر بها، وتكاد أن تفتك بتركيزه، في انتظار الانتهاء من مذاكرة المواد الدراسية التي يتقدّم لامتحاناتها.
لكن تأثير العقاقير الطبيّة المسكّنة للآلام، يحول أحياناً دون السماح له بالمذاكرة كما ينبغي، فعند الألم، يعجز عن إكمال يومه دونها، فيخضع لها لإسكات الآلام، ويستسلم لحالة من الاسترخاء.
انطلقت امتحانات الثانوية العامة، في الأراضي الفلسطينية، في 14 يونيو/حزيران الجاري.
ونظراً لحالته الخاصة، يتقدم بدوي لامتحانات الثانوية العامّة، في غرفة داخل مستشفى «أبو يوسف النجّار»، جنوبي قطاع غزة، تحت إشراف لجنة حكومية عيّنتها وزارة التربية والتعليم.
عام 2019، أصيب الفتى «محمد» بـ ورمٍ نادر في الحوض، يصيب الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً، وتسبّب بتآكل عظام الجانب الأيمن من الحوض، وفق ما قال والده «عمر. وحسب الوالد، بعد خضوع بدوي للعلاج الكيميائي والأدوية اللازمة، والعمليات الجراحية التي تم خلالها استئصال عظام الحوض والقدم اليُمنى، تعافى الفتى الفلسطيني عام 2020، وخضع آنذاك للعلاج الطبيعي كي يعود للحركة والمشي مجدداً.
لكن هذا المرض عاد ليغيّر حياة «بدوي»، ويتسبب بانتكاسة صحية جديدة له، منذ يوليو/تموز عام 2021، دون معرفة السبب، إلى أن تمّت معاودة اكتشاف المرض في مايو/أيار 2022.
ومع اكتشاف المرض، بدأ «بدوي» علاجاً جديداً وفق بروتوكولٍ جديد، لكنه أجّل هذا العلاج، وخاصة الجلسات الكيميائية، طيلة فترة امتحانات الثانوية العامة.
ويقول والده إن «محمد تمسّك بالأمل، وتحمّل آلام المرض القاسية، من أجل تحقيق أحلامه بدراسة هندسة البرمجيات». ويضيف إن رسالة محمد اليوم هي «رسالة تحدٍّ لكلّ من يعاني من أمراض مستعصية، بعدم الاستسلام، وبخلق المزيد من الأمل، بتحقيق حياة ومستقبل أفضل».
واستكمل قائلاً: «رسالة محمد للجميع، أن طالما الإنسان على قيد الحياة، فهو قادر على تحقيق الأهداف والأحلام، والمرض ليس نهاية هذه الدنيا».
بإرادة الحياة التي أبداها، لاقى بدوي دعماً من المحيطين به كافةً لاستكمال مرحلة الثانوية العامة، كما ساهمت وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم بتسهيل عملية تقديمه للامتحانات، وفق ما أوضح والده. في بعض الأحيان، تباغت الأوجاع بدوي أثناء تقديم الاختبارات التي تدوم نحو ساعتين، لكنّه يعاندها ويحاول الصمود لإنجاز ما يمكن إنجازه من الأسئلة في الوقت المحدّد. ويقول والده: «عندما يتعرّض لهذه الآلام يتناول عقاقير طبية مُسكنة قوية، تسبّب له حالة من التراخي والنعاس».
ورغم ذلك، يتابع والده، بقي بدوي متمسّكاً بالأمل، و بـ»حتمية» تخرّجه من الثانوية العامة، وبداية خطوات تحقيق حلمه، بدراسة التخصّص الذي يريد.
ومع اشتداد الآلام على بدوي، عرض والده البدء بالعلاج الكيماوي، الذي من شأنه أن يحسّن من وضعه الصحي، لكنه رفض متمسكاً بخياره إنهاء اختبارات الثانوية العامة هذا العام.
ويحلم بدوي بالحصول على منحة دراسية خارج قطاع غزة، تضيف له معرفة وخبرة في مجال هندسة البرمجيات.
ويشير والده أن ابنه كان من الأطفال المتميّزين في دراستهم، خلال المراحل الدراسية التي سبقت المرض. ولفت إلى أنه كان يخطو أولى خطواته في تحقيق حلمه، من خلال دراسة اللغة الإنكليزية، في مركز مُتخصص بذلك، ووصل حتّى إصابته بالمرض، إلى المستوى التاسع من اللغة.
يقول رائد غنّام، الأخصائي النفسي في مدرسة «أحمد ياسين»، التي يدرس فيها بدوي، والمتابع لحالته منذ نحو عامين، إن محمد يملك عزيمة وإصرار تجعله قادرا على تحقيق حلمه، رغم المرض.
وأضاف أن أكثر ما يردّده بدوي، وهو تحت آلام المرض، تفاصيل الحلم الذي يسعى لتحقيقه.
وذكر أغنّام ن بدوي انتقل من التخصّص العلمي في الثانوية العامة إلى الأدبي، لتخفيف ضغط المواد الدراسية عنه، بسبب مرضه.
وأوضح أن المدرسة التي يتعلم بها، والمدرّسين، كان لهم دور في تقديم الدعم النفسي والمعنوي لبدوي، ودفعه باتجاه إكمال الدراسة.