غياب الظهير الإقليمي للتغيير يفرض سياسة النفس الطويل والتنازلات المتبادلة بين الأطراف في السودان

 إبراهيم نوار
حجم الخط
0

تعلمنا ثورة الشعب السوداني من أجل الحرية والتغيير ان حلم تحقيق التحول الديمقراطي في العالم العربي لم يتلاش تحت ركام اخفاقات ثورات الربيع العربي، بل إنه يزداد شبابا وقوة مع الأيام. ثورة لم تزرع اليأس في نفوس السودانيين وإنما زرعت الأمل، كما إنها علمتهم الكثير من الدروس.

الدروس التي تعلمها السودانيون كثيرة، منها ان هشاشة وضعف الأحزاب السياسية التقليدية تفرض ابتكار أشكال جديدة للتنظيم، واعتماد أساليب جديدة للعمل الثوري، فكانت قوى إعلان الحرية والتغيير، وفي القلب منها دور تجمع المهنيين في السودان الذي يضم فئات الطبقة الوسطى الأكثر ديناميكية من المعلمين إلى القضاة مرورا بالطيارين والمهندسين والأطباء وغيرهم. ومن الدروس أيضا ضرورة ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والمرونة والصمود لأطول وقت ممكن مع إبقاء جذوة الثورة مشتعلة.

بعد 198 يوما من الاحتجاجات السياسية المستمرة والمنظمة، التي تواترت فيها عمليات الكر والفر، وسالت فيها دماء، وأُزهِقت أرواح، توصل تحالف قوى الحرية والتغيير إلى اتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي، لإدارة البلاد خلال مرحلة انتقالية مدتها 3 سنوات (أو تزيد)، يجري خلالها إعداد البلاد للانتقال إلى حكم مدني مستقر من خلال انتخابات تشريعية وحكومة مسؤولة، وقواعد دستورية محددة لتداول السلطة وللتجديد السياسي.

اتفاق تقاسم السلطة في المرحلة الانتقالية، الذي تم إعلانه في 5 تموز/يوليو، هو ثمرة وساطة جادة بدأها رئيس الوزراء الإثيوبي آبيي أحمد، بعد أيام من مذبحة فض اعتصام حركة الاحتجاج المدني خارج مقر وزارة الدفاع السودانية، وهي الوساطة التي انضم إليها الاتحاد الافريقي رسميا، وساعد على نجاحها، من خلال ترتيبات مفاوضات شاقة ومتقطعة، بين ممثلين من تحالف الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي. استغرقت المفاوضات ما يقرب من أربعة أسابيع، وكانت النقاط الشائكة فيها تتضمن صلاحيات مجلس السيادة المؤقت، وطريقة تشكيله، ونسبة التمثيل للطرفين المشاركين فيه. وقد تم الاتفاق على تشكيل المجلس السيادي من 11 عضوا، خمسة من المدنيين، وخمسة من العسكريين، وواحد يتفق عليه الطرفان، وتقسيم عمر المجلس إلى فترتين الأولى 21 شهرا يتولى فيها العسكريون القيادة، والثانية 18 شهرا يقوده فيها المدنيون.

ولا يعتبر اتفاق تقاسم السلطة انتصارا لطرف على آخر، ولا يعبر عن ميزان القوى النهائي بين الطرفين، وإنما ينطوي على تنازلات متبادلة بين الطرفين، وأظن أن توازن القوى الداخلي، وضغوط الأطراف الخارجية، كانا الدافع إلى توقيعه، مع استمرار الباب مفتوحا خلال السنوات الثلاث التالية لصراع محكوم، سيحاول فيه كل طرف تعديل ميزان القوى الداخلي لمصلحته، تمهيدا للموقعة الكبرى التي ستحدد شكل وطبيعة النظام السياسي الجديد. ويمكن القول إجمالا ان الاتفاق هو انتصار لإرادة الشعب السوداني.

دور مصر والاتحاد الافريقي

لكن الاتفاق يعكس حقيقة واضحة، تتمثل في غياب مؤسسات عربية كبرى مثل جامعة الدول العربية، وقوى إقليمية رئيسية مثل السعودية، عن الإدارة المباشرة لمفاوضات الوساطة. وتعتبر مصر أهم الأطراف الإقليمية ذات المصالح الاستراتيجية طويلة الأجل في السودان اقتصاديا وعسكريا.

وقد عقدت مصر اتفاقا دفاعيا شاملا مع النظام السابق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ينص على إقامة شراكة استراتيجية بين مصر والسودان في مجالات تسيير دوريات لتأمين الحدود المشتركة، ومحاربة الإرهاب وعمليات التهريب العابرة للحدود، وإقامة استثمارات مشتركة في قطاعات الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي للأغراض العسكرية. ويعبر هذا الاتفاق عن مصلحة مصر الاستراتيجية في تحقيق استقرار في السودان، وفي دول الجوار بشكل عام، لتوفير مقومات محاربة الإرهاب وإقامة بنية قوية للتعاون المشترك.

لكن تطبيق هذا الاتفاق الذي وقعه وزيرا دفاع البلدين تعرض لضغوط التوتر في العلاقات بين البلدين في الأشهر التالية. على الرغم من محاولات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي احتواء الخلافات ودفع العلاقات المشتركة مع السودان إلى بر الأمان. إلا أن هذا التوتر وصل إلى أقصاه في اذار/مارس الماضي أي قبل الإطاحة بالبشير بأسابيع محدودة، عندما أشعلت السلطات السودانية نزاعا ضد مصر واتهمتها بمنح امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز في أربع مناطق تقع داخل حيز مثلث حلايب وشلاتين الذي تعتبره إقليما سودانيا لا يحق لمصر منح امتيازات فيه لأي طرف آخر.

وعلى الرغم من أن مصر هي الأخرى غابت عن مفاوضات الوساطة، فإن رئاستها الحالية للاتحاد الأفريقي، ضمنت استمرار دورها في المفاوضات، في إطار الضوابط التي وضعها مجلس السلام والأمن الافريقي، منذ قرر الاتحاد تعليق عضوية السودان في 6 حزيران/يونيو الماضي.

وقد قرر الاتحاد الافريقي بما لا يقبل اللبس والجدل، أن المجلس العسكري الانتقالي يجب أن يفتح الطريق لإقامة حكم مدني ديمقراطي في أسرع وقت ممكن. ودعا إلى ضمان حرية الاحتجاج السلمي. واقترن القرار بتجميد عضوية السودان في منظمات الاتحاد الافريقي، وقد حظي بتأييد دولي واسع النطاق، فصدرت بيانات صريحة تدعمه من جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها.

وقد أدى قرار الاتحاد الافريقي إلى تغيير الموقف التفاوضي للمجلس العسكري الانتقالي، وأجبره على التراجع عن قراره وقف التفاوض نهائيا مع تحالف الحرية والتغيير.

ولم يتوقف الاتحاد عن الضغط بقوة بعد إصدار قرار تجميد عضوية السودان، وإنما شكل مجموعة عمل لإدارة وساطة بين الطرفين، بالتوازي مع تحرك رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي توجه إلى الخرطوم في 7 حزيران/يونيو للتوسط مباشرة، وحث الطرفين على التقارب من أجل تحقيق الاستقرار والديمقراطية في السودان.

لكن دور كل من الإمارات والسعودية كان واضحا جدا في علاقتهما بقيادات المجلس العسكري الانتقالي في السودان، خصوصا مع نائب رئيس المجلس الجنرال محمد حمدان دقلو قائد قوات الجنجويد ذات السمعة السيئة، الذي قام بأول زيارة خارجية لتمثيل المجلس، إلى السعودية والالتقاء بولي العهد السعودي الحاكم الحقيقي في 24 ايار/مايو الماضي.

ومن المعروف أن القسم الأهم من القوات السودانية المشاركة في الحرب الحالية على اليمن يتبع قوات التدخل السريع الخاضعة لقيادة دقلو الملقب باسم “حميدتي”. ويحصل دقلو على دعم مباشر وغير مباشر من الطرفين السعودي والإماراتي، وهو على علاقة قوية بالإمارات في كل ما يتعلق بعمليات التجارة غير المشروعة في البشر والذهب والسلاح في منطقة القرن الافريقي التي تتم عبر السودان.

وقد كشفت إحدى الوقائع القريبة عن وجود عمليات لتهريب الذهب من السودان، تتبع الأسلوب الإماراتي، وهو خلط التهريب مع التجارة المصرح بها. ففي ايار/مايو الماضي ضبطت قوات مطار الخرطوم شحنة تزن 241 طنا من الذهب قادمة من ولاية نهر النيل، بصحبتها تصريح بتصدير 93 كيلوغراما فقط. وهذا يعني أن الشحنة الكلية تزيد بمقدار مرتين ونصف عن المصرح بها. وتشير تقديرات تجارة الذهب في السودان إلى أن 70 في المئة من إنتاج البلاد يتم تهريبه وتصديره للخارج بطرق غير مشروعة.

ولتأكيد مساعدتهما للمجلس العسكري الانتقالي، أعلنت كل من السعودية والإمارات في 21 نيسان/أبريل تقديم حزمة مساعدات مالية واقتصادية إلى السلطة العسكرية في السودان تصل قيمتها إلى 3 مليارات دولار، وتشمل إمدادات من الغذاء والدواء والمشتقات النفطية إلى جانب إيداع 500 مليون دولار (250 مليون دولار لكل منهما) نقدا في البنك المركزي السوداني لتعزيز قوة العملة المحلية.

ويمكن القول بشكل عام أن مؤسسات النظام الإقليمي العربي فشلت في اختبار السودان، كما هو الحال في اختبارات سوريا واليمن وليبيا، ما يضع علامات استفهام قوية على وجود وفاعلية ما يسمى “النظام الإقليمي العربي” الذي أصبح من الناحية الفعلية مجرد جثة هامدة لا روح فيها ولا حركة.

سياسة النفس الطويل

إن خريطة تطور الأحداث في السودان، منذ انفجار حركة الاحتجاج في 19 كانون الأول/ديسمبر 2018 ضد ارتفاع أسعار الخبز، وتفاقم التضخم، ونقص السلع والخدمات الأساسية بما فيها مواد الوقود وإمدادات الكهرباء، تعكس بوضوح انحياز القوى الرئيسية الفاعلة في العالم العربي حاليا، إلى تيار “الركود المستقر” ومعارضة والوقوف بقوة ضد تغييرها من خلال قوى تيار يسعى لتحقيق الديمقراطية والتغيير. وهذا يعني من الناحية التكتيكية أن تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي يمثل تجمع المهنيين السودانيين عموده الفقري، يعاني من خلل في ميزان القوى في غير صالحه، بسبب الافتقار إلى ظهير إقليمي يدعمه. وهذا الخلل يفرض الحاجة إلى الصمود وسياسة النفس الطويل والقبول بتنازلات متبادلة، رغم الرصيد الشعبي الضخم الذي يستند إليه التيار.

وفي المقابل فإن الموقف المعادي للحرية والتغيير من جانب كل من السعودية والإمارات على وجه الخصوص، يزيد رصيد القوة النسبية في مصلحة المجلس العسكري الانتقالي والقوى المؤيدة له، والتي تنتمي في أغلبيتها إلى نظام البشير، وتريد العودة للتحكم في مسار الأمور حتى بعد التخلص من البشير نفسه. الدفاع عن البشير ليس مهمة تلك القوى الآن، وإنما مهمتها هي الدفاع عن مصالحها، واستعادة ما فقدته من النفوذ خلال الأشهر الماضية.

وقد فتح المجلس العسكري الانتقالي بالفعل منذ اليوم الأول للمفاوضات مع تحالف قوى الحرية والتغيير، قناة خلفية للتناغم والحوار مع قوى نظام البشير من خلال الإصرار على الاحتفاظ بشعار “الشريعة الإسلامية هي أساس الحكم في السودان” وهو الشعار الذي كان بمثابة المنصة السياسية الرئيسية التي اصطفت فوقها قوى الحكم في النظام السابق. وعلى الرغم مما تطلقه الإمارات من شعارات “اجتثاث الإخوان المسلمين” من السياسة في البلدان العربية، فإن التحالف بين الإمارات والسعودية وبين المجلس العسكري الانتقالي يقوم على أساس المرجعية الفكرية لكل من الإخوان والسلفيين. وبصرف النظر عن الموقف من ذلك الشعار أو دلالاته، فإنه يكشف عن الطابع الانتهازي للشعارات التي تطرحها الإمارات. كل ما تسعى إليه الإمارات والسعودية هو تكريس نفوذهما في منطقة القرن الافريقي الكبير، لأن هذا يضمن مصالحها في تلك المنطقة، كما أن نفوذهما في كل من السودان وليبيا من شأنه ان يضمن للبلدين أيضا محاصرة مصر من الجنوب والغرب، ومحاولة التأثير على السياسة الخارجية المصرية في المواقف التي يتباين فيها عن الموقف الإماراتي والسعودي، مثلما هو الحال في الموقف من حرب اليمن، والتدخل المباشر في سوريا وليبيا ومشروع انشاء ما يسمى “حلف الناتو العربي”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية