عدنان حسين أحمد
قد لا أغالي إذا قلت إن غصن مطعّم بشجرة غريبة للدكتور صلاح نيازي هي أول سيرة ذاتية عراقية تنطبق عليها مجمل معطيات السيرة التي تستجيب لشروط العقد الافتراضي الذي يبرمه الكاتب مع قارئه. ولعل أبرز اشتراطات السيرة الذاتية هي الصراحة والصدق التامّان. وأظن أن نيازي كان أميناً، وصادقاً، وصريحاً في آنٍ معاً علي الرغم من أن هذه السيرة قد قالت التسعة أعشار، وحجبت العُشر العاشر الذي ينضوي تحت باب المسكوت عنه، أو اللا مُفكر فيه، أو الذي لا يمكن أن يُقال لأسباب أخلاقية واجتماعية وتربوية. فهذه السيرة تكشف أن صلاح نيازي يشتغل في المنطقة الفكرية، والفنية، والفلسفية، والنقدية، والتربوية، أكثر من اشتغاله علي السيرة الذاتية التي تحمل بعض ملامح السيرة الذاتية ـ الذهنية، أو السيرة الذاتية ـ الروائية علي الرغم من تمكنه من هاتين الأخيرتين، بل انني أدعوه بمحبة التلميذ المثابر، والناقد المعجب أن يكرّس جزءاً غير قليل من وقته الثمين للكتابة السردية قصة ورواية وسيرة، خصوصاً وأنه يتوفر علي أسلوب مشوق، خفيف الظل، وروح مرحة، فكِهة حتي في المواقف التراجيدية الصعبة.
يُهيمن الموت، أو الخوف منه في الأقل، علي مدار النص السيري بدءاً من موت الوالد، مروراً بقتل الأخ الأكبر، وقتل الزعيم الأوحد، وانتهاءً بنجاة الراوي، أو الشخصية السيرية من كابوس الموت الذي كان يلاحقه في حلّه وترحاله بعد أن تحوّل الي هدف متحرّك قد يقع في مصيدة المتربصين به في أية لحظة. دعنا نعترف أولاً أننا أمة خذلت نفسها تربوياً، وتشبعت بأخلاق الصحراء وقيمها، فلا غرابة أن تكون الشخصية العراقية في الأقل مزدوجة، ومتناقضة، وحائرة، وغير مستقرة، ولا تعرف ماذا تريد أحياناً! ويمكن تلمس هذا التناقض الصارخ، والازدواجية الواضحة حتي في آراء الكائن السيري الذي يشكّك في أسباب هروبه، وتحوله الي ضحية يطاردها الجلاد عليَّ أن أعترف أن ما وقع لي بالعراق كان من مسؤوليتي، لأنني كنتُ ساذجاً لم أقرأ الغد. ص114. تواشج الذاكرتين الفردية والجماعيةتتأسس الذاكرة، الفردية أو الجماعية، اعتماداً علي معطيات ثقافية واجتماعية واقتصادية وفكرية. وما اختزنهُ الكائن السيري في ذاكرته الفردية من وقائع وأحداث تكشف حجم معضلة العراقيين جميعاً. وبحسب تسلسل الأحداث التي وردت في متن السيرة الذاتية يمكن رسم خريطة الخراب الذهني الذي نعاني منه في أي صقع من أصقاع العراق. ولو تفادينا حادثة وفاة والده علي اعتبار أننا جميعاً سوف نلاقي مصيرنا المحتوم ذات يوم، فإن مشهد الفرهود في الناصرية المُحاصرة سوف يؤسس لذاكرة سلبية خربة تنطوي علي مفهومات النهب والسلب والضراوة، وغياب القانون. مدينة الناصرية حين وعيتها محاصرة أولاً بالفرهود هجوم الريفيين أيام القحط والجفاف علي المدينة ونهب بيوتها بضرواة وتوحش ص10. انطلق الكائن السيري من الهم الموضوعي النابع من العقلية البدوية التي تتعامل وفق أخلاقية الصحراء التي تعتبر السرقة فعلاً لا يخلو من أشكال الفحولة والبطولة. كما أن بعض الأطاريح الإسلامية لا تجد ضيراً في النهب والسلب أيام المسغبة. لقد تحامل الكاتب علي الريفيين مذ تلك اللحظة، ووضعهم في خانة الوحوش الضارية التي لا تعير وزناً للقانون. لم يقتصر العنف علي القضايا الموضوعية الكبيرة، ولكنه تسلل الي الذات العراقية المفجوعة بأسباب العنف الداخلي الذي لا تعرف مصدره. وإلا فلماذا يتبرع أحد أبناء المحلة مدفوعاً بهواجسه الشخصية المزيفة عن الرجولة ليقتل الكلبة السوداء الودود بعمود حديدي ثقيل نطّت ولم تصدق ما حدث. المفاجأة أكبر من الألم.. ضربها ثانية فاندلق الدم من فمها، ووقعت علي الأرض… يومها ثلمت الحياة. بقيت مكسورة لحد الآن. ص 18. هذا الانكسار المريع سيكبر يوماً بعد يوم في روحية نيازي، ويستوطن في تلافيف ذهنه الذي ستشوشه الأحداث الجسام الذاتية والموضوعية مثل مقتل شقيقه الأكبر بسكين من الخلف. وسوف يظل نيازي يخشي من أي كائن يتعقبه أو يمشي وراءه من دون قصد. وسوف تتثبت هذه الخشية كمرض عضال لا شفاء منه. كما أن مقتل الزعيم عبد الكريم سيضاعف من شعوره بوحشية بعض الكائنات العراقية التي يجب أن تُعالج من ضراوتها وعنفها المزمن وإلا كيف نفسِّر نبش قبر الزعيم قاسم، حتي وإن كان من قبل إمّعات الحكومة، وإلقاء جثته في نهر دجلة؟ ان الجندي الذي يهّز رأس الزعيم، وهو ميت، أمام شاشة التلفزيون يجب أن يكون عيّنة مختبرية للمنحرفين، والمجرمين، ومصاصي الدماء البشرية. قُتل عبد الكريم قاسم، دفن فعُيِد. ثم نبشته الحكومة وألقت جثته في النهر ص 37. ترسخت وحشية ميليشيات الأحزاب العراقية ومرتزقتها مع دخول القطار الأمريكي للعراق، وتنوعت أساليب التعذيب مثل قصّ الألسن، والاغتصاب وتغطيس الموقوفين الي حد الفم ببرك البول والخراء. ص 38. انتعش قاموس بعض الأدباء والمفكرين العراقيين بمفردات واصطلاحات جديدة من بينها الهروب بالجلد، النجاة، الابتعاد عن الكابوس والتي تلاقت مع نزعة الخلاص الفردي، وتلاقحت مع الأحلام الذاتية التي يحملها أغلب الأدباء العراقيين بين طيات أنفسهم التي تتوق الي العلم والمعرفة والحياة الحرة الكريمة التي لا يؤرقها العسس، ولا تتربص بها أجهزة الشرطة السرّية. إن اللعنة التي يصبها الكائن السيري علي مسقط رأسه في الناصرية سنجدها في وقت لاحق وقد تحولت الي طقس صوفي حينما يجلب نيازي حفنة من تراب الوطن، بعد عشرين عاماً من الغربة، وينثرها في حديقة منزله في لندن لكي تعبق روحه برائحة التراب الذي كان لعيناً ذات صباح دموي مفجع.
بنية النص السيريبني نيازي نصه السيري علي فكرة تراجيدية. فبعد أن أخبره الشاعر حسين مردان بأن وزير الإعلام العراقي آنذاك قد قال له: لا نمنع شاعراً من السفر، ولا نقتل شاعراً. دم لوركا عبرة لنا. ص 38. قرر في دخيلته أن يهرب من العراق تاركاً كل شيء وراءه العائلة، والذكريات القديمة، وحضن العراق الذي يسمّي وطناً. ولا ضير في أن يموت شرط أن يكون هذا الموت موتاً كريماً. لنتابع درجة الاحتقان التي وصل اليها نيازي حينما يصف حالته النفسية التي بلغت ذروة تأزمها: اختنقت، اختنقت، أمنيتي الوحيدة لا الوصول الي لندن، لا العيش فيها، ولكن الموت في مكان آخر. الموت بإرادتي أقصي حلم. ثم يعزز هذا الموت بموت السهروردي الذي اختاره هو بنفسه، وبإرادته. ثم يكمل رسم الصورة التراجيدية حينما يستدرك قائلاً: أشقُّ شيء عليَّ أن يشفي قاتلي غليله. أن أموت تحت قدميه وآلات تعذيبه مُهاناً مذلاً. أمنيتي أن أحرمه من إشباع حقده. ص38. لقد شعر الكائن السيري أن حياته قد انتهت حقاً في العراق، ولا بد من الهروب مهما كان الثمن غالياً. تتصاعد وتيرة النص المأساوية حينما ندرك لاحقاً أن الكائن السيري سوف يقع في فخ الجوع بعد أن نجا من مصيدة الموت التي كانت منصوبة له في كل زمان ومكان من جغرافية العراق الذي تحوّل الي سجن كبير. لكنه قاوم الجوع بكسرة خبز مهملة، وتفاحة أهدت نفسها الي معدة خاوية. كما أن تجربة تحمّل الجوع في الناصرية، أيام شظف العيش، قد أعانته علي تحمّل الجوع الجديد في لندن! وحينما ضاقت به السُبل بدأ يتضرع الي الله أن يغدق عليه رحمة المرض لكي يدخل المستشفي، ويسد غائلة الجوع التي كانت تفتك به يومياً رحماك يا رب: أعطني رحمة المرض، لم تبقَ لي من رحمة سواها. ص 56. لا يمكن رسم صورة دقيقة للمأساة الحقيقية التي عاناها الكائن السيري طوال أشهر في لندن، فهي أعسر من أن توصف أو تُختصر، لأنها ببساطة أوصلته الي منزلة الكائن الذي يثير الشفقة، ويستحق الصدقة بحسب توصيفه لطبيعة مشاعره الداخلية التي كانت تنتابه آنذاك. ومع هذه القسوة الشديدة كان نيازي يقترب من نفسه كثيراً، ويحاورها، مستكشفاً ممالكه المطمورة، ومستجلياً طيات روحه اللائبة التي تبحث عن شيء ضائع لا يعرف كنهه. يستطيع القراء أن يتمعنوا في اللقاءات المتعددة التي جمعت بين سيد البيت وسيدته من جهة ونيازي من جهة أخري، ليلمسوا حجم الحرج الذي كان يعانيه الكائن السيري بسبب الإفلاس، والفقر المدقع، والتطوّس الموروث حتي يصف نفسه في نهاية المطاف بأنه ريشة في مهب الريح. ساعدت هذه البنية المأساوية بما تنطوي عليه من تناقضات علي تعميق النص، وتثوير جانبه التعبيري الذي يلامس شغاف القلوب، ويحرّض القرّاء علي التعاطف الكلي معه. فابن الضابط الكبير الذي كان ميسوراً، وصاحب جاه يجد نفسه في مواجهة صناديق النفايات ليلاً كي يسكت غائلة الجوع. والقارئ يعرف سلفاً بأن هذا الكائن السيري قادم من العراق علي وجه التحديد، وليس من الصومال، تمثيلاً لا حصراً. ورغم المحنة الطويلة التي عاناها نيازي، إلا أن الضوء بدأ يلوح في نهاية نفق الجوع، والحرمان، والتهرّب الممض من دفع إيجار الغرفة الباردة. فدهشة المكافأة الأولي كانت تشبه تماماً دهشة الناس المتضورين جوعاً حينما تمطرهم السماء منّاً وسلوي من دون سابق إنذار. أنقذته المكافأة من الكذب والإحراج والجوع، كما أعادت له ثقته المفقودة بنفسه، ووضعت خطواته المرتبكة من جديد علي سكّة الأمل والأحلام السعيدة. تدرّج نيازي من مكافآت الصحف والمجلات والدروس الخصوصية الي الوظيفة الدائمة في الإذاعة منتشلاً نفسه من الخانق الضيق الذي أطبق عليه لمدة طويلة، كما أزاح عنّا، نحن القرّاء، همَّ الإحساس بالظلم والإنكسار وتأنيب الضمير علي المصير المفجع الذي آل إليه الكائن السيري، وكأننا نحن المسؤولين عن فجيعته، وليس الحكومة العراقية التي دفعت أبناءها الي الذل والمهانة والتشرّد وركوب المخاطر.
في مواجهة المرآةتصلح هذه السيرة أن تكون أنموذجاً للدرس النفسي، والتربوي، والاجتماعي، والسياسي، والأخلاقي. وبطبيعة الحال لا يمكن التوقف عند هذه الدروس مجتمعةً، وآمل أن يتأملها القارئ، ويطيل النظر إليها حينما تسعفه سانحة الحظ بالعثور علي هذه السيرة الذاتية الصادقة، المُعرِّية للذات، والكاشفة لأغلب أقانيمها. تتألف السيرة من ستة فصول وهي الناصرية، بغداد، حلب، تركيا، ميلان، ولندن غير أن الفصل الأخير الذي استحوذ علي ثلاثة أرباع السيرة تقريباً يضع الكائن السيري في مواجهة مرآة الذات الصافية التي تري كل شيء مجسّداً، وبحجمه الطبيعي من دون مبالغات سمجة تخرج عن حدود المألوف والمتعارف عليه. وفي هذا الفصل تحديداً نكتشف روحية الكائن السيري المجبولة علي المبارزة الفارغة، والتحدي الأهوج وللمناسبة يمكن تطبيق هذا الأنموذج علي الجزء الأكبر من العراقيين المعروفين بسقوطهم في فخ الغرور، والمتايسة، والتفرّد، والمنابزة، والاعتداد بالنفس، واستفزاز السامع، وتعييره. وسأكتفي بذكر بعض الشواهد المستلة من متن السيرة. تجاذب الكائن السيري أطراف الحديث مع سيد البيت قائلاً له: لي القابلية لأن أحفظ بسهولة مئة كلمة إنكليزية كل يوم. ص 66. ردَّ صاحب البيت مستغرباً كل يوم؟ بسهولة؟ طاعناً إياه في الصميم. إن منْ يتمعن في الجملة المذكورة سلفاً سيجد أنها فعلاً جملة مزهوّة بنفسها، متغطرسة، ومغرورة، وغير دقيقة إضافة الي ما تتوفر عليه من إهانة للسامع الذي لا يرقي الي هذه القابلية في الحفظ. كما أنها تتضمن تشكيكاً في قدراته العقلية علي التعلّم والاستزادة المعرفية. وأكثر من ذلك فان عبارة كل يوم اليقينية التي جاءت بمثابة دعك الملح في الجرح بحسب توصيف الكاتب تنطوي علي استفزاز كبير للسامع، فضلاً عن نأيها عن الاحتمالات غير المتوقعة. فالكائن السيري يثبت بالدليل القاطع أن الجملة الإنكليزية هي جملة احتمالية، وليست يقينية، كما أنها متواضعة، ومنطقية، وقانونية، ولا تقلل من شأن السامع، ولا تنوي استفزازه أو استثارته، علي العكس من جملنا المتغطرسة التي تشي بالعجرفة، والاعتداد بالنفس، والاستعلاء، والنأي عن الحقائق الدامغة، والرجم بالغيب. قد يتساءل بعض من القرّاء عن مرد هذا الغرور، والتعالي الأهوج؟ أهي البيئة، أم التراث الثقافي، أم النفس المفطورة علي الخيلاء؟ يمكن للقارئ أن يجد الجواب في متن هذه السيرة وتضاعيفها حيث نقرأ ما يقوله الكائن السيري بثقة كبيرة أن الأم العراقية تُرضع طفلها الغرور مع الحليب: أجمل طفل، أفضل طفل في المدرسة، درجاته أعلي الدرجات بين أقرانه، المعلمون يستغربون من ذكائه، جاء بالمرتبة الأولي. بجُمل كهذه تنمَّي الأم في طفلها روحاً ديكية، قوية في المظهر، هشَّة في الداخل، والديك مهما كان تطوّسه أجبنُ من عليها. ص68. هكذا يتشرّب الطفل العراقي بالطموح المرَضَي، ونزعة الاستعلاء، وحب الذات التي تصل إلي أفعل التفضيل في كل شيء، ولا يجد هذا الطفل فكاكاً من أمراضه ومعضلاته النفسية ما لم يدخل الي عيادة الطبيب النفسي كي يبرأ من هذه الأمراض الفتّاكة المعدية. كيف لنا أن نصدّق هذا البيت الشعري الذي يقول فيه الشاعر: إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً / تخر له الجبابرُ صاغرينا ص 172؟. وكيف سيكون شأن الطفل الرضيع نفسياً وهو يسمع بأن الجبابر تخر له صاغرة مذعنة؟ يقترح نيازي أن نُدخِل معظم شعرنا الي عيادة الطبيب النفسي لنحلل شهوة الدم الكامنة فيه، وندرك الدوافع الكامنة وراء نزعة العنف المبثوثة في تضاعيفه كما قال ودّاك بن ثميل المازني إذا ا ستنجدوا لم يسألوا من دعاهم / لأية حرب أم بأي مكان. ثم يتساءل الكاتب في نفسه هل أنا حقاً من أولئك الذين يهبون لأية حرب، وبأي مكان؟ ص72. أو قول الشاعرة خذوني معكم للوغي خذوني / مضمدة لجراحكم حنوناً ص173. لا بد من كشف التناقض الكبير الذي تنطوي عليه الشخصية العراقية قبل أن نزّجها في مصح النقاهة النفسية، والترويض الذهني، وننقذها من هول الأوهام الخطيرة العالقة في عقلها الباطن. وإلا كيف نفسّر هذه الأهزوجة التي أنشدها أسري عراقيون في طهران حيث تقول: يا خميني سير سير / إحنا أبطال التحرير ص 170. يا تري، أيصح أن يكونوا أسري وأبطالا في آنٍ معاً؟
إن ما يعزز أهمية هذه السيرة الذاتية هو أن كاتبها وخالقها المبدع قرر أن يستأصل بالكي غروره، وغطرسته، وأن ينزل من أبراج الذات العاجية، وأن يتخلي عن الكتابات والأشعار التي تمجد الحرب، والسطو في رابعة النهار حتي وإن جاءت هذه السرقة بصيغة أدبية كما في قصيدة له يقول فيها تعاليْ ننهب اللذات / من غفلات دنيانا ص77 حيث يمارس الشاعر عدداً من المخالفات القانونية في بيت شعري مستوحي من مخيلة كاذبة لا ترتكن الي لغة الواقع، ولا تعتمد علي منطق الصدق الفني. النزعة الثقافية وإثارة السؤال الفلسفيلا يجد الكائن السيري حرجاً في الاعتراف بضآلة خزينه الثقافي، وضعف معرفته الأدبية حينما بدأ يدرّس تلميذاً بريطانياً وموظفاً كبيراً في شركة شل في الوقت ذاته أو يراجع معه، علي الأصح، قصائد من الشعر العربي القديم، حيث يصور لنا نيازي قصوره وحرجه أمام هذا التلميذ الذي لا يكف عن إثارة أسئلة كثيرة متواترة دفعت الأستاذ لأن يقول بلا تردد: أرجو إرسال ما تريد أن نقرأه في الأسبوع المقبل لأتوّسع فيه ص95. لم يتوسع السارد في ذكر الأسباب التي جعلت منه هدفاً متحركاً للسلطة الحاكمة في العراق، لكنه اشار بوضوح الي أنه كان شيوعياً. وعلي الرغم من خطورة هذه التهمة في العراق، إلا أن النص السيري يكشف عن سبب أعمق من الانتماء السياسي وهو الكتابة، أو علي الأصح، نشر ما يَكتب في الصحف والمجلات رغم صغر سنه حيث نسمعه يقول: ليتني لم أنشر شيئاً. هل أسلّم نفسي الي الشرطة ولو كان فيه تمزيقي فأرتاح؟ ص114. حسناً فعل نيازي حينما لم يسلّم نفسه الي الشرطة، لأن هاجسه الأول والأخير ليس سياسياً، وهذا شأن كل المبدعين تقريباً، فالهم الثقافي لديهم أعمق وأكبر من الهم السياسي، ولا غرابة في أن ينتصروا في نهاية المطاف لمصلحة الأدب، ويتركوا السياسة للمحتالين أو الكذابين علي وفق المفهوم البريطاني للكلمة. إن هروب الكائن السيري الي منفاه الاختياري لندن ليس مرّده الي السياسة وهمومها وطموحاتها اللامشروعة في كثير من الأحيان، بل الي توالي الأسئلة الفلسفية المؤرقة التي تنبثق في داخله بين أوان وآخر. ما جدوي الكتابة؟ وما جدوي الحياة؟ ولماذا نسعي الي الخلود بمختلف أشكاله؟ ومن المؤكد أن القارئ الحصيف سيجد الجواب الشافي حينما يلتقط ولع نيازي في تعلّم اللغة الإنكليزية التي تحتاج الي صبر وجلد ومثابرة، وحبه للاستزادة من مختلف حقول المعرفة، وأبعد من ذلك ولعه بترويض نفسه علي السلوك الحضاري الذي يعكس توقه الي القيم المدينية والمدنية التي تليق بالإنسان المتعلم والمتحضر الذي يبجل دور التلميذ علي دور الأستاذ رغم أهمية الأخير وحاجتنا له في كل زمان ومكان. يصلح هذا الكتاب أن يكون سيرة ثقافية تكشف عن الجهد الإبداعي والمعرفي لكاتب النص، وبالذات تجربتة الشعرية بدءاً من كابوس في فضة الشمس، ومروراً بـ الهجرة الي الداخل و نحن و المفكر و الصهيل المعلّب و وهم الأسماء وانتهاءً بـ ابن زريق وما شابه والإحالات المفيدة الي الظروف والمناسبات التي حرّضت الشاعر علي كتابة هذه المجموعات الشعرية المدبجة أغلبها بأسلوب قصيدة النثر الحقيقية. يقدّم نيازي بكرمٍ كبير كشفاً بالمؤثرات التي دمغت قصيدته، ووسمتها بميسمٍ خاص. فمصدر الجانب الفجائعي في أغلب نصوصه هو الآلام الجسدية الحسينية. لنتأمل ما قاله في هذا الصدد: إن شعري اصطبغ بصورة عفوية بالآلام الجسدية الشيعية التي لم أعِ مصدرها إلا قبل سنوات. ص 20ـ21. وحمداً لله أن شاعرنا لم يصدّق دعاوي رجال الدين المزيفة بصدد قصور الجنة التي يمنحها الله مكافأة عن كل بيت شعري يكتبه الشاعر في مدح آل البيت مما جنّبه الوقوع في فخ الخزعبلات والقوي الغيبية التي لا تعتمد علي الأدلة والبراهين العلمية الدامغة. كما أشار نيازي الي هيمنة ثيمتي اللقاء والوداع في مجمل تجربته الشعرية حيث يصبح الحزن طابعاً متجذراً فيها، بينما يغدو الفرح طارئاً، وغريباً، وآنياً بسبب طغيان الفقد والخسارات المتلاحقة. لم يسعَ نيازي للشهرة أو لأن يكون أفضل من غيره، لكنه يعترف بالفم الملآن بأنه يطمح لأن يكتب شعراً مقبولاً وصادقاً مع خشيته الأكيدة من كلمة طموح التي قد تفضي الي الاستبداد. تكشف سيرته الثقافية علي تعلقه الشديد بأحمد شوقي، والياس أبي شبكة، وإيليا أبي ماضي، لكنه يعتبر السياب والبياتي ونازك الملائكة شعراء يثيرون الإعجاب، لكنهم لا يمسون جوهر العاطفة الإنسانية في الصميم. يصف نيازي تجربة الكتابة الشعرية بـ الطلَق والانتهاء من كتابة القصيدة يشبه تماماً تخليص الجنين من رحم الأم حيث يفضي الألم الشديد الي سعادة لا تعرفها إلا الأم التي تحتضن مولودها أول مرة.
كما تتوفر السيرة علي إحالة مهمة الي أطروحة الدكتوراه التي كتبها عن الشاعر الإحسائي البحريني علي بن المقرّب العيوني. ورغم شحة المعلومات عن طبيعة هذه الأطروحة إلا أنها لا تهمل التحقيق في جانب من شعره، وكتابة دراسة نقدية معمقة بالإنكليزية عنه، مع هضم للمعلومات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للحقبة التي عاشها الشاعر. تتوقف السيرة عند الترجمة كفن ساعده في هضم اللغة الإنكليزية، وكجزء من تواضعه المعروف بعد أن تخلص من آفة الغرور والتباهي بالغطرسة المعرفية فإنه لا يدعي بأنه مترجم محترف علي الرغم من ترجمته لـ هاملت و ماكبث لشكسبير، و يوليسيس لجيمس جويس و ابن المستر ونزلو لترانس راتيكان، و العاصمة القديمة لكواباتا، ولكنه يشير من طرف غير خفي الي أن الترجمة محك لفهم اللغتين في آنٍ معاً، اللغة المترجم منها، والمترجم إليها. لا بد أن نشير في خاتمة هذه الدراسة النقدية المتواضعة الي أن الكائن السيري قد عقد مقارنة ذكية، تستحق بحثاً منفرداً، عن أهمية التكرار اللفظي في الشعر السومري الذي يهدف الي شد انتباه السامع، وتشويقه، وزيادة تأمله في بعض المقاطع مستفيداً من لحظات التأزم التي يواجهها المتلقي بواسطة البناء المعكوس للصورة الشعرية التي تستنفر الحواس كلها، وتجبر السامع علي الإصغاء الكلي الذي يشبه توّحد الصوفي مع متن النص المسموع. تكشف السيرة في نهايتها عن حيرة الكاتب التي اعتبَرها ميراثه الأول والأخير، هذه الحيرة التي أخذت تستفحل وتتفاقم كل يوم من دون أن يُدرك جوهرها، وسرّها الأزلي.
كاتب من العراق