بعد ايام معدودة من الغارة الجوية الاسرائيلية التي استهدفت مناطق عسكرية غامضة في شمال شرق سورية، يخرج علينا ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي بتصريحات مفاجئة يتحدث فيها عن السلام مع سورية، ويؤكد احترامه للرئيس السوري بشار الاسد، الامر الذي يعكس اسلوبا اسرائيليا غير جديد وغير مستغرب في النفاق والتضليل في آن.
فالقيادة الاسرائيلية تدرك جيدا ان القيادة السورية طلبت اكثر من مرة استئناف المفاوضات من حيث توقفت، وعلي اساس قرارات الشرعية الدولية، وجاء الرفض دائما من جانب نظيرتها الاسرائيلية، لان الاخيرة تعرف جيدا ما هي المطالب السورية التي يمكن ان تؤدي تلبيتها الي تحقيق السلام المنشود، اي الانسحاب الكامل من هضبة الجولان والعودة الي حدود عام 1967. الغزل الاسرائيلي المفاجئ لسورية لا يعكس توجها حقيقيا للسلام بقدر ما يعكس تضليلا لاخفاء نوايا اسرائيلية للحرب انتقلت الي مرحلة الاستعداد، واخذ الاحتياطات اللازمة، وما الغارة الجوية الاخيرة الا خطوة عملية في هذا التوجه المتصاعد في هذا الاتجاه.
الصمت الاسرائيلي المستمر حتي هذه اللحظة تجاه الاهداف التي استهدفتها الطائرات الاسرائيلية في سورية، والنتائج التي اسفرت عنها، هو احد حلقات الغموض المتعمد هذه، الذي يثير الريبة والشكوك. فاذا صحت الروايات والتسريبات التي تقول بان الغارات الاسرائيلية دمرت قاعدة سورية ـ ايرانية للصواريخ الحديثة بعيدة المدي، كانت موجهة الي اسرائيل في حال اندلاع حرب جديدة، فان هذا يعني ان الدولة العبرية تتأهب لهذه الحرب، وان العد التنازلي للضربة الامريكية ـ الاسرائيلية لايران قد بدأ.
اشادة اولمرت بالرئيس الاسد، وتعبيره عن احترامه له امر مؤسف لانه دليل اضافي جديد علي مدي كذب المسؤولين الاسرائيليين واستهتارهم بالقادة العرب، فلو كان اولمرت يحترم الرئيس الاسد مثلما يقول فلماذا اقدم علي احراجه بهذه الطريقة الفجة، عندما ارسل طائراته الحربية لكي تخترق العمق السوري وتضرب اهدافا عسكرية دون اي مبرر. انه استفزاز واضح يعكس نوايا عدوانية ولا يعكس توجهات سلمية.
القيادة السورية ابتلعت الاهانة دون شك، وفضلت الصمت علي هذا الاستفزاز وعدم الرد عليه، لان الوقت غير ملائم فعلا، ولتجنب اعطاء ذرائع اخري للاسرائيليين للتفرد ببلادهم في هذه المرحلة المفعمة من تاريخ المنطقة باسرها، فمن المؤسف ان سورية تواجه حصارا خانقا علي الصعيدين الدبلوماسي والسياسي، وتبدو معزولة بالكامل حتي في محيطها العربي، وباتت بعض الدول العربية، وخاصة حلفاء الامس القريب يكنون لها من العداء اكثر ما يكنون للدولة العبرية، وربما سيفرحون كثيرا لو اشتعلت الحرب وخرجت سورية خاسرة منها. فالعدو الجديد في المنطقة بالنسبة لبعض العرب لم يعد اسرائيل، وانما ايران وكل من تحالف معها، وخاصة سورية و حزب الله وحركة حماس.
الحرب قادمة الي المنطقة، هكذا بشرنا برنار كوشنير وزير خارجية فرنسا، وطالب الحلفاء، العرب والاوروبيين بالاستعداد لها بشكل جدي، ومن المؤكد ان الدولة العبرية ستكون شريكا اساسيا في اي قصف جوي او صاروخي لايران، ولعل اولمرت بمثل هذا الغزل المكشوف والممجوج يريد توجيه رسالة الي سورية بالابتعاد عن ايران، تكون مكافأتها استئناف عملية السلام، ولكن وفق الشروط الاسرائيلية المهينة.
لا نعتقد ان القيادة السورية ستتجاوب مع هذا الغزل، لانها تعرف جيدا الاهداف المرجوة من ورائه اي المزيد من الاهانات والاحراج لسورية.