«غودزيلا» لـلأمريكي غاريث إدواردز: التركيز على نفسية المتفرج قبل إبهاره بصرياً

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من إسراء إمام: يحرص الإنتاج السينمائي الأمريكى على إعادة تدوير السلاسل الشهيرة ذات الأقدمية مثل أفلام «باتمان» و»سوبر مان»، أو تلك التي تم خلقها ودعمها مؤخرا مثل «كابتن أمريكا» «الرجل الحديدي».
إنها السلاسل التى تتناول نفس المضمون ولكن تسعى إلى تطوير نفسها، سواء باستخدام التقنية أو الطريقة التى يتم سرد الحدوتة بها. وقد اتضح ما حل من تبدل تام لأفلام «باتمان» عندما تولى المخرج الشهير «كريستوفر نولان» إعادة فلسفتها، مما دفع بها إلى المنافسة على جوائز قوية في مسابقة الأوسكار.
ولأن المتفرج قد هضم خط سير نهج هذه النوعية من الأفلام، فبات من العسير أيضا على صانعها التوصل بسهولة إلى أقصر الطرق لإمتاعه مما تطلب بذل مجهود شاق ينفي عن هذه الأفلام طابعها الخفيف المائل في قصديته إلى إفتعال الإثارة واستلاب بعض الضحكات. وكلما رجع تاريخ إنتاج احدى هذه السلاسل إلى فترة أكثر قِدما تطلب من راغب إعادة إنتاجها الآن التدقيق في تضمين فيلمه طابعا جديا، يركز على خطاب نفسية المتفرج قبل إبهاره بصريا.
هذا بالضبط ما كان يحتاجه فيلم godzilla في نسخته الأحدث، مثل تلك المقاومة بوجه أكثر شراسة للخروج من عباءة المحاكاة القديمة لحدوتة الوحش الأسطوري، الذي لا يهابه المتفرج على قدر ما يألفه. وقد حقق منها نسبة لا بأس بها، إلا أنه تعثر بعض الشيء وعاد خطوات إلى الوراء في بعض مواضع الحبكة، التي ضربها الفراغ محدثة شعورا قويا بالملل نتيجة لاعتماد السيناريو على مشاهد قتال «غودزيلا» واستعراض قواها، فكانت للأسف السبيل الوحيد للمتفرج لكي يتنفس الصعداء من جديد، ويخرج من بوتقة اللا شيء التي وضعه فيها الحدث.
الحبكة
طرح المخرج في نسخته الأحدث لـ «غودزيلا» حبكة شديدة الجودة، بدأت في قوة مع إطلالة «جوليت بينوش» الزوجة التي تتوفى في إنفجار غامض، يدفع زوجها إلى تتبع تفاصيل حقيقته التي لم يقنع أبدا بكونها مجرد آثار مترتبة لكارثة طبيعية. وبعد 15 عاما على الحادث يثبت صحة اعتقاد الرجل، ويتم اكتشاف أن ثمة كائنات مُهلِكة تتغذى على الإشعاعات النووية هي من كانت وراء وقوع الفاجعة. وبهذه الفكرة الألمعية يُصبح لإستدعاء «غودزيلا» قيمة هامة، تضعها في الخانة ذاتها التي تبتعد بمسافات عن عداءات المتفرجين، فهي الكائن المنقذ برغم مهابته.
مشهد موت بينوش، من أجمل مشاهد الفيلم على المستوى البصري والسردي، إنه يحمل ذلك الحذق الذي لابد وأن يتوافر في فيلم مشابه. تتضافر فيه جهود الكاميرا مع صياغة الموقف وإدارته، متمكنا من التلاعب بجدارة بالمزاجية النفسية للمُشاهد. وهنا يكمن معنى الإثارة الحقيقي، الذي افتقر إليه البناء السردي على مدار باقي الفيلم. معوضا عنه بالتصورات الساذجة لفاعلية جودة تصميم مظهر الوحوش، أصواتها المزعجة، خطواتها المهولة، ومعاركها المثيرة للفضول.
فضلا عن وجود بعض المواقف العجيبة التي تحض على الضحك من فرط فقرها في التعبير عن أي شيء. فبإقحامها على خط سير الحدث، أثارت الشفقة على السيناريو الذي وصل لهذه الدرجة من العجز تجاه اختلاق مواقف أكثر تعمقا ومؤازرة لحبكة الفيلم بأكمله. فمثلا نرى في أحد المشاهد طفلا يضيعه والداه خصيصا ليكون مع البطل وقت مهاجمة أحد الوحوش لقطار الأنفاق الذي ينتقلان على متنه، لم يفعل البطل شيئا حقيقيا لحماية الطفل، ولم يسع السيناريو لصياغة موقف يستحق المتابعة، وإنما اتخذ من الشكل الرمزي لتواجد الطفل بين أحضان البطل صورة بطولية حمقاء، فالمصادفة هي من كانت مسؤولة عن إدارة الموقف حتى وقتما عاد الولد إلى والديه مرة أخرى. لم يؤد موقف كهذا إلى أي عقبات على المستوى النفسي أو الإنساني أو على صعيد تطور الحدث، إنه مثال بسيط على المتاهة المفرغة التي كان يخوضها الفيلم، بعيدا عن مشاهد استعراض الأجسام الضخمة للكائنات، والتي كانت بمثابة العزاء الوحيد للمتفرج.
ومن نقاط الضعف التي أصابت الحبكة أيضا، ضرورة الإستطراد في عدد من التفاصيل العلمية المعقدة، الخاصة بحقيقة تكوين هذه الكائنات من الأساس، والكيفية التي تتغذى بها. في الوقت الذي تجاهل فيه تماما توضيح عدد من الفرضيات التي لا أساس لها (مثلا الطريقة التي تتنادى بها على بعضها، بشكل أكثر إقناعا).
إطلالات
من الذكاء الإستعانة بـ «جوليت بينوش» النجمة الفرنسية الجميلة، لتظهر مع بداية الفيلم في هذه الجزئية الهامة المتعلقة بقوة ببقية ملابسات الحدث. نفس الأمر بالنسبة لإختيار «كين واتناب» و»سالي هاوكينز» في أدوار رئيسية كانت من متنفسات الفيلم، فبظهورهما وبهذه القسمات المختزنة الموجزة الحديث، إكتسبت مشاهد تواجدهما الأناقة المطلوبة. وخاصة «سالي هاوكينز» فهي باطلالاتها القليلة، أثبتت وجودا مُلهما ملفتا.
آخر كلمتين:
ـ «السكاندر ديسبلات» بموسيقاه البديعة، ساهم في الإرتقاء بكثير من مواطن الضعف بالفيلم.
ـ الإيحاء بموت «غودزيلا» في اللقطة التي توارى فيها وجهها بملامحه المتعبة بين الضباب جاء ذكيا جيد التوظيف، ولكن مع تكراره قبيل نهاية الفيلم، بدا مبتذلا بعض الشيء.
ـ صانعو «غودزيلا» يدينون لنا بإنتاج أقوى لهذه الأسطورة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية