‘اعلان تركيا في 26 ايلول 2013 عن فوز الشركة الصينية CPMIEC بالعطاء لشراء منظومات دفاع جوية للمدى البعيد جاء بمفاجأة لا بأس بها لدى شركائها في حلف الناتو (وان كان قبل ذلك بعض الشائعات بان هكذا سيكون القرار)، وباحتجاج كبير. فقد تغلبت الشركة الصينية على اقتراحات شركات أمريكية (منتجة منظومات الباتريوت)، شركة روسية (منتجة S-300و S-400)، وشراكة ايطالية ذ فرنسية (منتجة SAMP/T Aster 30). وبالفعل، فان الرئيس التركي، عبدالله غول، قال ان القرار ليس نهائيا بعد ولا تزال مرحلة اخرى قبل التوقيع على الصفقة، ولكن حسب شروط العطاء التركي فانها ملزمة بالتقدم مع الصين ويبدو أنه سيكون مطلوبا اكثر من مجرد الشجب الحالي من جانب أعضاء الناتو لاقناع تركيا بتغيير قرارها. فضلا عن ذلك، فان القرار نفسه اتخذ في محفل ادارة الصناعات الامنية حيث يشغل رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، منصب الرئيس، ومن هنا فان القرار اتخذ باسناد كامل من جانبه. بزعم الاتراك، فان ثلاثة أسباب مركزية حركتهم لاختيار العرض الصيني. الاول، مسألة السعر. الشركة الصينية عرضت سعرا أقل بنحو مليار دولار من باقي الشركات (الاتراك قرروا مسبقا سقفا أعلى بمقدار 4 مليار دولار للصفقة بينما كان العرض الصيني 3.4 مليار). ثانيا، أعربت الصين عن استعدادها لان تدرج ضمن الصفقة نقل تكنولوجيات وقسم من انتاج المنظومات الى تركيا، الامر الذي هي معنية فيه جدا في السنوات الاخيرة في ضوء نيتها لتعزيز قدرة الاعتماد الذاتي العسكري لديها. وأخيرا، مسألة موعد التوريد؛ فتركيا تقدر بان زمن التوريد للمنظومة الصينية سيكون اقصر نسبيا. منتقدو القرار التركي لشراء منظومة الدفاع من الصين يطرحون عدة ادعاءات. الاول، شراء المنظومة الصينية سيطرح امام تركيا قيودا بالنسبة لاندماجها مع منظومات الدفاع لاعضاء الناتو (الامر الذي من شأنه أن يمس بقدرة الدفاع التركية)، وكذا التخوف من الاصابة بـ االنيران الصديقةب بسبب عدم التنسيق مع منظومات التشخيص الزميلةت – المفترسة الخاصة باعضاء الحلف. واضافة الى ذلك، زعم بان المنظومة الصينية لم تفحص في الظروف الحقيقية وهي ادنى مستوى مقارنة بمنظومة S-400 الروسية التي عرضت على الاتراك. فضلا عن ذلك، يطرح مسؤولون كبار في الناتو التخوف من أنه ليس فقط المنظومات حين تنصب يمكنها أن تشكل قاعدة معلومات للتجسس الصيني بل في مراحل التطوير المشتركة سيكون الصينيون مطلعين على معلومات ومعطيات معني اعضاء الناتو باخفائها. بالنسبة لمنتجة المنظومة الصينية، شركة CPMIEC، فانها تخضع لعقوبات امريكية بسبب خرق القانون الامريكي في موضوع التجارة العسكرية مع ايران، كوريا الشمالية وسوريا. وفي ردها على بعض هذه الملاحظات، تدعي تركيا بانها تخطط لتطوير منظومة مستقلة لتشخيص الزميلة ذ المفترسة، ولا يوجد طلب شامل من أعضاء حلف الناتو لشراء منظومات دفاع تتناسب وتلك الخاصة باعضاء الحلف الاخرين. والدليل هو أن مؤيدي الصفقة يعرضون مثال اليونان، التي هي ايضا عضو في الناتو، واشترت منظومات S-300 من روسيا (وان كان يجدر الاشارة بان هذا الشراء كان في الاصل حلا وسط بعد أن استخدمت تركيا حق الفيتو على نية الجمهورية القبرصية شراء هذه المنظومات، وقد نصبت بدلا من ذلك في اليونان). تعلى المستوى السياسي الاوسع يطرح انتقاد على استعداد أنقرة التعاون في المجال الاستراتيجي الحساس مع احد المنافسين الكبار لحليفتها الاقرب منذ سنوات عديدة، الولايات المتحدة. عمليا، امكانية ان تتعاون تركيا مع الصين في مجال عسكري كوزن مضاد او كبديل للولايات المتحدة ليست جديدة. فقد سبق ذلك شراء صواريخ واستيراد تكنولوجيا صاروخية من الصين في النصف الثاني من التسعينيات (وهي تسمى في تركيا T-300 كسيرجا و J-600 يلديريم) بعد فشل الاتصالات مع الولايات المتحدة لشراء منظومة متطورة لاطلاق الصواريخ واجراء مناورة جوية مشتركة مع الصين في 2010 بعد أن الغت واشنطن المشاركة في المناورة التي كانت ستجرى معها بعد أن الغت أنقرة مشاركة اسرائيل في هذه المناورة. فضلا عن ذلك، فان تطوير مستوى مركبات مجنزرة للجيش التركي (FNSS ACV) تم هو ايضا بالتعاون مع الصينيين.ت ومع ذلك، لا ينبغي ان نرى في هذه الخطوات، ولا سيما الصفقة الاخيرة دليلا عن اقامة علاقات استراتيجية بين الدولتين، وذلك لانه تسود بينهما خلافات سياسية واستراتيجية أساسية تمنع الشراكة الحقيقية. وضمن امور اخرى يمكن الاشارة الى خطوات الصين لافشال خطوات دولية ضد نظام الاسد؛ عجز هائل لتركيا في علاقاتها التجارية مع الصين (نحو 18 مليار دولار في السنة)؛ وعدم قدرة تركيا على التوافق مع سياسة الصين تجاه الاقلية الايغورية في نطاقها (نحو 20 مليون نسمة) والتي توجد بينها وبين الشعب التركي صلة عرقية، ثقافية وتاريخية عميقة. في خلفية هذ الامور توجد علاقات تاريخية معقدة بين الدولتين، صممت صورة الصين في تركيا في ضوء سلبي على مدى عشرات السنين. وفي نفس الوقت، فان التطورات الاخيرة، ولا سيما تصعيد توتر العلاقات بين تركيا وسوريا، أبرزت التعلق بالتركي بالناتو. ورغم بعض البرود في العلاقات مع الولايات المتحدة، ضمن امور اخرى في ضوء خيبة الامل التركية من قرار الولايات المتحدة عدم التدخل عسكريا في سوريا والابتعاد بين اردوغان والرئيس اوباما، سارعت دول الناتو الى نشر منظومات دفاع جوي على مقربة من الحدود التركية السورية حين كان يبدو ان العلاقات بين الدولتين تتوتر. كما كان واضحا لتركيا الى أن تنجح في التقدم في المسار الطويل لبناء قدرة دفاعية مستقلة ضد الصواريخ فانها ستبقى متعلقة جدا بعضوية الناتو في هذا الشأن. التفسير للصفقة يمكن أن نجده إذن في ملابسات محددة نشأت مؤخرا وفي مصالح استكمالية قائمة بين تركيا والصين. أولا، المصلحة التركية في تطوير قاعدة تكنولوجية عسكرية مستقلة وهو الدافع الاساسي على ما يبدو من ناحية أنقرة لاختيار الصين كموردة لمنظومة الدفاع مفهومة تماما من قبل بيجين، التي يحركها اعتبار مشابه من سنواتها الاولى. كما ان الدولتين تريان في ضوء مشابه رفض الولايات المتحدة والدول الاوروبية ان تنقل الى تركيا تكنولوجيات انتاج، ترتبط بمنظومات الدفاع ضد الصواريخ كخطوة موجهة لتخليد تفوق الدول المتطورة على الدول النامية وابقاء تعلقها بها قائما. ثانيا، حيال العلاقات التركية المعقدة مع الولايات المتحدة والغرب مثلا، الغضب التركي من الرفض الامريكي العمل في سوريا، المصاعب التي يضعها الاتحاد الاوروبي في وجه تركيا لقبولها في صفوفه، والتخوف من ان تكون دول الناتو تستغل تعلق تركيا بها في مجال الدفاع الجوي مريح لانقرة ان تظهر بانه يوجد بديل ما للحلف مع الغرب. كما ان الامر يلقى الترحاب في اوساط العناصر القومية في تركيا، الذين يلمح لهم احيانا نظام اردوغان. وبالنسبة للصين، حتى لو كانت واعية لقيود علاقاتها مع تركيا، فان الصفقة تخدم مصالحها جيدا في أنها تخلق فرصة لزرع وتد في سوق السلاح الشرق اوسطي، دق اسفين في العلاقات التركية الامريكية، وتعزيز علاقاتها مع قوة عظمى اقليمية هامة كتركيا. وبالنسبة للزاوية الاسرائيلية، فرغم المصاعب التي تضعها تركيا اليوم أمام علاقات حلف الناتو مع اسرائيل، فان لاسرائيل مصلحة في أن تبقى تركيا حليفة مخلصة في الناتو، وعليه فان التطور الحالي ينبغي أن يثير القلق في القدس. فضلا عن ذلك، فدليل على وضع العلاقات الاشكالية بين تركيا واسرائيل، هو حقيقة انه رغم العطش التركي لبناء قدرة عسكرية مستقلة، فانها تفضل الشراكة مع لاعبين اشكاليين كالصين على التعاون مع اسرائيل. اضافة الى ذلك فان الاختيار التركي لمنظومة الدفاع الصينية تدل على أنه حتى لو كانت المنظومة تقل في ادائها وجودتها عن المنظومات المنافسة فانها لا تزال جدة بما يكي كي تختارها دولة ترى نفسها عرضة لخطر تهديد عسكري حقيقي. ويشير الامر الى تحسن الصناعة الامنية الصينية وامكانية دخولها كلاعب هام في الساحة العسكرية الشرق أوسطية.