لندن – “القدس العربي”:
نشر موقع ميدل إيست آي البريطاني مقالا يعتبر بمثابة شهادة لأحمد السماك – طالب الماجستير الفلسطيني المقيم في دبلن، يتحدث فيها عن حجم المعاناة (من الأجداد إلى الأحفاد) والصمود الاستثنائي للشعب الفلسطيني في مواجهة حرب الإبادة الإسرائيلية الحالية وما سبقها من حروب.
ويقول الكاتب: “بالنسبة للفلسطينيين، تمثل منازلنا صمودنا ضد الاحتلال الغاشم. وبينما يواصل الإسرائيليون تدميرها، يجب علينا أن نستمر في إعادة بنائها”.
ويذكر أحمد أنه “في سبتمبر/أيلول الماضي، غادرت غزة ـ أكبر سجن مفتوح في العالم ـ متوجهاً إلى دبلن لمتابعة دراستي، في ظل ضغوط نفسية ثقيلة، إذ إنه وقبل أيام فقط، قتلت غارة إسرائيلية عمي عماد – كان يعمل موظفا في الأمم المتحدة- بينما كان نائما في منزله الجديد. كما كانت ابنة أخي “يافا” البالغة من العمر عامين تبكي من الخوف والجوع، ولا يجد والدها الحليب أو الطعام المناسب لها. كذلك فقد أصبح منزلنا، الذي استثمرت فيه والدتي كل مدخراتها، غير صالح للسكن بسبب الغارات الإسرائيلية، وأرسل لي أخي الأصغر مؤمن رسالة يقول فيها إنهم نجوا من مجزرة بمعجزة ويطلب مني التزام الهدوء، ولكن: “هل هناك جحيم أعظم من هذا؟”.
بناء ملاذنا
ويستذكر أحمد وفاة والده رمزي بالسرطان عام 1999، تاركاً الأم “سمية” بمفردها لتربية أربعة أطفال وهي في عمر 33 عاما. ويقول: “بعد فترة وجيزة، حصلت والدتي على وظيفة بدوام كامل كمعلمة للغة العربية لدعمنا. في عام 2005، عندما انسحبت القوات الإسرائيلية من غزة، بدأت في بناء منزلنا حجرا حجرا. وسرعان ما تعرقل هذا الحلم بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق على غزة عام 2006، مما أدى إلى تضخم تكلفة مواد البناء”.
وبما أنها كانت المعيل الوحيد لأسرتها، فقد اضطرت الوالدة إلى الاقتراض وبالتالي غرقت في الكثير من الديون. وأخيراً، في أكتوبر 2008، انتقلنا إلى ملاذنا، حيث أصبح لكل واحد منا غرفة، وطابق أرضي للتجمعات وحفلات الشواء، يقول أحمد، ثم يضيف: “وبعد مرور شهرين فقط، كنت أتقدم لامتحان الرياضيات في مدرستي الإعدادية في مخيم دير البلح، وسط قطاع غزة، عندما هزت التفجيرات المدوية المدرسة. عندها كنت في الثالثة عشرة من عمري وكانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها مثل هذا الصوت المرعب. اعتقدت أن يوم القيامة قد بدأ، لكنه كان إعلان حرب إسرائيلية على غزة… طلب منا المعلمون الإسراع إلى الحافلة، وفي طريق عودتي إلى المنزل، رأيت مئات القتلى في الشوارع: مشهد صادم وشيء لم أره من قبل. وفي منتصف ليل اليوم التالي، 28 ديسمبر/كانون الأول، اتصل الجيش الإسرائيلي بجارنا، وأمره بإخلاء منزله قبيل قصفه، فبدأ جارنا بالصراخ ودعا جميع الجيران للإخلاء، واستيقظنا خائفين ومرتعدين ولم نتمكن إلا من ارتداء ملابس خفيفة ثم هربنا مع جيراننا والأطفال والنساء وشيوخنا على حد سواء، ثم أجبرنا صوت الطائرات الحربية الإسرائيلية على الاختباء خلف أحد الجدران، وما هي إلا لحظات حتى أطلقت الطائرات صاروخين، فكانت الأرض تهتز، ويتصاعد دخان خانق وكثيف في الهواء وكانت السماء تمطر شظايا وحجارة”.
بين الجد والحفيد
ويضيف أحمد: “وبعد وقت قصير، ركضنا مرة أخرى، تحت أصوات طائرات التجسس الإسرائيلية، حتى وصلنا إلى منزل جدي، على بعد 15 دقيقة سيرًا على الأقدام. فطلب مني جدي علي، الذي طردته مليشيا صهيونية مسلحة قسراً حافي القدمين عام 1948، تاركاً وراءه كل ممتلكاته، أن أنام بجانبه، ثم قال لي وهو يغطيني ببطانيته متحدثا عن طفولته: “كنت يتيما، في عمرك تقريبًا عندما اضطررت إلى مغادرة منزلي ورأيت مئات الأشخاص يقتلون على يد الصهاينة. لا تقلق يا حبيبي، كل شيء سيكون على ما يرام”.
شعر أحمد بألم وغضب وهو يقول: “كم هو مثير للسخرية أن أتقاسم نفس المصير مع جدي، تحت نفس الغطاء، وأعاني من نفس المحنة رغم فارق التوقيت لأكثر من 60 عاما. ففي صباح اليوم التالي، عدنا لتفقد منزلنا، لكننا لم نجد سوى الأنقاض. أغمي على والدتي على الفور. قام عمي، وهو ممرض، بإنعاشها وتوجهنا إلى منزله الذي يبعد مسافة 10 دقائق بالسيارة.
كان عمري 13 عامًا فقط. سألت جدي نفس السؤال الذي يطرحه جميع الأطفال الفلسطينيين اليوم: لماذا بحق الجحيم يجب أن أعاني من كل هذا؟ وقال بنبرة خانقة: «إنه الاحتلال يا حبيبي». لكنني لم أفهم. ولكن بعد 15 عاماً، وجدت الجواب الذي طال انتظاره وهو جواب يزعم أن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد الأطفال والنساء الفلسطينيين وقصف المباني المدنية متى أرادت. بغض النظر عن عدد القتلى”.
ويضيف الكاتب: “بعد الحرب، تحملنا عامين من النزوح المرير. وكانت التعويضات الحكومية التي تلقيناها أقل بكثير من المبلغ المطلوب لإعادة بناء منزلنا. ومع المزيد من الديون والقروض، وبعد عامين مرهقين، قامت والدتي ببناء ملاذنا مرة أخرى بلا كلل، ولكل منا غرفته الخاصة. كان الانتقال إلى منزلنا الجديد بمثابة انتصار حلو ومر، مشوب بذكريات صراعاتنا الماضية”.
ذكريات عزيزة
وعن حال والدته يقول: “أتذكر والدتي المنهكة، بالكاد تتحدث أو تأكل لعدة أيام. وكان عزاؤها الوحيد ومواساتها، هو الإيمان بالله. ومرة أخرى، استغرق الأمر منا عامين لإعادة بناء المنزل، مع المزيد من القروض والديون. وكانت والدتي لا تزال المعيل الوحيد لنا، وبالتالي تحملت ثقل القروض والديون الإضافية المتراكمة من المنزل الأول. وبعد سنوات قليلة تخرجنا من الجامعات وبدأنا العمل. مثل الغالبية العظمى من سكان غزة، كنا نتقاضى أجورا منخفضة ولكننا كنا محظوظين أيضًا بالعثور على وظائف لأن معدل البطالة كان أكثر من 50 بالمائة.
وفي عام 2022، حل الفرح بولادة يافا – ابنة أخي، التي سُميت على اسم مدينة يافا الحبيبة لجدي، والتي طُرد منها قسراً عام 1948 مع 750 ألف فلسطيني على يد الصهاينة المسلحين. وللأسف، توفي جدي عام 2010، في الذكرى الثانية والستين للنكبة. وتمنيت لو تمكن من رؤية ولائنا الثابت ليافا، تماماً كما أظهرته أمي لأبي.
ثابتون في قضيتنا
وتمضي السنون حتى وقتنا الحاضر، إذ يقول الكاتب: “عندما اندلعت حرب الإبادة الجماعية المستمرة على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، قامت عائلتي بإخلاء منزلنا على الفور. وبعد أن نزحت عائلتي عدة مرات من مكان إلى آخر، وجدت أخيراً مأوى في خيمة في رفح، بعد أن نجت من ثلاث مذابح. ومرة أخرى، وللمرة الثالثة، قصف الجيش الإسرائيلي منزل جيراننا قبل شهرين، مما أسفر عن مقتل 10 منهم وجعل منزلنا غير صالح للسكن مرة جديدة. وجاء ذلك بعد أن فقد شقيقاي وظيفتيهما، فانهارت الوالدة سمية لكنها تشبثت بعزاء بقائنا أحياء، بغض النظر عن الظروف اللاإنسانية التي تضطر عائلتي للعيش فيها. وعندما ظننا أن الأسوأ قد حصل، قام الجيش الإسرائيلي المتمركز في حينا باجتياح منزلنا، والعبث فيه، ثم قام الجنود بالكتابة عبر استخدام أحمر الشفاه على المرآة التي بقيت في منزلنا: “شعب إسرائيل على قيد الحياة”.
ويختم الشاب الفلسطيني بالقول: مع ذلك، كما علمتنا والدتي، فليس لدينا سوى خيار واحد: أن نبقى مخلصين لقضيتنا، وأن نعيد بناء منزلنا مرة أخرى.