غور الأردن 2017

حجم الخط
0

من أعلى معسكر توفلان، أحد معسكرات الغور المهجورة على حدود السلام مع الأردن، يطل غادي بلومنفلاد على اشجار النخيل التي زرعها في «غاؤون هيردين» قبل ثلاثين سنة، وهو يجد صعوبة في تخيل اجتياز النهر الدراماتيكي من قبل أبناء اسرائيل، ليس بعيدا من هنا، قبل 3.500 سنة. نهر الأردن مملوء حتى الضفاف، كما يصف كتاب يهوشع اللحظة التي انتهت فيها اربعون سنة من التيه في الصحراء. «المياه المتدفقة من أعلى ستتوقف، والشعب سيمر إلى اريحا». الشكل الحالي لنهر الأردن بعيد جدا كما يبدو عن المياه التي تدفقت فيه في حقبة المكراه. ومن اجل الحقيقة، شكله الآن يثير الشفقة، ومشكوك فيه أنه يستحق اسم «نهر». ومن المؤكد أن شكله بعيد جدا عن شكله في تلك الفترة التي عبر فيها الشعب إلى اسرائيل.
إن العيش في غور الأردن تراجع على مر السنين. وقد واجهت عملية السكن هناك صعوبات ومغادرة ومراوحة في المكان وصعوبة في التوسع. ولكن مثل التمور الاولى هنا، التي نمت شيئا فشيئا، حدثت صحوة في السنوات الاخيرة في الغور. بعد ازمات اوسلو والانتفاضة الثانية ازدادت في السنوات الاخيرة المستوطنات في الغور بنسبة 5.5 في المئة في كل سنة. وهذا يشكل ثلاثة اضعاف الزيادة السكانية في اسرائيل وضعفي نسبة الزيادة المتوسطة في يهودا والسامرة بشكل عام.
في تومر مثلا، البيوت الـ 110 مأهولة، وهناك 30 عائلة اخرى في قائمة الانتظار. وقد حول رئيس مجلس غيتيت السابق هذا المكان إلى مستوطنة مختلطة غير علمانية، وهكذا أنقذها من الاختفاء. وهي تتطور الآن بشكل جيد. شباب في منطقة بنيامين وعوفرا وشيلو بدأوا في السكن في الغور مؤخرا. والأبناء والبنات الذين غادروا بدأوا في العودة.
المجلس الاقليمي لغور الأردن هو أحد المجالس الكبيرة في البلاد من حيث المساحة، 860 ألف دونم، وهي تساوي المسافة بين الخضيرة والغديرة. إلا أنه مثل المجالس الاقليمية في العربة والنقب أو منطقة البحر الميت، المناطق الواسعة تتناسب عكسيا مع عدد السكان القليل الذين سكنوا منذ العام 1967، في مستوطنات غور الأردن يعيش الآن 5.500 شخص فقط على طول شارعين هما شارع 90 الشرقي وطريق ألون الغربي.
إن فخر هذا الاستيطان هو الزراعة. يأتون من أنحاء العالم لرؤية المعجزة. كيف تمكن بعض المزارعين العنيدين من تحويل الصحراء الحارة إلى قوة عظمى زراعية متقدمة في عشرات آلاف الدونمات من اشجال النخيل والاعناب والحضروات والفواكه والبهارات.
ما ينقص الغور، في المقابل، هو السياحة. الاحتمال الكامن هناك كبير لكن التنفيذ صفر تقريبا. مسابقات هرئيلي ورحلات الجيبات والدراجات والمناظر الطبيعية والمواقع التاريخية لا تنجح في جذب الناس. ولم يتم اقامة حتى لو فندق واحد مناسب في الغور على مدى السنين، وأيضا ليس بقرب قصر اليهود والمغطس المقدس للمسيحيين الذي يزوره نصف مليون شخص سنويا. وهو الموقع الذي اغتسل فيه المسيح حسب التقاليد المسيحية.

خطط وواقع

إن من وضعوا الاستيطان في الغور تخيلوا شكلا مختلفا بعض الشيء، متقدا. رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية وصف الغور في شهر آبأاغسطس 1967 بأنه رأس حربة الاستيطان مع تواصل مباشر من بيسان حتى عين جدي. «30 ـ 50 نقطة، وسكان يبلغ عددهم 30 ـ 50 ألف يهودي».
لقد اعتمد السكن في الغور على خطة ألون التي تم تخطيطها في شارعين متوازيين، الاول في الغور الاسفل على طول نهر الأردن وشارع 90، والثاني في المنحدرات الشرقية لجبال السامرة التي تمتد إلى الغور. في كانون الثاني/يناير 1968 تم اقامة بؤرتي ناحل الأوليين، واحدة في الجنوب في كاليا، والثانية في شمال الغور في منطقة البردلة.
رئيس حزب العمل السابق، يغئال ألون، أمل أن يتحول الغور إلى منطقة كبيرة للاستيطان. وقد قال في حينه إن حقيقة عدم تقرير الحكومة حول مستقبل المناطق «لا يجب أن تمنعها من فرض الحقائق الأمنية والسياسية الهامة من خلال ادخال تعديلات جغرافية ضرورية». وقد تم فرض هذه الحقائق، لكن على الرغم من هرب اغلبية العرب من الغور في حرب الايام الستة، لم يتوسع الاستيطان هناك.
في نهاية السبعينيات قدم البروفيسور ابراهام واكمون لرئيس الحكومة اسحق رابين خطة «السيطرة المزدوجة» من اجل تغيير توزيع السكان اليهود وخلق قطاعين متوازيين. الاول، منطقة الشاطيء التي تشمل 75 في المئة من السكان اليهود في البلاد. والثاني، الضاحية الشرقية المخصصة لتطوير واسكان كثيف لنصف مليون يهودي. وقد اقترح واكمن أن يتم ضم غور الأردن بشكل أحادي الجانب، وشمال البحر الميت وصحراء يهودا والمنحدرات الشرقية لجبال السامرة، وإبقاء ظهر الجبل للفلسطينيين. وقد كان هناك كثيرون أيدوا هذه الخطوة في حزب العمل والاستيطان العامل، لكن لم يتم تنفيذها أبدا.
بعد مرور يوبيل، خطة ألون وفايتس وواكمن بقيت مجرد هدف. ولم تنشأ هناك كتلة سكانية يمكنها فرض الحقائق على الارض واجماع جماهيري. هذا الاجماع تم التعبير عنه بشكل جيد في استطلاع أجرته د. مينا تسيمح حول غور الأردن قبل خمس سنوات. وقد أظهر الاستطلاع أن 70 في المئة من اليهود في البلاد غير مستعدين للتنازل عن الغور حتى في اطار اتفاق سلام. ومع ذلك، فاجأ الاستطلاع بأن 80 في المئة من المستطلعين كانوا على ثقة من أن الغور يوجد تحت سيادة اسرائيل. إلا أن هذا الامر غير دقيق.
الساسة في اسرائيل لم يهتموا باستنتاجات استطلاع تسيمح. فمنذ اتفاق اوسلو واعطاء أريحا للسلطة الفلسطينية مر غور الأردن بسنوات صعبة من عدم اليقين، والسكان هناك شعروا أكثر من مرة بأن حياتهم معرضة للخطر. وقد منح اسحق رابين الغور أهمية أمنية كبيرة ووعد بأن المستوطنات الموجودة فيه لن يتم اخلاؤها. وايهود باراك في المقابل كانت على استعداد للتنازل عنه. وبنيامين نتنياهو يتحدث في السنوات الاخيرة عن الوجود العسكري في الغور، وقد كان غامضا حول المناطق اليهودية المأهولة في سياق الاتفاق مع الفلسطينيين.
حسب مصادر فلسطينية، اقترح نتنياهو على أبو مازن في السابق أن تقوم اسرائيل باستئجار الغور مدة 40 سنة وإبقاء قوات عسكرية اسرائيلية فيه. لجنة الوزراء بخصوص التشريع في حكومة نتنياهو الثالثة اقترحت سن قانون لسريان السيادة الاسرائيلية في المناطق الاسرائيلية في الغور، لكن لم تستكمل اجراءات هذا القانون.

البهارات والأناناس والزيت السحري

في العام 1971 عندما قامت دوريت ريئوفيني وفرقة القيادة الوسطى بغناء أغنية حاييم حيفر «رجل من الغور»، واجهت اسرائيل واقعا يوميا تمثل في تسلل المخربين من الحدود الأردنية (أكثر من 3 آلاف تسلل خلال ألف يوم). «رجل من الغور» هي القصيدة التي تم تأليفها بناء على طلب قائد المنطقة الوسطى في حينه، رحبعام زئيفي، وقائد كتيبة الغور والعقيد اريك ريغف الذي قتل في مطاردة قرب بتسال. وفي حينه حظي الغور باسم «ارض المطاردات». وفي سنوات اوسلو انفجرت في شمال الغور العبوات الناسفة، وفي الانتفاضة الثانية كانت اوقات سافر فيها الناس في شارع 90 بشكل جماعي. إلا أن تلك السنين أصبحت تاريخ. والعقد الاخير كان فيه الوضع الامني في الغور أفضل، حيث تمكن السكان من التركيز على ما يتقنون فعله وهو الزراعة المتقدمة.
لقد تحولت مستوطنة نعمه إلى امبراطورية صغيرة للبهارات، وهي مثال على ذلك. سكان نعمه هم سكان عنيدون، وقد حاول اعضاء لجنة الاسماء في الحكومة خلال السنين فرض اسم نعمي عليهم. وفي نهاية المطاف فاز إسم نعمه. ويحاول السكان في السنوات الاخيرة مكافحة مقاطعة منتوجات المستوطنات في الاسواق الاوروبية. وفي بعض الفصول من هذه السنة يمكننا ايجاد البهارات الخضراء من المستوطنة في الاسواق الاوروبية.
نعمه هي مستوطنة صغيرة تعيش فيها 25 عائلة، وهم يخططون على المدى البعيد إلى استيعاب 70 عائلة اخرى. والبهارات التي تزرع هناك تصدر إلى اوروبا. «ليس سهلا أن تكون مزارعا مستقلا في دولة اسرائيل. وغور الأردن ليس مستثنى من هذه القاعدة»، قال روزنبلوم، «صحيح أنني استيقظ في الصباح وأقوم بالتجول والقول للتمر والعصافير والشمس صباح الخير، لكن اضافة إلى هذه الرومانسية يجب جلب الخبز إلى البيت».
روزنبلوم واشخاص غيره يتمتعون مثل القدماء من التخفيض في ضريبة الدخل بنسبة 7- 10 في المئة. وسعر الارض في المكان مضحك، 150 ـ 250 ألف شيكل لقطعة الارض. وسعر البناء منخفض ايضا قياسا بالمدينة حيث يبلغ سعر البناء للمتر المربع 5 آلاف شيكل.

«من لا يقوم بالبناء هو شخص غبي»

الأردنيون في ضفة النهر الشرقية يشخصون بعيون الحسد إلى «جنة عدن» وراء النهر. وبشكل غير رسمي حاولوا أكثر من مرة التواصل مع مزارعي الغور، لكنهم يخشون من رد فعل الفلسطينيين، لكنهم يتغلبون على هذه المخاوف بين الفينة والاخرى. وقد قام وزير المياه الأردني، سمير قواره، بزيارة بيت غادي بلومنفيلد قبل بضع سنين. وطلب قواره من بلومنفيلد الحصول على اشجار النخيل الناجحة ومعلومات حول زراعتها والعناية بها.
لقد كان بلومنفيلد وشريكه ران غيتلس هما أول من قام بزراعة تمر «المجهول» قبل عشرين سنة. هذا النوع من التمور معروف جدا في بريطانيا الآن. والقصة حول مياه النهر التي اغتسل بها المسيح والتي رويت فيها في حينه اشجار النخيل الجديدة ساعدتهم على عملية التسويق. الغور يصدر كل سنة إلى اوروبا 500 طن من تمور «المجهول» الطازجة، إلا أن كمية التصدير أقل من الطلب.
التمور بشكل عام هي الركيزة الزراعية القوية في الغور. ومزارع النخيل تتوسع من سنة إلى اخرى، لكن المياه الكثيرة التي تحتاجها اشجار النخيل تعيق ذلك. وقد بدأت الادارة المدنية بالتعاون مع سلطة المياه في ضخ المياه إلى الغور من ينابيع بيسان، وهي مياه مالحة غير صالحة للشرب لكنها مناسبة لاشجار النخيل. التفاهمات التي تمت مؤخرا مع الفلسطينيين ستسمح في القريب بتسريع ضخ مياه الصرف الصحي لنهر قدرون، التي سيتم تكريرها وتوصيلها للزراعة ولسقاية اشجار النخيل في الغور.
إن جولة في مناطق غرب شارع 90 تظهر حجم البناء الفلسطيني بدون ترخيص.
أوريت ارتسيالي، المديرة العام للمجلس الاقليمي في الغور، قالت إن جزء كبيرا من البناء غير القانوني موجه من السلطة الفلسطينية. والفلسطينيون من ناحيتهم يديرون الحرب بحنكة، وهم يعتمدون على الاتحاد الاوروبي ومنظمات يسارية دولية ويتوجهون إلى محكمة العدل العليا التي تمنع احيانا الهدم. ويدرك الفلسطينيون ايضا أن المستوى السياسي في اسرائيل يخشى من التأثير الدولي على عمليات الهدم. وفي احيان كثيرة تكون أيدي الادارة المدنية مكبلة، والنتيجة هي كثير من حقول الفلسطينيين داخل الدولة على طول شارع 90 والبناء الثابت والخيام والطرق الترابية وشبكة للكهرباء، وكل شيء تقريبا بدون تراخيص.

اسرائيل اليوم 10/4/2017

غور الأردن 2017
بعد سنوات من الجمود بدأت المستوطنات في التطور لكن القيود السياسية تعيق النمو
نداف شرغاي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية