«غلاصم السمكة» وعوالم سركون بولص

اسأل نفسي إن لم يكن الآخرين أيضا هل استطعت أن أفهم سركون بولص، أن أقترب من عالمه وأشعر بالأبنية الفراغية، الأبنية الذرية التي أقامها؟
لن أعود من أجل هذه المقالة لقراءة أعماله كلها مرة أخرى، لأنني سأضيع، وسأعول بدلا من ذلك على الانطباع الحسي والا
نشداه السلبي اللذين أصاباني حين كنت اقرأ أعماله: إن كنت نائما في مركب نوح..وعظمة أخرى…وحياة الأكروبول…والمدينة التي أصبحت عن حق ويقين مدينة أين.
بنى سركون بولص عالمه الفني وشكّله بطريقة غير مألوفة، تكاد أن تكون عجمة، فيها التخيل الذي لا يكون ولا يحتمل. يسمت بعيدا عن الطريقة العربية في التفكير وفي تركيب المعاني، يرصها معا كي يخرج المتلقي الى نتيجة فيها القلق المربك. فالمواجهة مع القراءة هي مواجهة عكسية سالبة، تحمل أحيانا القارئ أن ينتحي عكس التيار الذي في مقاطع من القصيدة يتداخل ويندفع، تيار له وجه مستقل فقد تاريخه وماضيه وراح يسمو بإشعاع الحاضر حتى لو كان النشيد هو نشيد ذكرى يغني الماضي ويحن الى الشرق الغائب الذي كان يوما ما مؤتملا ممكنا.
ولم يستخدم الطريقة اللغوية في الوصول الى ما وصل إليه كما فعل الروائي الشاعر سليم بركات، ليست اللغة بل كيانها وأبعادها التخيلية وطيفها، لا ثمة نحت ولا استيلاد، كانت الصور المهجنة تتكلم أكثر من لغة، وترقص أكثر من حركة، وهي التي تعوج قضبان القصيدة وتميع العالم في تراكيب وصياغات غير مسبوقة.
كنت في أحيان من القراءة اتساءل إن كان قد نجح بالفعل في انتقائه لمجرى القصيدة، وفي الطواف في نهرها يمشهد الرؤى والانفعالات، ماجعلني أعود إلى القصائد السهلة المباشرة فأجد فيها شاعرا مليئا بالطاقة والقدرة التي تقبض على الظاهر وتتمثله بينما يغيب العمق الذي يفور بالحرارة والتصادم.
«صوامع تنهار بنُسّاكها الملتحين إلى الهاوية،
وفي الشارع يعبر الحمّال وعلى ظهره آثاث بيت:
سجادة كاشان، طابعة عربية، ستائر مخملية، هرمُ من الكراسي.
في غدير الصباح أحرّكُ سراً أخضر، مثل ضفدع، باصبعي،
أكتب كلمة واحدة في دفتري، وأغلقه
حركة تكفي
لكي تتغير الدنيا»
تعمل القصيدة عند سركون بولص على العوالم المتعددة المستقلة، تصل القصيدة فيما بينهما بطريقة مقطعة، طريقة الفجوات. تتراصف جانب بعضها البعض تحث القارئ المهتم لمغامرة الربط والتبرير وبالتالي خلقه لعوالم جديدة لا منطق مباشر فيها وهنا تفتح هذه الطريقة بابا بل بوابات من رموز قد تمتد وتتغير لتفسر بأكثر من تفسير واحد.
في قصيدة المظروف مثلا يفتتح الشاعر القصيدة حين يسأله أحدهم عن قصة المظروف على المائدة: ما هي القصة، ماهي قصة المظروف فوق المائدة؟ وثمة جملة شعرية تقتحم عالم القصيدة وهي «تقطـُّراتُ الشحم المائع / من ذكرى جثة الغائب، صنارة الصياد/ في غلاصم السمكة- ماهي القصة» وهي قصيدة مرض الشاعر، يصف فيها نزهته وتأمله في مقهى يطل على البحر ويمر أمامه من وقت الى آخر عجوز صياد وامرأة وكلبها ونوارس تحظى بسمكة، ثم يقول خاتما القصيدة «أشرب بيرتي على مهلي، ثم أمضي / في سبيلي. لن أعرف أبدا ماهي القصة. لن أفتح المظروف» لكن ماهو الرمز أو الطلسم بالأحرى الذي دفعه الشاعر إلى قلب القصيدة حين حكى ذكرى جثة الغائب وصنارة الصياد في غلاصم السمكة وكلها هي تقطرات للشحم المائع؟
هناك بالتأكيد توافقات والتحامات هارمونية في النص تعزفان لحنا واحدا لكن بأثقال مختلفة ترمي الحجر الصغير يتبعها الكبير الصارخ وتهوي العوالم متواترة متناسقة في أطياف هيئتها دنيوية وأساسها إحساس بالإلهي المتخفي الذي به يندفع الحجر، وبيد من سراب يحسه الشاعر، ويشي بهذا الدفع واللعب التسليمُ الفني الذي يغلق العالم على السؤال الأول، عن تكوين آخر ونشأة أوسع، تصف الحال وشموليته باللقطات السريعة المجتزأة والتي تخلف إن وقف عندها القارئ سؤل المعنى الشعري، كأن يدعها مستقلة من دون رابط، كما تدرك للوهلة الأولى، كأن اللقطات أشلاءٌ أخرى من قصيدة ضائعة.
يحسن أن يقال إذن إن قصيدته هي ظاهرة تجميع لاشلاء ضائعة من ذكرى الهجرة، وذكرى الوطن الذي أين هو. في كل قصيدة وكل شذرة، في ظاهرها هيام مشتت مقرور حزين، ولما لا، فأمريكا هي موطن حين يعيش الإنسان الشاعر فيه، سيعيش وراء الأرض وجانب الزمن لا يدخلهما ولا ينعم بالحياة فيهما، يرى العالم يتسرب أمام عينيه.
في ظني وهذا شديد الإحتمال أن الذي أوصل صوت سركون بولص إلى العالم العربي هو بداياته المبكرة، وتواصله مع أصدقاء مازالوا حتى الآن محتملين مقروئين ومن خلالهم علا صوته ووصل إلى أزمنة القارئ العربي الذي أمسى قارئا متبرما، اعتاد أن يلتقي بسركون بولص ويسمعه كيف يتكلم عن شعره من دون أن يحس بما يقوله في القصائد. تندر القراءة النقدية الجادة والتي تدخل في أعماق القصيدة وتفسر عوالمها وتحلل اطيافها الزيغية المصابة بالشلل الذكي الذي يفهم لكن لا يقول، ويعرف لكن لا يفعل.
هناك شبه خوف من الولوج الى عالم هذا الشاعر، وهو خوف الاستكشاف، الخوف من امتطاء أدة التحليل والتركيب وفك الرموز ثم لمها وتعميرها بطريقة توضح عالمه وحساسيته وتخيله. ماكتب عنه حتى الآن – ولم اقرأ جميع ماكتب، ربما أكون مخطئا متحاملا في هذه الزمرة من النتائج والأفكار، لا يفي بحق الأدب ولا يحرك مسار عجلته شبه المتوقفة. لقد كتب مثلا عن شعراء تطوف قواربهم في بحيرات هادئة رومانسية قديمة المبنى، قديمة المجرى، ماجعل الكتابة تكرر نفسها وتعيد بأنفاس ميتة أفكارا ورؤى يتزايد من يهلل لها ويقرع الصنوج ويعلو من موسيقاها الى الحد الذي يجعل المرء يهجر الفن وينعى زمنه.
«تقطرات الشحم المائع من ذكرى جثة الغائب، صنارة الصياد في غلاصم السمكة» في هذا البيت والذي أعتبره جملة شعرية قائمة بذاتها وقد أدخلها الشاعر عنوة في القصيدة، يكمن سر القصيدة. الانطباع الأول السريع عنها هو أن الشاعر يتكلم عن نفسه وعن محنته وإن اعتبرنا الأمر كذلك فسيتحول هذا البيت، بعد قراءة متفحصة للقصيدة، الذي بدا لنا أنه أدخل عنوة، الى مفتاح كلي للقصيدة، الى ماتحمله الرسالة (المظروف) التي لم يفتحها الشاعر ولم يعلن عنها وبقيت على المائدة، ليست الطاولة بل المائدة! لأنه سمكة. «تقطرات الشحم من ذكرى جثة الغائب» إعلان عن الموت وهو موت قديم وأمسى جثة وذكرى، ومازال جالسا عند الشاطئ يرنوا الى رجل صياد وامرأة وكلبها ثم البحر ونوارسه التي تحظى بسمكة. لن أعرف ماهي القصة، يقول، ثم يشرب البيرة ويمضي. يمضي من الحياة بعد أن رآها تتوهج.
هذه القصيدة «المظروف» قصيدة تحمل بعدا رمزيا واحدا يتداخل ويحرك العالم الى أشباح حيث يتلعثم الزمن ولا يعود انسيابيا. كما هي عادة سركون في معظم قصائده، قصائد لا علاقة لها بالحداثة ولا بالهلوسة التي سادت أوائل جيل الهيبين ممثلة بجينسبرغ وكيرواك بقدر ما لها علائق بالمعنى العام للأدب في الوقت الذي يغلب فيه المعنى العقلي على المعنى النفسي ويكاد يقترب الواحد منهما من الآخر حتى تنتهي المسافة كي تصبح عاملا جديدا ليست فيها امكنة ولا ازمنة بالمعنى السائد بل مشاعر فيها احتمالات الفوضى والرؤى تحمل من القوة أن تنفجر بضالة الكلمة واللغة حتى تنتهي الى صور كونية في عالم صغير امتلكه الشاعر. وكل اقترابه من أدباء مشهورين عربا أم غربيين لم يجعله واحدا من المتأثرين بهم أو الناقلين عنهم، كانوا بالنسبة اليه آباء محتملين. لم تكن قصيدته مدفوعة بحرارة غضب أو بنشأة الضد وليست رد فعل بل هي ظل حقيقي للأدب.
٭ كاتب سوري يقيم في امريكا

حسين سليمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية