غسان نزال العائد إلي جنين

حجم الخط
0

حكمت النوايسة

قبل أيام كان غسان نزال علي موعد مع جنين التي أحبّها حد الجنون، غسان نزال، السيناريست المبدع، والروائي المبدع، والإنسان الرائع، الذي عاش بيننا بخفّة طائر جنينيّ، وزّعه الحب بين عمان وجنين.

عمان الحشد والرباط، المهاجرين والأنصار، التي عمل فيها موظفا في المجلس الأعلي للشباب، ورئيسا لتحرير مجلّة الشباب، و كوّن فيها عشّاً لم ينسه يوما جنين، وجنين مسقط الرأس، ومهوي الفؤاد، المدينة التي كنت أتخيّلها خارجة من سحاب، وضباب أسطوريين عندما كان يحدّثني عنها، كان يتحدّث عن حلم رائع، وعن أسطورة صعبة، بقلبٍ فيّاض بالمشاعر والحب، قلّ نظيره إن لم ينعدم.

غسان أحبّ أرض الحشد والرباط وأهلها حبّاً جليا لم يكتمه، ولم يبد في سلوكه إلا ما يدل عليه، وكنت أستغرب سعة قلبه وسعة أفقه وفهمه للحياة، كان أعلي من المشهد الزائل، وأعلي من المهاترات التافهة، كأنه الطائر الذي كان يري ما لا نري وما يزال.

تصدّي غسان نزال لرواية غسان كنفاني عائد إلي حيفا وحوّلها إلي عمل تلفزيوني مسلسل، وكم كنت مندهشا لاختياره هذه الرواية الملبسة، غير أنني كنت واثقا من أنه يعرض نفسه لتحدٍ ليس بالقليل، في نوع من التمرين الصعب الذي لا يقدم عليه إلا من يري في نفسه الأهلية لذلك، ولعلّ أخطر سؤال كانت تطرحه عائد إلي حيفا هو سؤال الهوية الحقيقية لليهودي، من هو اليهودي؟ ومن هو الصهيوني؟ فضلا عمّا تنطوي عليه الرواية من تصوير لفظائع العدو الصهيوني التي ارتكبها بحق أهلنا في فلسطين. وعندما شاهدت العمل وجدت نفسي أمام كاتب سيناريو محترف، قبض بيده علي جمر عمله وأتقنه، وحافظ في الوقت نفسه علي حياد إنساني لم يقفز به علي الوطنية وإنما تجلّت فيه بإنسانية رائعة. مع ما يعتصره من ألم وهو يري خيط الدم المستمر وجرائم العدو التي لا تنتهي بحق أهلنا ووطننا.

وتصدّي غسان، إلي عمل آخر لا يقل خطورة عن رواية عائد إلي حيفا وهو أن يعد عملا تلفزيونيا عن غالب هلسا، أو عن أعماله الروائية التي كان الأردن فضاءها المكاني، وقد أنجز هذا العمل ونحن بانتظار أن نراه علي شاشة التلفزيون. وما أود أن أشير إليه هو أن غسان قد تعب كثيرا في إعداد هذا العمل، سواء أكان بقراءة الحقبة التاريخية التي تمسّه، أم في البحث في لغة الخطاب السياسي الشعبي ومفردات الحياة الشعبية التي لفّت عمل غالب هلسا زنوج وبدو وفلاحون وقد كان مثابرا في هذا العمل، يوصل الليل بالنهار، كأنه في سباق مع الموت، وكأن جنين تلح في ندائه، كان يستشعر المرض ولا يستسلم له، وكان نداء الحياة أقوي من نداء الموت، كأنه يستخف بالموت أو أنه كان يلملم أوراقه لكي يعود إلي جنين الحبيبة والوطن والدفء الأخير.

فجأة، خذلنا غسان، وانسرق من بيننا في مرض غير ممهل، أدرك خطورته، وأدرك نتيجته، فقرر أن يعود إلي جنين، ناسيا كل ما هو مشغول به، ذهب إلي جنين بقصد الراحة، وأي راحة كانت، إنها الراحة الأبدية، هناك يبدو أن ترابها الطاهر استطوله، فما أن حطت رحاله في الوطن والأهل، حتي نادته نداء الحبيبة، واحتضنته إلي الأبد…… تاركا أسرة كريمة في عمان…. تنظر في أوراقه المبعثرة علي مكتبه، وهو يعد عملا تلفزيونيا عن رواية ذاكرة الجسد لم يمهله نداء جنين العزيز لإتمامه… غادرنا غسان، تاركا الأثر الطيب، والخلق النبيل، يتحدّثان عنه كأنّه بيننا تماما وإلي رحمة الله يا أبا أمجد.

ہ شاعر أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية