من المميزات البارزة للسياسة الامريكية الخارجية على اختلاف أجيالها النظر الى الاجراءات السياسية والاستراتيجية المصيرية من خلال منظار شخصي. فعلى سبيل المثال كان يوجد في أساس تفكير وسياسة الرئيس جون كنيدي في خلال ازمة الصواريخ الكوبية في تشرين الاول 1962، الغضب وخيبة الأمل لأن زعيم الاتحاد السوفييتي نكيتا خروتشوف ضلله. وشعر الرئيس جيمي كارتر ايضا بالاهانة الشديدة بسبب حقيقة أن ليونيد بريجنيف فاجأه بهجوم دبره على افغانستان في كانون الاول 1979، واشتُقت اجراءاته الصارمة في مواجهة «امبراطورية الشر» السوفييتية من الشعور بالاهانة ذاك بقدر كبير.
في حالة ازمة الصواريخ ولّد ذلك الغضب الرئاسي سياسة أولية متطرفة كان يمكن أن تفضي – لولا أن كنيدي وزن الامور وزنا آخر – الى تصعيد غير مراقب أو ربما الى كارثة هائلة. وكان رد كارتر في قضية اجتياح افغانستان ايضا مبالغا فيه وغير تناسبي، هذا الى أن الكرملين أبلغ واشنطن من البداية أنه ينوي الاجتياح وأوضح بصورة صريحة اسبابه وبواعثه.
نحن موجودون اليوم ايضا في ذروة ازمة بين واشنطن والقدس تنبعث بقدر كبير من غضب وزير الخارجية جون كيري وخيبة أمله بسبب طريقة نظر اسرائيل الى مبادرته في اثناء عملية الجرف الصامد (وبسبب فشل جهوده في الافضاء الى تمهيد طريق للتفاوض بالطبع). لكن مع كل التفهم سيكون من الخطأ اذا أفضى الشعور الغالب بالاهانة ونكران الجميل في ظاهر الامر الذي يشعر به كيري و»كل رجال الرئيس»، الى التحصن في مواقعهم بدل أن يزنوها وزنا آخر بازاء عدم قدرتها على تحريك أية اجراءات تسوية. لأنه، فيما يتعلق بمحاولة الوساطة الامريكية الفاشلة في عملية الجرف الصامد، على الأقل، لا شك في أنها أشارت الى انقطاع مطلق عن جملة الاهداف الاستراتيجية الاقليمية التي رفعت الادارة الامريكية نفسها رايتها حينما دخلت الى البيت الابيض في كانون الثاني 2009.
اليوم خاصة وقد فُتحت نافذة فرص للتقدم الى تحقيق هذه الاهداف التي في مركزها تشكيل معسكر سني معتدل في سُرته مصر السيسي، يتضح أن العامل الرئيس يتجهم لأرض النيل ويفضل بدل ذلك أن يجعل معظم اعتماده على علاقة حركة حماس المريبة وفي مقدمتها قطر، وقد كان ذلك أساس القطيعة الشديدة التي نشأت بين موجهي الدبلوماسية الامريكية واسرائيل، وأضيف الى ذلك ايضا الغضب المنافق للحائز على جائزة نوبل للسلام اوباما الذي انتقد عددا من الاحداث التي صاحبت نهاية عملية الجرف الصامد برغم أن سلوكه في ميادين القتال في العراق لم يتميز بالنباتية أو بالحساسية الزائدة بحقوق الانسان وحياته.
مهما تكن قوة الغضب فانه مع عدم وجود قاعدة مناسبة لدعم عام لضغط قوي على اسرائيل من قبل الادارة، وبسبب مقدار الدعم الداخلي المتين لعملية الجرف الصامد، يصعب أن نتوقع أن تترجم هذه العلاقات العكرة الى اجراءات فرض وعقاب بالفعل. وقد أظهر اوباما الى الآن على الاقل حساسية مفرطة بموقف مجلس النواب الامريكي الداعم لاسرائيل، ويشير قراره على تحوي ميزانية طواريء اخرى لمنظومة القبة الحديدية الى الفرق بين الصعيد الخطابي – المناويء والصعيد العملي. إن مجال مداورة الادارة الامريكية محدود وضيق بسبب طائفة كبيرة من التعويقات والضرورات الداخلية ولا سيما أنه أخذت تبدو في الأفق بداية نهايتها السياسية.
اسرائيل اليوم 10/8/2014
إبراهام بن تسفي