من معاهدتي سيفر ولوزان إلى الاتفاقيات البحرية الحديثة بالمتوسط
إسطنبول-“القدس العربي”: عقب سنوات من الحراك الدبلوماسي المتصاعد، وأشهر من الاتفاقيات المتبادلة، وأسابيع من التحشيد العسكري، وصل التوتر العسكري بين الأطراف المتنازعة شرقي البحر المتوسط إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وبات شبح المواجهة العسكرية خطراً قائماً بقوة لا يمكن استبعاده رغم تأكيد كافة الأطراف على عدم رغبتها في المواجهة وحل الأزمة عبر الطرق الدبلوماسية التي فشلت حتى الآن في خفض التصعيد.
تصاعد الخلاف تدريجياً مع اكتشاف مخزون هائل من الغاز الطبيعي شرقي البحر المتوسط، ما دفع كافة الأطراف للتحرك وجرى تشكيل تحالف شرق المتوسط الذي استثنى تركيا ما دفعها لتوقيع اتفاق مع حكومة الوفاق الليبية على تقاسم مناطق النفوذ البحري لقطع الطريق على مخططات التحالف المعادي لها، قبل أن ترد اليونان ومصر عليه باتفاق آخر ما أشعل الصراع ودفع تركيا لإرسال سفينة التنقيب “أوروتش رئيس” لمناطق متنازع عليها بحماية عسكرية كبيرة، ما جعل من إمكانية الصدام العسكري احتمالاً قائماً وبقوة.
لكن الصراع وعلى الرغم من اتخاذه طابعاً اقتصادياً يتعلق بالغاز، إلا أنه يتعلق بأبعاد سياسية وعسكرية استراتيجية أكبر وأخطر، حيث تقول تركيا إن تحالفا معاديا لها يسعى لحبسها في ساحل ضيق وحصارها بحرياً عبر منح شرق المتوسط بالكامل إلى اليونان التي تتذرع بالجرف القاري لجزرتها المتناثرة على طول وعرض البحر المتوسط، في مشهد يصفه مسؤولون أتراك بما جرى من خلال اتفاقية سيفر قبل 100 عام.
الصراع على الغاز
منذ نحو عقدين، بدأت تدريجياً تتكشف ثروات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، وتشير تقديرات ومنها هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية وبعض شركات التنقيب إلى أن المنطقة تتمتع بمخزون هائل من الثروات، وسط تقديرات بأنها تحتوي على أكثر من 120 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وقرابة 2 مليار برميل من احتياطات النفط.
ومن أبرز الاكتشافات حتى الآن، حقل “ظهر” قبالة السواحل المصرية الذي يحتوي على احتياطات تقدر بـ30 تريليون قدم مكعب من الغاز، وحقل “لوثيان” قبالة مدينة حيفا وتقدر احتياطاته أيضاً بنحو 18 تريليون قدم مكعب، وحقل “تامار” الذي يتوسط الحدود البحرية لعدد من الدول منها إسرائيل وسوريا ولبنان واليونان وقبرص، بالإضافة إلى حقل “أفروديت” الذي يقع قبالة قبرص ويحتوي على احتياطي يقدر بنحو ثمانية تريليونات قدم مكعب.
هذه الاكتشافات الهائلة فتحت شهية جميع الدول المطلة على البحر المتوسط من أجل العمل على ترسيم الحدود البحرية غير المرسومة منذ عقود وذلك من أجل الفصل بين المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة والاستفادة من الثروات الموجودة في تلك المناطق.
اتفاقيات متتالية
ومن أجل الحصول على أكبر حصة ممكنة من ثروات المتوسط، سارعت الدول المطلة على البحر من أجل التوقيع على اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية فيما بينهما، وكان أبرزها توقيع ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل وقبرص اليونانية عام 2010 ولاحقاً اتفقت مصر وقبرص اليونانية عام 2013 على ترسيم الحدود البحرية بينهما وهي الاتفاقيات التي رفضتها تركيا تباعاً واعتبرتها بحكم “العدم”.
وتدريجياً تعززت العلاقات بين أبرز دول حوض البحر المتوسط باستثناء تركيا، وعقب تقارب كبير جرى تشكيل “منتدى شرق المتوسط” عام 2019 والذي ضم اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، وبات هناك بمثابة تحالف لغاز شرق المتوسط يستثني تركيا التي وجدت نفسها معزولة وعاجزة وهي ترى تحالف شرق المتوسط يتقاسم ثرواته والتخطيط لبناء أنبوب لتصدير الغاز إلى أوروبا.
وأطلق الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على تحالف شرق المتوسط اسم “تحالف الشر” وتوعدت وزارة الخارجية في أحد بياناتها بأن تركيا “قادرة على تدمير محور الشر المشكل ضدها في شرق المتوسط” واستعرضت أنقرة مراراً قواتها العسكرية البحرية والجوية في شرق المتوسط عبر مناورات حربية متتالية في الأشهر الأخيرة.
تركيا تقلب الطاولة
عقب تفكير عميق في كافة الخيارات المتاحة لوضع حد لمساعي عزلها في شرق المتوسط، وبشكل مفاجئ، وقعت تركيا نهاية العام الماضي على اتفاق للتعاون العسكري والبحري مع الحكومة الليبية الشرعية في طرابلس، وشمل الاتفاق ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا، وبموجب الاتفاق قدمت تركيا الدعم العسكري الذي مكن حكومة الوفاق من قلب موازين القوى العسكرية وطرد ميليشيات حفتر من طرابلس ومحيطها وصولاً لحدود سرت والجفرة التي تستعد لمهاجمتها في حال تعذرت المفاوضات لتسليمها من دون قتال.
هذا الاتفاق، مكن تركيا من العودة بقوة إلى شرق المتوسط ونشر سفنها الحربية واستعراض قوتها في شرق المتوسط وصولاً للسواحل الليبية، لكن الأهم كان رسم خط أحمر من السواحل التركية وحتى السواحل الليبية ينص على أنه لا يمكن لمنتدى غاز شرق المتوسط والتحالف المضاد لتركيا أن يبني مشروع أنابيب غاز إلى أوروبا بدون المرور من الجرف التركي، وبالتالي يتوجب على هذه الدول الحصول على موافقة تركية، الأمر الذي يعطل مشاريع استثناء تركيا كافة، كما أن عدم قدرة دول حوض المتوسط على تصدير الغاز المكتشف والمستخرج إلى أوروبا يفقده قيمته.
الرد على هذا الاتفاق لم يتأخر، حيث وقعت اليونان وإيطاليا على اتفاق لترسيم الحدود البحرية بينهما قبل أسابيع، لكن الاتفاق الأهم وقعته اليونان مع مصر لترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، وهو يعتبر بمثابة محاولة لضرب الاتفاق التركي الليبي، حيث قالت تركيا إن مناطق واقعة ضمن الاتفاق هي من ضمن الجرف القاري التركي والليبي ومناطق الاتفاق الأخير، وهو ما فتح الباب أمام توتر عسكري غير مسبوق في شرق المتوسط.
استحضار التاريخ
فقبل 100 عام، فرضت على الدولة العثمانية اتفاقية سيفر التي وصفت بالمجحفة، وكانت تنص على عدم منح تركيا أي حقوق في شرق المتوسط وتسليم جانب من أراضيها الحالية لدول الجوار وبينها اليونان، لكن المقاومة التي قادها مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية عام 1923 وخوضه حرب الاستقلال مكنت الأتراك من الدفع نحو توقيع اتفاق لوزان الذي كان أفضل لتركيا بكثير من اتفاق سيفر.
إلا أن هذه الاتفاقيات كانت مفروضة على تركيا من الأطراف المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية المهزومة والدولة الحديثة الضعيفة، وبالتالي ترى تركيا أن الكثير من حقوقها لا سيما فيما يتعلق بالجزر الموجودة في شرق المتوسط سرقت منها ومنحت لإيطاليا قبل أن تتنازل عنها الأخيرة لليونان، وترى بأن لها أحقية تاريخية في هذه الجزر الموجودة على مرمى حجر من السواحل التركية.
وبينما تحاول اليونان وحلفاؤها بالفعل حصار تركيا في سواحلها من خلال تطبيق قانون أعالي البحار على الجزر، يسعى اردوغان إلى منع فرض أمر واقع جديد بالانتفاض تدريجياً على ما تبقى من معاهدتي سيفر ولوزان. وكتبت العديد من الصحف العالمية عناوين من قبيل “اردوغان ينقلب على لوزان” و”تركيا تحاول محو بقايا سيفر” وغيرها من العناوين والمقالات.
وقال اردوغان في تصريح عقب الاتفاق البحري مع ليبيا: “الاتفاق مع ليبيا قلب وضعا فرضته معاهدة سيفر (عام 1920)”. وقبل أيام كتب رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية فخر الدين ألطون: “مثلما قمنا عبر مقاومة مجيدة بتمزيق الدور والقيود المفروضة علينا باتفاقية سيفر قبل 100 عام، نقوم بتمزيق الحدود التي يُسعى لرسمها لنا اليوم في (الوطن الأزرق) الجمهورية التركية قادرة على الدفاع عن حقوقها السيادية مهما كان الثمن”.
الخلاف القانوني
تستند دول حوض المتوسط على “قانون أعالي البحار” المتفاهم عليه عام 1982 في ترسيم حدودها البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة التابعة لها، إلا أن تركيا غير موقعة على هذا القانون الذي لا يتوافق مع مصالحها في شرق المتوسط وتعتبره ذريعة يونانية لابتلاع شرق المتوسط بشكل كامل وثرواته.
ينص “قانون أعالي البحار” على أن الدول الساحلية يحق لها مساحة بعمق 200 ميل بحري في المناطق المقابلة لها لتعتبر بمثابة مناطق اقتصادية خالصة للدول يمكنها التنقيب فيها واستخراج مواردها، وبالتالي تكون بمثابة الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلد.
تعارض تركيا هذا القانون من حيث المبدأ وبشكل قاطع، وتقول إنه يمنح اليونان ابتلاع شرق البحر المتوسط وذلك من خلال الحصول على جرف قاري يعمق 200 ميل بحري لكل جزيرة صغيرة لها من عشرات الجزر الصغيرة المتناثرة شرق المتوسط، وهو ما يعني انحصار الجرف القاري التركي في مساحة محدودة جداً وهو ما تعتبره أنقرة محاولة لمحاصرتها ليس لأهداف اقتصادية فقط وإنما لأهداف سياسية وعسكرية واستراتيجية.
جزيرة ميس
الخلاف الأخير، كان أحد أبرز محاوره الاختلاف على تحديد الجرف القاري لجزيرة صغيرة تبعد مرمى حجر عن الحدود التركية وأكثر من 500 كيلومتر عن اليابس اليوناني لكنها تتبع لليونان عمليا، وبينما تصر تركيا على أن هذه الجزيرة الصغيرة المتاخمة لسواحلها لا يمكن أن يكون لديها جرف قاري كامل يتبع لليونان، تشدد اليونان على أنها جزيرة تابعة لها وتتمتع بالحقوق الكاملة فيما يتعلق بالجرف القاري.
وجزيرة “ميس” بالتركية و”كاستيلوريزو” باليونانية جزيرة صغيرة جداً لا تتعدى مساحتها الاجمالية 10 كيلومترات، والمثير أنها لا تبعد سوى كيلومترين عن السواحل التركية قبالة منطقة كاش في ولاية أنطاليا، بينما تبعد عن أقرب يابس من الأراضي اليونانية 580 كيلومترا، ورغم ذلك تقع تحت السيادة اليونانية بموجب الاتفاقيات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية.
الخلاف على هذه الجزيرة ينطبق على الخلاف الجذري بين تركيا واليونان على أغلب الجزر الصغيرة المنتشرة في بحر مرمرة وشرق المتوسط والتي تصر اليونان على أنها تتمتع بحقوق الجرف القاري لأي دولة في العالم، بينما تصر تركيا على أن ذلك مخالف للقوانين الدولية وأن الجزيرة الصغيرة لا تنطبق عليها أحكام الدول أو الجزر الكبرى، وتعتبر أن اليونان ومن خلال الجزر الصغيرة المتناثرة في البحر تسعى لوضع يدها على كامل الموار وحصار تركيا في شريط ضيق ملاصق لسواحلها رغم أنها من أكثر الدول التي تطل على بحر مرمرة والمتوسط.
وجاء في بيان لوزارة الخارجية التركية: “تسند اليونان مزاعمها هذه على وجود جزر بعيدة عن برها الرئيسي على رأسها جزيرة ميس (كاستيلوريزو) فمزاعم اليونان حول الجرف القاري تتعارض مع القانون الدولي وقرارات المحاكم” مؤكدة على أن “خلق جزيرة مساحتها 10 كيلومترات وتبعد عن تركيا كيلومترين وعن البر الرئيسي اليوناني 580 كيلومترا، لجرف قاري بمساحة 40 ألف كيلومتر، لا يعتبر طرحا مناسبًا للعقل والقانون الدولي”.
هواجس الصدام العسكري
نهاية الشهر الماضي، وبينما كانت سفينة “أوروتش رئيس” التركية للتنقيب تستعد للتحرك إلى محيط جزيرة ميس للبدء في مهمة تنقيب جديدة، حشدت اليونان قواتها البحرية في المنطقة، إلا أن تدخل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أدى إلى التوصل لاتفاق ينص على تأجيل مهمة التنقيب التركية وقبول اليونان بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، هذا الاتفاق وصفته الصحافة الألمانية بأنه “منع مواجهة عسكرية حتمية كانت على وشك الوقوع بين القوات البحرية التركية واليونانية”.
لكن وفور توقيع الاتفاق البحري بين مصر واليونان، أعلن اردوغان يوم الجمعة الماضي أن اليونان خرقت الاتفاق وتهربت من استحقاقاتها معلناً تحريك سفينة أوروتش رئيس إلى مهمتها، وذلك قبل أن تعلن القوات البحرية التركية إنذار “نافتكس” البحري، وتبحر سفينة “أوروتش رئيس” إلى مناطق متنازع عليها شرق المتوسط بحماية 5 سفن حربية تركية وطائرات حربية في استعراض عسكري غير مسبوق.
ومنذ بدء السفينة التركية مهمة التنقيب الموكلة لها في شرق المتوسط، يتواصل التوتر العسكري بين تركيا اليونان وسط حضور مكثف للقوات البحرية والجوية للبدين والخشية من حصول احتكاك عسكري في أي لحظة يمكن أن يؤدي لمواجهة عسكرية كارثية في المنطقة.
وفي هذا الإطار، أعلن اردوغان في كلمة له الخميس أن تركيا حذرت الجميع من محاولة الاقتراب من سفينة التنقيب التركية، قائلاً: “قلنا لهم إياكم أن تهاجموا سفينة أوروتش رئيس، في حال هاجمتموها ستدفعون الثمن باهظاً.. واليوم حصلوا على أول رد” وهو ما اعتبر بمثابة إعلان غامض عن حصول احتكاك عسكري بين البلدين لم تعلن تفاصيله بعد.