في عام 2012 أعد فريق من خبراء الأمم المتحدة المقيمين في فلسطين المحتلة تقريرا يتوقع أن تنعدم الحياة العادية في غزة عام 2020 إذا ما استمرت الأمور في القطاع بالوتيرة نفسها التي كانت عليها الأوضاع في القطاع آنذاك وبقيت من دون معالجة جذرية شاملة ومستدامة للعديد من القطاعات الحيوية. وأُعد هذا التقرير قبل عملية عامود السحاب عام 2012 وقبل عملية الجرف الصامد التي استمرت 50 يوما عام 2014 وقبل مواجهات مسيرات السياج 2018 و2019 وقبل عملية «حارس الأسوار» في أيار/مايو 2021 فما بالك بعد كل هذه الحروب وتدمير الأنفاق وإغلاق متواصل لمعبر رفح من قبل النظام المصري؟
كيف استطاع سكان قطاع غزة الصمود كل هذه السنوات؟ كيف يمكن لمجموعة بشرية مكونة من نحو مليوني إنسان يوضعون جميعا في سجن مساحته 340 كم مربعا، مغلق من جميع الأبواب بما في ذلك البوابة الوحيدة للعالم العربي عبر معبر رفح؟
العمليات العسكرية والقصف والاغتيالات لم تتوقف. دمرت الصناعة والزراعة والسياحة والصيد البحري وضرب التعليم بسبب كثرة المدارس المدمرة وشرد مئات الألوف واستشهد الآلاف، ومع هذا بقي القطاع واقفا على رجليه والعالم يكاد ينسى معاناة الناس هناك. حصار من العدو وحصار من الجار وحصار من السلطة التي كادت أن تصنف القطاع إقليما متمردا على الشرعية، ولا نعرف أين هي الشرعية، وحصار دولي يمنع التحويل من وإلى القطاع. أصيب الناس بالإحباط والقهر. ارتفعت نسبة الجريمة المحلية، انتشرت حالات الانتحار وغامر العديد من الشباب واخترقوا الحدود وركبوا البحر ومنهم من قضى غرقا في أمواج المتوسط.
وفي هذا العام شنت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية على قطاع غزة بتاريخ 9 أيار/مايو حيث أصابت الغارات الجوية الإسرائيلية المباني السكنية والمنازل التي كان يقيم فيها ثلاثة من أعضاء حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، ما أدى إلى استشهادهم مع عشرة من أفراد أسرهم فردت المقاومة بإطلاق صواريخ من مواقع مختلفة باتجاه الكيان واستمر تبادل إطلاق النار حتى يوم 13 أيار/مايو.
وخلال التصعيد، أعلن جيش الكيان عن استهداف 700 هدف في قطاع غزة. بينما ردت المقاومة الفلسطينية بإطلاق نحو 1400 مقذوفة باتجاه غلاف غزة وما بعده، وصل منها 1100 مناطق الأعداء بينما سقط الباقي في غزة أو البحر.
طوال فترة المواجهات أغلقت السلطات الإسرائيلية معبري إيرز وكرم أبو سالم، ومنعت حركة الأشخاص والبضائع من الضفة الغربية أو إسرائيل والعودة. وأثرت عمليات الإغلاق على وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية ودخول المواد الحيوية مثل الوقود. وتأثرت مدارس الأونروا بالإغلاقات المتواصلة ونقص الميزانية ما دفع السكان إلى التظاهر مرارا وتكرارا.
استمرت الأعمال العدائية حتى دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الساعة 22:00 يوم 13 أيار/مايو. لكننا شهدنا خلال الأسبوعين الماضيين تصعيدا جديدا بعد تنظيم مسيرات قرب السياج الفاصل على الحدود الشرقية يشارك فيها مئات الفلسطينيين كل يوم ضد الجنود الإسرائيليين المتمركزين هناك، الذين غالبا ما يردون على الاحتجاجات بالذخيرة الحية والرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. ردا على ذلك، غالبا ما يقوم الشباب الفلسطيني بإلقاء عبوات حارقة على الجنود الإسرائيليين ويحاولون قطع السياج العسكري على طول الحدود. الوضع الإنساني الآن لا يحتمل. هناك انسداد في الأفق. لا سلم ولا حرب. لا بصيص أمل لدى الناس الباحثين عن لقمة عيش شريف. بلغ السيل الزبى ولسان حال الناس يقول: كفى لم نعد نستحمل هذا الحصار.
بعض المعلومات المهمة
من التقارير الدولية
يواجه السكان في قطاع غزة المحاصر أزمة سياسية وإنسانية طويلة الأمد بسبب الاحتلال الذي تجاوز 56 عامًا وحصارا شاملا زاد عن 16 عامًا. أضف إلى ذلك آثار الانقسامات الفلسطينية الداخلية، والهجمات والحروب المتكررة ضد القطاع من القوات الإسرائيلية.
لقد أدت الأعمال العدائية المتصاعدة والحصار وعدم الالتزام بالقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان إلى حرمان العديد من الأشخاص من الوصول إلى الخدمات الطبية المنقذة للحياة والمياه النظيفة والتعليم وسبل العيش، كما عرضتهم لخطر العنف وسوء المعاملة بشكل مستمر.
ويصل عدد سكان غزة نحو 2.3 مليون نسمة يتكومون في قطعة محاصرة من الأرض مساحتها 340 كم مربعا لا تزيد عن مساحة ملعب غولف أو نصف مساحة مطار فهد الدولي التي تبلغ 776 كم مربعا. يعيش أكثر من 50 في المئة من سكان غزة تحت خط الفقر. وتصل نسبة البطالة إلى 50 في المئة و70 في المئة لفئة الشباب دون الثلاثين. وانخفض متوسط الأجر بنسبة تزيد عن20 في المئة في السنوات الست الماضية. كما يعاني 54 في المئة من سكان غزة من انعدام الأمن الغذائي، وأكثر من 75 في المئة منهم يتلقون المساعدات. لا يستطيع الغزيون صيد الأسماك إلا في شريط ساحلي صغير ومحرومون من الوصول إلى 85 في المئة من مياههم الإقليمية، كما أن 35 في المئة من أراضيهم الزراعية لا يستطيعون استغلالها بسبب الإجراءات العسكرية والأمنية للكيان الصهيوني، وأكثر من 90 في المئة من المياه الجوفية غير صالحة للشرب. وبسبب حروب إسرائيل المتواصلة على القطاع، استشهد آلاف الفلسطينيين، وجُرح عشرات الألوف. بالإضافة إلى ذلك، تم تدمير آلاف المرافق السكنية والحكومية وكذلك البنية التحتية المدنية بشكل متكرر.
يقول تور وينيسلاند، منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط حول الأوضاع العامة في قطاع غزة في تقريره الأخير أمام مجلس الأمن يوم الأربعاء الماضي: «على الرغم من بعض التخفيف للقيود المفروضة على الوصول إلى قطاع غزة، إلا أن هناك المزيد يجب القيام به للتخفيف من الوضع الإنساني وتحسين الاقتصاد وحرية الحركة. ومع ذلك، فإن الحلول السياسية المستدامة فقط، ذات الهدف النهائي ورفع الإغلاقات الإسرائيلية المنهكة بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 1860 لعام 2009 سيعيد الأمل لسكان غزة الذين طالت معاناتهم». وأعرب وينيسلاند عن قلقه العميق إزاء الوضع في قطاع غزة بعد زيارة للقطاع البحري المحاصر، قائلا إنه مروع. وأضاف: «نشعر بقلق بالغ إزاء التوترات المتصاعدة في غزة وما حولها. الوضع داخل القطاع رهيب ويجب علينا تجنب صراع آخر ستكون له عواقب وخيمة على الجميع. لقد عانى شعب غزة بما فيه الكفاية ويستحق أكثر من مجرد العودة إلى الهدوء».
وهذه الفكرة تكررها وبشكل أوسع، مقررة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، التي قدمت تقريرا شاملا حول حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية قائلة: «إن احتلال إسرائيل للأراضي التي يسعى الفلسطينيون لإقامة دولتهم المستقبلية عليها مخالف للقانون الدولي ويتعمق بشكل متزايد. هناك أسباب معقولة للاستنتاج أن الاحتلال غير قانوني الآن بموجب القانون الدولي بسبب استمرار سياسات الضم الفعلية التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية».
إذن نحن أمام وضع شاذ وغير شرعي ومنتهك للقانون الدولي من جهة وحصارات شاملة من جهات أربع، وشعب وصل حافة الانفجار. التحرك لإنقاذ القطاع من الناحية الإنسانية لا يحتمل التأجيل. دفن الرؤوس في الرمال، وإلقاء الخطب من على المنابر لاستجداء المجتمع الدولي، لن يفيد الشعب الفلسطيني، وخاصة سكان القطاع في شيء. ترحيل المعاناة إلى الآخرين سيفاقمها وينبئ بمآسٍ أكبر. المطلوب الآن التوجه نحو احتضان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والتخفيف من معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية يجب أن ينتهي هذا الحصار الطويل والظالم وغير الشرعي. فإما الانفراج وإما الانفجار.