“القدس العربي”: أحدثت تعليمات لجنة الطوارئ الحكومية بغزة بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة تداعيات المنخفض الجوي المتوقع أن يضرب البلاد خلال الساعات القادمة، حالة من الإرباك والترقب في صفوف الغزيين، الذين عبروا بطرق مختلفة عن تخوفاتهم من مضاعفة معاناتهم المستمرة منذ سنوات، وتحديداً في فصل الشتاء.
بدأت لينا سمير (40 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن في منطقة شبه نائية في مدينة خان يونس (جنوب)، باتخاذ التدابير اللازمة لحماية أطفالها من موجه الصقيع المحتملة، لا سيما مع انعدام وسائل التدفئة، مبدية مخاوفها من اللجوء لاستخدام الطرق التقليدية، خشية تكرار حوادث وصفتها، في حديث هاتفي مع “القدس العربي”، بالمؤلمة، والتي شهدها القطاع خلال السنوات الماضية.
وعن هذا تقول لينا: “بالطبع نحن في غزة نواجه معاناة مضاعفة؛ فعلاوة على موجة الصقيع التي تضرب العالم كله في هذه الأيام فإن الوضع لدينا مختلف؛ إذ نفتقد أدنى متطلبات التدفئة الآمنة بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة قد تتجاوز 20 ساعة يومياً”.
وأشارت إلى أن جهودها في هذا المجال تنصبّ على توفير بدائل قد تبدو أقل أمناً، “لكن هذا ما نملك”، على حد تعبيرها، مضيفة: “أحاول قدر الإمكان حماية أطفالي من البرد لكنني أمام خيار صعب؛ إذ قد أضطر لإشعال النيران التي تجعلني أكثر قلقاً، خشية أن يختنق أحدهم بسببها أو أن نحترق جميعاً لا قدر الله”، مؤكدةً أنها قلما تلجأ لهذا الخيار، وأنها في كل مرة تحاول أن تبقى يقظة إلا أن تطمئن أن أبناءها باتوا في أمان.
الشتاء في غزة يبدو موسماً ثقيلاً بأمطاره ودرجات الحرارة المتدنية لمستويات غير مسبوقة على سكان قطاع غزة، يحمل أوجهاً مختلفة من الوجع لديهم، وعن هذا يقول أبو وليد لـ”القدس العربي”: “كنت من محبي فصل الشتاء، لكنني بتّ أخاف منه كثيراً. أحد أهم طقوسي التي أمارسها فيه كالعادة هو الذهاب إلى شاطئ البحر والوقوف لساعات أمام أمواجه. أحب هذا الشعور”.
واستدرك: “لكن للأسف عدم إقبالي عليه هذا العام، هو لتعاظم معاناة الناس في غزة فيه، بدائلهم قليلة، وكثير منهم بلا مأوى بسبب تأخر عمليات إعادة الإعمار، واضطر عشرات وربما مئات منهم للبقاء في أماكن مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات السلامة والتدفئة التي يحتاجها الناس في أي مكان في العالم”.
وقال: “الناس في غزة لديهم وجع مركب، فعلاوة على ارتفاع معدلات البطالة والفقر الذي نهش أدق تفاصيل الحياة في غزة، للأسف يأتي فصل الشتاء ليفاقم معاناتهم. حتى هذا حُرمنا من الاستمتاع به”، وعزا ذلك لسوء التدابير الحكومية التي من شأنها أن توفر شتاء آمنا للناس، مستذكرا المشاهد المتكررة لغرق أحياء بأكملها في مناطق عدة داخل القطاع.
وأيّد محمد عوض الأكاديمي في جامعة الأقصى ما قاله أبو وليد، في أن جهود المسؤولين في المجالس المحلية لا تزال دون المستوى، وهو ما يجعل الشتاء في غزة موسماً عز انتظار انتهائه دون خسائر.
وقال عوض، في اتصال هاتفي مع الـ”قدس العربي”، إن أكثر ما يواجهه الناس مسألة الأمطار وعدم وجود بنية تحتية يمكن لها أن تساهم في تصريف المياه بطريقة مناسبة”، مشيراً إلى أن المشهد الذي وصفه بالمؤلم يتكرر سنوياً بسبب غرق الشوارع ما يدفع لتعذر التنقل والحركة، مثيراً جملة من التساؤلات حول جهود المسؤولين في المجالس المحلية في هذا الإطار.
لمحمد قنديل، وهو مصور صحافي، قصة أخرى مع فصل الشتاء؛ إذ يبدو الأمر بالنسبة له مضاعفاً بسبب المشاهد المؤلمة التي يوثقها بكاميرته يومياً، وعن هذا يقول لـ”القدس العربي”: “لا يمكن تخيل حجم الوجع الذي يسكن قلوب ومنازل الفلسطينيين في قطاع غزة. يومياً تصلنا مناشدات عاجلة لعوائل فقدت منازلها خلال الحروب المتعاقبة على قطاع غزة، وآخرون حرمهم الفقر من إعادة ترميم منازلهم وهو ما جعلهم وأبناءهم عرضة للغرق، علاوة على الانتشار الكبير لأمراض الشتاء لدى كثيرين منهم”.
وعن أكثر القصص المؤلمة التي شاهدها، قال: “قبل أيام وردني اتصال من أحدهم يطالبني بضرورة التوجه عاجلًا لأحد المنازل، وعندما وصلت ومجموعة من الزملاء تبيّن لنا أن المنزل تقريباً آيل للسقوط، يسكنه نحو 10 أشخاص حوالي نصفهم من الأطفال، لكن أصعب ما في الأمر أن أحدهم رضيع كان يرتجف لشدة البرد وعدم توفر الأغطية المناسبة، وكذلك ارتشاح المياه من كل حد وصوب”.
وأضاف: “ذهبنا وفي أذهاننا أننا سنصور معاناتهم، لكننا أصبحنا جزءاً منها، وقررنا أن نساهم في مساعدتهم بشتى الطرق الممكنة، وللأسف ما قمنا به هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يحمي الأطفال لساعات”، محذراً من إمكانية تفاقم معاناتهم إذا ما صدقت تنبؤات الأرصاد الجوية من أن القطاع سيواجه منخفضاً شديداً.
وخلال الأسبوع الماضي، شهد قطاع غزة غرق أحياء بأكملها، إضافة لغمر مياه الأمطار، التي بلغت لمستويات غير مسبوقة، آلاف الأطفال خلال عودتهم من الدوام المدرسي، وهو ما أثار في حينه حالة من السخط الشعبي على الأداء الحكومي؛ إذ اتهم المواطنون الجهات المختصة بالتقصير في إعادة إعمار البنية التحتية التي دمر الاحتلال أكثر من 90 بالمئة منها خلال الحرب الأخيرة على القطاع منتصف مايو/أيار 2021.
وفي استطلاع بسيط لتوجهات المواطنين في القطاع لمواجهة المنخفض، طرحت مراسلة “القدس العربي” عبر صفحتها الشخصية تساؤلاً حول التدابير المتخذة منهم لمواجهة المنخفض المتوقع، وحمل جزء من تعليقات المواطنين تندرا وسخرية، في حين طرح آخرون خيارات التدفئة البديلة باستخدام الحطب أو الفحم لمواجهة البرد.
وكانت لجنة الطوارئ الحكومية في غزة قد نشرت، مساء الثلاثاء، جملة من الإرشادات من أجل مواجهة تداعيات المنخفض، داعيةً المواطنين للوقوف أمام مسؤولياتهم نظراً لخطورة المنخفض المرتقب، مطالبةً إياهم بعدم الخروج من منازلهم خلال ساعات النهار ومساء غد الأربعاء وحتى انتهاء الخميس إلا للضرورة القصوى؛ نظراً لصعوبة حركة المواطنين والمركبات.
ولفتت اللجنة، في بيان، إلى ضرورة التزود بالاحتياجات المهمة كالأغذية والأدوية والمياه، قبل عصرغد الأربعاء لتوقعات بانعدام الحركة بعد ذلك.
وقالت: “نطالب أصحاب المنازل المعرضة للغرق جراء انخفاضها عن سطح الشارع بتجهيز أكياس الرمال وتغطية أسقف الصفيح والإسبست بالنايلون”، مشددةً على ضرورة تقنين استخدام المياه والكهرباء، وأهمية فحص الشبكات المنزلية والمولدات الكهربائية، والحذر من استخدام وسائل التدفئة الكهربائية والغاز، وتثبيت الأسقف واليافطات وخزانات المياه، وكذلك الابتعاد عن أعمدة الكهرباء تحسباً لحدوث أي تماس كهربائي.
في السياق، أعلنت وزارة التربية والتعليم في غزة أن دوام الطلبة في مختلف المراحل التعليمية والموظفين في جميع الوزارت ليوم غد الأربعاء، سيكون حتى الساعة 12:30 بتوقيت القدس، على أن تعطل المدارس والوزارات يوم الخميس 27 يناير/ كانون الثاني، مع استمرار دوام وزارة الأشغال العامة والبلديات والدفاع المدني لتقديم المساعدة للمواطنين خلال ساعات المنخفض.