غواية ‘التطبيع’: وأصابت امرأة

حجم الخط
0

فـــاروق وادي

السقوط في ‘التطبيع’ الثقافي، لا يختلف في جوهره عن السقوط في الخيانة الوطنيّة بصورتها الأكثر انحداراً وانحلالاً، رغم انتفاء التطابق التّام في التفاصيل بينهما.

أن تتابع على ‘اليوتيوب’ حديثاً مُخجلاً نُسب لقناة ‘الميادين’، يروي فيه شّاب كيف أنه أسهم في دسّ السُّم لياسر عرفات، أمر يدعو ـ إن صحّ ـ إلى التساؤل: هل يتطوّع شاب فلسطينيّ في مقتبل العُمر على فعل ذلك، وبالتعاون مع الأجهزة الإسرائيليّة المعادية، حبّاً في دولة تحتل أرضه ولا تكفّ عن اضطهاد شعبه؟! أم أن غواية المال كفيلة بتدمير كلّ أثر للقيم الوطنيّة في ضمير شخصٍ مثل هذا، عانى نفسه وأهله من الاحتلال وقمع مؤسساته وجنوده، وتنكيلهم على الحواجز وفي كلّ مكان؟! وهل يختلف هذا الشّاب، سوى في التفاصيل، عن مثقّف مارس فعل ‘التطبيع’ الفاضح، بوعي أو دون وعي، بأنه فاضح؟! الحالة الأولى، على هولها، والتي لا نتردد عن وصفها بالخيانة، تؤذي فرداً أو مجموعة من الأفراد أو الجماعات. أمّا في الحالة الثانية، التي نُطلق عليها تعبيراً بالغ التهذيب، هو ‘التطبيع’، فإن الأذى الناجم عنها يتجاوز في حدوده أذى الأولى، حيث يعمل الوعي السّاقط هنا على تزييف وعي الآخرين، الأكثر بساطة وأقلّ وعياً سياسياً؟

لا أهوِّن من الخيانة في شكلها العاديّ، فهي جريمة تستحق أقسى أنواع العقاب. ولكنني أرغب في رفع كلمة ‘التطبيع’ إلى مستوى عالٍ من مستويات الخيانة. فإذا كان التطبيع يعني العودة إلى ما هو طبيعي، فإن التزييف هنا يمارس فعل خيانة، إذ أن الجهد الفكري لتقبُّل المحتل كمجرّد ‘آخر’، هو عمل ليس أقل من ذلك، كما أن الترويج لفكرة المساواة بين الجلاد والضحيّة، هو تضليل آخر يرتقى إلى أحط أشكال الخيانة.

ومثلما أدهشنا شّاب ولغ في السموم وأثار استهجاننا لفعلة لا يمكن أن تخرج عن إنسان مكتمل في إنسانيته، فإن دهشتنا في وفود المطبِّعين، من كتّاب ومثقفين وصحافيين وأكاديميين، التي لا تتوقف عن ممارسات ‘التطبيع’ مع الإسرائيليين، زرافات ووحداناً، لا تقلّ آثار فعلها عن فعاليّة السّم. ويبدو أن أحد الخلافات بين الحالتين يكمن في الثمن المدفوع للمثقف الخائن عنه للخائن العادي الذي ترضيه حفنة من الدولارات.

المثقفون، حين ينخرطون في عمليّة الخيانة الثقافيّة، تكون أعينهم مصوّبة على الطائرة، والفندق المترف، حيث تعقد اللقاءات الحواريّة في عواصم تشعّ بالأضواء الخاطفة، وهي لقاءات لا تبحث عن نتيجها مباشرة، لأنها تكون أحياناً مكتفية بذاتها. لكن الأهم هو البحث على بريق ذهب شُهرة زائفة، تتأتى في الغالب عبر الترجمة إلى لغات عالميّة، يتوهم بعضنا أن كلماتنا فيها ستحقق لنا الانتشار والمجد والخلود.

غواية الترجمة إلى لغة أخرى، وترويج شذرات من ألأعمال الأدبيّة لنفر من الكاتبات العربيات، حتّى تتمكّن كتابتهن من طرق آفاق العالم الرّحب، كان المقابل المطلوب لإقرار مجموعة تلك الكاتبات بمبدأ المساواة بين الجلاد والضحيّة.. بين معاناة المرأة في ظلّ احتلال غاشم، ومعاناة مترفة للمرأة الإسرائيليّة التي تغمض عينيها وضميرها عن جرائم دولة عنصريّة تنتمي إليها، قامت على حساب تشريد شعبً آخر.

القصّة هنا تبدو بسيطة، لكنها تنطوي على تجربة كفاحيّة نسويّة نبيلة، لكاتبات عربيات خضن معركتهن/ معركتنا جميعاً (وبالإنابة عنّا)، ببطولة وشرف، وهي تجربة نرجو أن تشكِّل، للمتهالكين على ‘التطبيع’، فرصة للاستفادة منها والتعلُّم من دروسها. القصّة تبدأ من مشروع إصدار أحد المراكز الثقافيّة في جامعة تكساس في الولايات المتحدة كتاباً يضم مجموعة من القصص القصيرة لكاتبات من الشرق الأوسط. وتمريراً لفكرة التقبُّل الثقافي لوجود إسرائيل ككيان ‘طبيعي’ في هذه المنطقة، جرى العمل على الزّج بنصّين لكاتبتين إسرائيليتين ضمن مشروع الكتاب، لم يُعرف عن مواقفهن أيّ نوع من الرّفض السياسي والأخلاقي لوجود إسرائيل على حساب شعب آخر، أو على الأقل، التعبير عن رفضٍ مُعلن لممارسات الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني. بمعنى أنهنّ كاتبتين تتبنيان موقفاً متقبلاً للممارسات العنصريّة العدوانيّة اللاإنسانيّة للكيان الصهيوني، وربما تفخران بالانتماء إليه. وكانت حجّة الجهة الناشرة أن الإسرائيليتين تقاسمان الكاتبات العربيات الهموم نفسها والمعاناة التي تقاسيها المرأة في الشّرق الأوسط كافّة، والفلسطينيّة خاصّة. أي، وبلغة أخرى، فإن الجلاد والضّحيّة بهذا المنطق يعانيان الآلام نفسها!

؟ لقد بدأ الرفض فردياً، حين تنبهت الكاتبة الفلسطينيّة حزامة حبايب إلى ذلك، وأدركت الشّرك المنصوب في المشروع، فتبنت مقاومة المسألة كقضيّة نذرت نفسها ووقتها وجهدها لها، رافق ذلك انسحابها الفرديّ في البداية. ولكنها سرعان ما أدركت أن الموقف الفردي لن يثمر إذا لم يردفه عمل جماعيّ، فمدّت خيوط التواصل مع زميلاتها، تحرِّضهن على الانسحاب الجماعيّ من مشروع تفوح منه رائحة ‘التطبيع’ المذل، وسرعان ما انخرطت في معركة الشّرف هذه زميلاتها في المشروع: رضوى عاشور وغادة السّمان وهدى بركات وإميلي نصر الله وهديّة حسين وأمال مختار وهيفاء زنكنة.. وأخريات، توحدن جميعاً على فكرة واحدة وهدف واحد، يتلخصان في رفض الغوايات التي يزينها ‘الآخر’ لتمرير فكرة تقبُّل إسرائيل على الأرض وفي صفحات الكتاب.

للباحثين عن النهايات السعيدة للمعارك النبيلة، نكتفي بالقول أن الانسحابات المتقاطرة من المشروع المشبوه، قادت إلى إجهاضه، وإلغائه نهائياً. ربما يكون الثمن الذي دفعته الكاتبات المنسحبات، يتلخّص في فقدان فرصة الترجمة والانتشار فوق أرض الأحلام العريضة لسيِّدة الكون، لكنهن في المقابل ربحن كرامتهن وشرفهن الوطني، وانسجامهن مع أنفسهن، وتشبثهن بالقيم والمبادىء التي تدافع عنها الكتابة، وقدّمن درساً سياسياً وأخلاقياً واعياً علينا أن نتعلّم منه الكثير ونستخلص الدروس. تجربة تستحق التوثيق، للمرأة حين رفعت صوتها عالياً، ووقفت في المواجهة، فأخطأ كثيرون وأصابت امرأة، حين دحضت بالتجربة مقولة أن صوتها عورة، وأثبتت أن العورة لا تكمن إلاّ في صمت كائنات لا تتقن إلاّ الصّمت والإذعان، ولم يصدر عنها سوى لهاث أنفاسها وهي تلاحق غوايات ‘التطبيع’.. الذي علينا أن لا نتردّد في أن نطلق عليه اسمه العاري والصريح: خيانة! [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية