بغداد ـ «القدس العربي»: مع ارتفاع درجات الحرارة في محافظة البصرة، أقصى جنوب العراق، بدأ السخط الشعبي من سوء الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي، وانعدام فرص العمل بالتفاقم، حتى وصل إلى محاولة جموع المحتجين اقتحام الدوائر الرسمية والمنازل التابعة للمسؤولين المحليين في المحافظة، الأمر الذي يُنذر بانفجار الوضع في هذه المدينة الغنيّة بالنفط.
ونظراً لارتفاع درجات الحرارة، دأب المحتجون على الخروج بتظاهرات مسائية «يومية» في مدينة البصرة، للتنديد بتردي الواقع الخدمي، إذ نظّم العشرات، مساء أول من أمس، اعتصاماً بالقرب من مبنى الحكومة المحلية في منطقة المعقل، ليتجه جزء من المتظاهرين بعدها إلى منزل رئيس مجلس محافظة البصرة، صباح البزوني، وعلى أثر ذلك اتخذت القوات الأمنية إجراءات مشددة وسيطرت على تطور الأحداث هناك.
ووفقاً لمصادر متطابقة (صحافية، وشهود عيان) فإن عدداً من المتظاهرين أصيبوا، في شارع الوطن في محافظة البصرة بعد محاولتهم التوجه صوب دار استراحة المحافظ، وإن القوات الأمنية منعتهم من الوصول إلى دار المحافظ أسعد العيداني.
وطبقاً للمصادر ذاتها، فإن القوات الأمنية في البصرة فرقت متظاهرين في منطقة العشار وسط المحافظة، وذلك باستخدام الغاز المسيل للدموع، واعتقال عددٍ منهم.
ارتفاع درجات الحرارة لم يقف بوجه المتظاهرين في ناحية خور الزبير (جنوب غرب البصرة)، الذي نظّموا اعتصاما قالوا بأنه سيكون مفتوحاً أمام مدخل «ميناء خور الزبير»، فيما هددوا بقطع الطريق المؤدي إلى الميناء في حال لم تنفذ مطالبهم بتوفير فرص عمل للشباب العاطلين وتقديم الخدمات التي تحتاجها الناحية.
وبعد بضع ساعات، أعلن منسق اعتصام وتظاهرات أبناء خور الزبير، علي المهنا، في تصريح أورده موقع «المربد البصري»، توصل المعتصمين أمام مدخل ميناء خور الزبير إلى اتفاق مع إدارة الميناء على تشغيل الباحثين عن العمل وتوفير فرص للشباب في الشركات العاملة في الميناء مقابل وقف التصعيد والاعتصام.
إيقاف الاعتصام
وأضاف: «هذا الاتفاق، جرى خلال اجتماع عقد، صباح اليوم (أمس)، بين تنسيقيات تظاهرة واعتصام خور الزبير وإدارة الميناء، بحضور القوات الأمنية، حيث خلص الاجتماع إلى إيقاف الاعتصام والتصعيد الذي يعتزم المتظاهرون تنفيذه مقابل تحقيق مطالبهم».
محافظ البصرة، ورئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة، أسعد العيداني، أكد أن «أغلب تنسيقيات التظاهرات، ترفض ما جرى من تحول مسار التظاهرات إلى منزل رئيس مجلس المحافظة صباح البزوني»، معتبراً ذلك «ظاهرة غير صحية بحق المتظاهرين».
وقال إن «الفئة من المتظاهرين الذين توجهوا إلى المنازل من الممكن أن تسيء إلى سمعة المتظاهرين الذي طالبوا بحقوق البصرة»، مضيفا أن «لدى الحكومة المحلية تواصل مع تنسيقيات التظاهرات التي طالبت بحقوق البصرة المشروعة، وبالتالي، فإن تلك التنسيقيات وكذلك المواطن ولا الجهات المعنية بحقوق الإنسان، جميعها لا تقبل بأن يكون أحد ما فوضوي في المدينة».
وشدد على أهمية أن «يسلك القائمون على التظاهرات السبل القانونية من أجل تنظيم أي تظاهرة سلمية تطالب بالحقوق أو أي موضوع آخر، وذلك بالتنسيق مع القوات الأمنية»، معتبراً أن «أي تحرك خلاف ذلك يعتبر خروج عن القانون، ووجهنا قيادة العمليات بالعمل على تلك التوجيهات».
وتابع: «على القوات الأمنية، أن تأخذ دورها الطبيعي في حماية المتظاهرين السلميين ومنع كل من يريد أن يعيث فساداً بالمدينة»، مشيراً إلى إن «على من يريد أن ينظم أي احتجاج أو تظاهرة أن يعرّف بنفسه أولاً لغرض المطالبة بحق التظاهر لموضوع معين، وفي المقابل على القوات الأمنية أن تحدد له المكان المناسب للتظاهر وتأمين الحماية اللازمة، وغير ذلك يندرج ضمن الخروج عن القانون».
ويأتي تصريح العيداني متزامناً مع إعلان قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فليح، حصول الموافقات باعتقال العناصر التي تستهدف الدور السكنية.
وقال في بيان: «تم حصول الموافقات القضائية بإلقاء القبض على العناصر التي تستهدف الدور السكنية للمواطنين بمن فيهم المسؤولون، لإبعاد المدفوعين لهذا الاتجاه عن المتظاهرين السلميين».
مفوضية حقوق الإنسان تطالب بحماية الحقوق المدنية وحرية التعبير في العراق
في حين، أكدت قيادة عمليات البصرة، ضرورة استحصال الموافقات الأصولية بخصوص التظاهرات، فيما أشارت إلى أن التظاهر والمطالبة بالحقوق حق مشروع كفله الدستور.
وأكدت في بيان «على أوامرها السابقة في استحصال الموافقات الأصولية بخصوص التظاهرات وتقديم طلب رسمي عن طريق مكتب المحافظ باعتباره رئيس الجنة الأمنية العليا في محافظة البصرة، وذلك خوفا على أبناء المحافظة من المندسين والمخربين، وكذلك الحفاظ على البنى التحتية للمحافظة».
وأضافت «يجب أن تكون هناك جهة معرفة للتظاهرات والقائمين عليها ويجب تحمل المسؤولية من قبلهم إتجاه أبناء مدينتهم وإخوانهم والوقوف مع القوات الأمنية في حفظ الأمن والاستقرار»، موضّحة أن «التظاهر والمطالبة بالحقوق حق مشروع كفله الدستور».
ومع تصاعدّ حدّة الحراك الاحتجاجي في البصرة، طالبت المفوضية العليا لحقوق الانسان (خاضعة لرقابة البرلمان)، القوات الأمنية والحكومة المحلية بتوفير الحماية للمتظاهرين في المحافظة، داعية إلى الحفاظ على سلمية التظاهرات.
وقال عضو اللجنة علي اكرم البياتي في بيان، إن «مفوضية حقوق الإنسان تدعو الحكومة المحلية والأجهزة الامنية في محافظة البصرة إلى مراعاة حقوق الإنسان والتزامات العراق الدولية ومبادئ الدستور العراقي في حماية الحقوق المدنية والسياسية وحرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي».
ودعا الأجهزة الاستخباراتية إلى «أخذ الحيطة والحذر من دخول المندسين (كما يثار كل مرة) والحفاظ على سلمية التظاهرات وسلامة المتظاهرين من خلال التنسيق المباشر مع اللجان التنسيقية المشرفة على التظاهرات».
سياسياً، أكد عضو حزب المؤتمر الوطني العراقي، محمد الموسوي، أن التظاهرات العفوية في الجنوب لا سيما في محافظة البصرة عرضة للاستغلال السياسي، عازيا ذلك إلى غياب المركزية وتشعب المطالب على أحقيتها وشذوذ البعض عن سلمية التظاهر.
وذكر في بيان له، بأن «التظاهرات العفوية في الجنوب لا سيما بمحافظة البصرة عرضة للإستغلال السياسي من قبل جهات تسعى لتمرير تصفياتها السياسية ورسائلها الشخصية على حساب المتظاهرين».
وأوضح أن «غياب المركزية وتشعب المطالب على أحقيتها وشذوذ البعض عن سلمية التظاهر، أسباب جعلت من التظاهرات والمطالبات الشعبية العفوية في الجنوب ولا سيما في محافظة البصرة عرضة للإستغلال السياسي».
وأشار إلى أن «جهات سياسية، سبق وأن اكتوى أبناء البصرة بفساد ممثليها، تحاول تمرير تصفياتها السياسية ورسائلها الشخصية على حساب المتظاهرين، حتى وإن أدى ذلك لسقوط ضحايا، وهذا عين الاستخفاف بالمطالب والدماء».
التحوّل إلى إقليم
وكردّة فعل لامتصاص غضب الشارع البصري، أعلن رئيس مجلس البصرة صباح البزوني، أمس الأحد، تحويل طلب المحافظة إلى إقليم من رئاسة مجلس الوزراء إلى الأمانة العامة للمجلس، مشيراً الى أن البصرة ستحصل على مبتغاها ولا تنتظر «عطف أحد».
وأشار في بيان، إلى أن «الحكومة الاتحادية والمحافظات الوسطى، وكل من لديه نفس مركزي، لا تريد إقامة اقليم البصرة»، مبينا أن «الأمور القانونية بطلب التحويل تجري وفق السياق القانوني».
وأوضح أن «هناك متابعة للخطوات الخاصة بتحويل المحافظة الى اقليم، والبصرة ستحصل على مبتغاها بهذا الشأن في هذه الفترة أو المقبلة». وأضاف: «لا ننتظر من أحد يعطف علينا، سيما بعد أن قام مكتب رئيس الوزراء بإرسال طلب المجلس إلى أمانة مجلس الوزراء لغرض النظر به».
إلى ذلك، أضرم متظاهرون غاضبون، أمس الأحد، النيران في مبنى الإدارة المحلية لقضاء الإصلاح في محافظة ذي قار جنوبي البلاد، احتجاجا على تردي الخدمات والفساد وسوء الإدارة.
وقال الملازم أول حاكم الأسدي، ضمن قيادة عمليات الرافدين، إن «المئات من المتظاهرين اقتحموا مبنى المجلس المحلي لقضاء الإصلاح شرقي محافظة ذي قار (جنوب) وأضرموا النيران في المبنى».
وأوضح أن «مسؤولي المجلس المحلي، تمكنوا من الخروج من المبنى بمساعدة قوات الأمن، قبل اقتحام المتظاهرين للمبنى».
ويتهم المتظاهرون، مسؤولي الإدارات المحلية في محافظاتهم، بالفساد وسوء الإدارة وعدم قدرتها على استحداث فرص عمل.
كذلك، سجلت بعض محافظات جنوب البلاد، احتجاجات شعبية ضد تجدد أزمة الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة التي قاربت الـ50 درجة مئوية.
ويحتاج العراق إلى أكثر من 23 ألف ميغاواط/ ساعة من الطاقة الكهربائية، لتلبية احتياجات السكان والمؤسسات من دون انقطاع، بينما الإنتاج الحالي عند 18 ألفاً.