بالتعاون بين بيت الشعر ودار الرعاة:
رام الله ـ “القدس العربي”: صدر حديثا عن بيت الشعر وبالتعاون مع دار الرعاة ديوان غوايات البنفسج للشاعرة والإعلامية العراقية الشهيدة أطوار بجهت السامرائي، وقد تضمن الديوان القصائد بخط يد الشاعرة التي تعود إلي عام 2000، قبل غزو العراق.. وقد سلمت الشاعرة الشاعر مراد السوداني رئيس بيت الشعر الفلسطيني في فندق (المنصور ميليا) ببغداد المخطوط ليطبع في فلسطين بعد أن أصدر بيت الشعر وقتها عشرة دواوين شعرية لشعراء عراقيين تحت الحصار.
وبعد سنوات سبع عجاف علي العراق وفلسطين، وبعد قتل أطوار علي يد عصابة مسلحين أثناء أدائها عملها الإعلامي يري المخطوط النور.. ومما كتبه الشاعر مراد السوداني علي غلاف المجموعة: بين بغداد والقدس زمزمة الدم الوهّاج وإيقاعه الحربي.. إذ يغدو السيّال القاني قنطرة المواجهة والصدور المقذوفة علي حارق العدو وأنيابه السوداء الناقعة موتاً وتدميراً.
بين بغداد والقدس قرابة المناضَلَة للبرابرة الجدد.. الذين يعمّمون سخامهم اليومي وإرهابهم علي الأجساد الحرّة والباحثة عن أملها في الحياة.
وأطوار بهجت، النخلة العراقية الفرعاء في فندق المنصور، والمناسبة مهرجان المربد الشعري، عام (2000) .. كانت مراسلة الفضائية العراقية حينها.. تسارع إلي الوفد الفلسطيني متفقدة حانية.. تفيض أصالة ومروءة.. ولأن بيت الشعر حمل إلي بغداد عشرة إصدارات لشعراء عراقيين تحت الحصار وثلاثة ملفات عراقية في مجلة الشعراء.. فقد دفعت السامرائية.. بمجموعتها (غوايات البنفسج) لتصدر عن بيت الشعر.
وبغدر القتلة وإجرامهم يطفأ قنديلان خضراوان وتغيب الباقية الشهيدة الشاهدة علي الاحتلال الأمريكي وأدواته العنكبوتية.. ما تزال الأوراق التي خطّتها أطوار خضراء راعفة.. تشهد اغتيال النخل والجوامع والأنساغ.. وهذه المجموعة إعلان عصيان ضد الموت والقبح والسواد والغزاة. السامرائية في كلامها بلاغة الحب في منازلة القبح.. طوبي لأطوار الباقية.. الماجدة الواعدة مثل حمامة الغار.. ولا نامت أعين الجبناء!! . فيما قدم الشاعر والناقد العراقي خضير ميري للمجموعة بقوله: تؤدي شعرية اليوم قوّة مركزّة باتجاه الشفافية، إنها شفافية متآمرة علي صخب العالم.. علي جدّيته الثقيلة وتكثُّر الأشياء والناس وأمواج المعلومات.. بمعني إنّ الشعر هو خفّة الكائن لكي يحتمل، إذا ما استعدنا عنوان رواية عالمية وبالتالي فإنّ نصوص هذه المجموعة.. نصوص الشاعرة أطوار بهجت السامرائي.. هي انضغاط الشفافيّة إلي أقصاها.. إنها تؤسّس علم اقتصاد دلالي خاص هو ما تؤديّه الروح من هواجس وانفعالات ضالّة وما تحتمله اللغة منه ببساطة موحية هي أقرب إلي الطفليّة التي تعيد لنا الحق الشرعي باحتمال ذلك الرعب الذي يمتصه الشعر ويسخر منه.
لا بأس أن أقول: إنها فتاة دخلت وسطنا الشعري كالومضة وتسلّلت إلي فضائنا من نوافذ خاصّة ستكون لها أمواج شعريّة قادمة لن نتعامل معها بسهولة.. الشعر لدي أطوار بهجت يولد بقابلة حذرة ترمي جنينها وتعني بسرّه الداخلي وطبيعته التي ينبغي أن لا تشوّه.. فلنقرأ أطوار بهجت وكأننا نسمعها وهي تزقزق داخل عصفورة القصيدة. الضوء الأزرق مرة اخريوتزامنت إعادة إصدار (الضوء الأزرق) في السيرة للشاعر د. حسين البرغوثي، وتأتي هذه الطبعة الثالثة في الأرض الفلسطينية بعد الطبعة الأولي التي صدرت عام 2003 عن بيت الشعر، والطبعة الثانية 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.. وقد جاءت الطبعة الجديدة في 178 صفحة من القطع المتوسط وقد صمم غلاف الكتاب الفنان جاد سلمان.
وقد لاقي هذا الكتاب صدي واسعاً في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي والعالمي، كواحد من كتب السيرة، وقدم الشاعر الكبير محمود درويش للطبعة الفرنسية من الكتاب، ومما جاء في التقديم:
هذا الكاتب الاستثنائي ليس معروفاً علي نطاق واسع. ربما لأنه أَنفق سنوات طويلة علي كتابةٍ شعريةٍ لم تنجح في الاقتراب من الذائقة الجمالية العامة. فقد دفعه تكوينه الأكاديمي إلي تحميل قصيدته التجريبية بحمولة معرفية زائدة، وبتنظير لما ينبغي أن يكون عليه الشعر الجديد، فالتبس الشعر فيها أو اختلط في ما ليس منه.
كان حسين البرغوثي ظاهرة ثقافية متعدَّدة النشاط. كتب الشعر والمسرحية والرواية والنقد والأغنية والسيرة الذاتية.
وكان مهووساً بالحوار والجدل والخروج عن التقاليد. لم يكفَّ عن طرح الأسئلة المفاجئة والنظر إلي أية قضية ثقافية من زاوية خاصة. كان ذهنه اليقظ مشغولاً دائماً بتحريض العقل علي التفكير المختلف.
قبل رحيله بأيام، سدًد إليَّ سؤالاً مدهشاً: هل الجماليُّ في الشعر يحدُّ من الرؤية؟ قلت له: هذا سؤال صعب قد يغري بإجابة سهلة. لكنني في الحقيقة لا أَعرف. أَمهلني أَياماً لأفكر بالجواب!
لم يمهلني. مات داخل الحصار. مات وهو يناقش. لم يكن رحيله مفاجئاً. فقد كان يعرف نتيجة معركته مع السرطان.
لكنه صارع المرض بتكثيف نشاطه الإبداعي، فحقَّق انتصاره المجازي علي موته الجسدي.
تماماً كما فعل الكاتب السوري سعدالله ونوس، وكما فعل إدوارد سعيد. لقد شهد صراعه مع السرطان أكثر فترات نشاطه الأدبي حيوية وكثافة. وكتب سيرته الذاتية الناقصة: سأكون بين اللوز التي تشكل امتداداً لكتابته المميزة في كتابه الفذ الضوء الأزرق.
لقد تحققت شاعرية حسين البرغوثي الحقيقية في الضوء الأزرق كما لم تتحقق في محاولاته الشعرية. إنه نص لا يُصَنَّف في جنس أَدبي واحد. وهو ليس سيرة ذاتية، بالمعني المتعارف عليه.
ولا هو رواية. إنه يذكرنا بسرديات الرواية وبحميمية السيرة. ولكنَّ سيرة المؤلف هي أَحد المكونات الأساسية لهذا النص المفتوح علي كل أَشكال الكتابة القادرة علي استيعاب همومه الوجودية والثقافية والفلسفية. فهو خليط غريب من البوح الشخصي والتأملات الذهنية من تداعيات الهذيان إلي الميثولوجيا. من الواقعي والغيبي. من سرد الحكايات الشخصية إلي الشطحات الصوفية. من جنون يدّعي الحكمة إلي حكمة لا تتجلَّي إلاّ بالجنون. من الحياة داخل الحلم إلي مكان يصاب بالانفصام.
كأننا أمام احتفال بالأجناس الأدبية في هذا النص الذي أَتاح للكاتب الباحث عن القصيدة الشاملة فرصة العثور علي مبتغاه. فإن الشعر الذي كان يبحث عنه في النظام الشعري قد وجده أخيراً في حسن إدارته لفوضي عالمه الداخلي وتجربته مع الهامشيين في سياتل، حيث تصير الأنا آخر يتكلم بصوت آخر، ويحلم بأحلام أُخري.
ليس مهماً أن نعرف إن كانت شخصيات الضوء الأزرق واقعية أم متخيَلة. فنحن الذين نعرف المؤلف نعلم كم كان خياله خصباً متحرِّراً من أية رقابة ذاتية، و كم كان قادراً علي استنفار قواه الروحية وبلوغ حالة الرؤيا.
ولكن الجديد في موضوع هذا النص هو خروجه عن الموضوع الجاهز أََو عما يُتَوَّقعُ من الفلسطيني أن يكتب في زمن المحنة الدراماتيكي. إن الخروج الماكر من الخطاب المتوقَّع ووضع هذا الخطاب في خلفية المشهد، كقافية غير رنَّانة في قصيدة طويلة، هو شكل من أشكال نقد المؤلف للروتيني والمألوف في كتابة الكاتب وقت الأزمة.
بدلاً من ذلك، استحضر الكاتب شخصيات هامشية وحياة مجانية تبحث عن معناها العبثي، واستنطقها تأملات فلسفية وثقافية وأنطولوجية ذات معان متعدَّدة المستويات.
إنه كتاب فريد من نوعه في الكتابة العربية. ولعلَّه أَجمل إنجازات النثر في الأدب الفلسطيني.