غيض الدنمارك وفيض سواها
خيري منصور ححأكثر من ستين ألف كتاب صدرت خلال خمسة قرون عن علاقة الشرق بالغرب، وما اشتهر منها وعرف علي نطاق واسع لا يتجاوز العشرات، لأن تلك العشرات أثارت حساسيات أيديولوجية لدي بعض الأطراف، أو أنها لامست بالقلم المجرد وبلا أية قفازات مناطق محظورة، غالبا ما كانت تقبع وراء خطوط حُمر.وما أثارته الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة دنماركية ليبرالية هي يلاندز بوستن واستفزت مشاعر المسلمين علي امتداد خطوط الطول والعرض للتضاريس الإسلامية في هذا الكوكب يستحق وقفة مراجعة وحوار، أكثر مما يحتاج إلي تقديم جردة أو قائمة بردود الأفعال علي اختلاف الصيغ والأساليب، وإذا كان بعض المراقبين يعجبون من تأخر ردود الفعل العربية والإسلامية علي ممارسات من هذا الطراز أو سواه، فإن تفسير هذه الظاهرة يضطرنا إلي العودة عقودا إلي الوراء، فعلي سبيل المثال لم تظهر ردود أفعال إسلامية علي أهم فصل من فصول كتاب نقد الفكر الديني للدكتور صادق جلال العظم إلا بعد نشره للمرة الثانية في كتاب وبعد مرور فترة من الزمن، وحين نشر مقال مأساة إبليس في إحدي المجلات البيروتية لم يعلق عليه أحد، وتأخر رد الفعل علي كتاب سلمان رشدي آيات شيطانية، وعلي كتاب البنغالية تسليمة نسرين والتركي عزيز نيسين وآخرين، لأن المسألة تحتاج إلي ما يبدو إلي تقرير أشبه بقرع الجرس، لكن علي نحو مثير للاستهجان في بعض المواقف.إن ما كتب في الاستشراق خلال قرون عن الإسلام والعرب والعقل العربي يحتاج إلي أطنان الورق لنقضه علميا، والرد عليه بأطروحات مضادة علي أسس منهجية وليس بدوافع عرقية، لهذا فإن الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرت في جريدة دانماركية لا يتجاوز توزيعها المائة وخمسين ألف نسخة لم تكن القشة التي قصمت ظهر البعير، ولا هي النقطة التي أفاضت الكيل، فالظروف التي يعيشها عالمنا منذ انتحي بها اليمينيون المتطرفون والمتهودون في واشنطن نحو القرون الوسطي حولت المناخ العالمي إلي حاضنة نموذجية للأوبئة قدر تعلقها بالمفاهيم والتواريخ، وما كان لكاتب أو رسام أن ينتهك معتقدات الآخرين علي هذا النحو الفج والسافر لولا التغذية اليومية التي تقدمها ميديا سامة، حقنها الجنرالات المؤدلجون بشحنات تثير العصاب العرقي الهاجع، والمسألة أخيرا ليست في عفن ما ظهر في الدنمارك حسب العبارة الشكسبيرية الشهيرة، فالغرب يراد له الآن أن ينكفئ علي ذاته، ويتحول إلي غرب أبدي كما قال كبلنج وهو يضيف الشرق والغرب كمستقيمين متوازيين لا يلتقيان. إن العالم أصبح في حاجة ماسة إلي تثقيف جديد يكشف الصدأ الذي تراكم علي الوعي خلال الحقبة الكولونيالية التي ما نزال نعيش في تجليتها رغم وهم الاستقلال، أو ما سمي مرحلة ما بعد الاستعمار عشية الحرب الكونية الثانية! ولعله أمر يتجاوز المصادفة أنني كنت اقرأ كتاب ريتشارد سوذرن عن صورة الإسلام في أوروبا خلال القرون الوسطي، عندما أثيرت هذه الضجة الكبري حول رسوم كاريكاتورية نالت من الرسول ومن صورته ورمزيته ومجمل ما يعنيه لدي مسلمي العالم، وحين عدت إلي الكتاب وجدت فقرة مؤشرة بالقلم، استشهد بها المؤلف وهي منسوبة إلي مارتن لوثر، حيث يقول: دعوا المسلمين ومحمدهم يفعلون ما يشاؤون حتي ينزل بهم غضب الله في النهاية، ولننصرف إلي الاهتمام بأنفسنا وطاعة الله حتي لا ندخل في عداد المحمديين الملعونين .إن ما يدفعني مجددا لمراجعة عشرات الكتب حول علاقة الغرب بالشرق، وبالتحديد علاقة المسيحية بالإسلام، هو البحث عن الجذور لهذه الظاهرة التي ما أن تهجع زمنا حتي توقظ من جديد، وكنت في كتابي الاستشراق والوعي السالب قد عرضت نماذج من أمثال وأقوال مأثورة في الغرب عن العربي والمسلم بست لغات، وسبقني إلي ذلك سلالة من راصدي هذه العلاقة بدءا من عمر فاخوري في كتابه آراء عربية في مسائل شرقية ومحمد كرد علي.. وليست انتهاء بالراحل إدوارد سعيد!إن ما ورد في كتاب جورج بتاي مثلا عن العربي والمسلم وهو حزمة من الأحكام العرقية الجائرة، لم يكن مجرد حجرٍ في الهواء لأن بعض المفاهيم المتسربة من الاستشراق الكولونيالي قد استقرت في اللاوعي، وأصبحت بحاجة إلي من يوقظها كي تندلع من القماقم.صورة العربي في الغرب، هي كما يختصرها إدوارد سعيد سادي، خؤون، مُنْحطّ، تاجر رقيق، راكب جمال، صراف، وَغْد!!والعربي كما وصفه أميميب يترل في مجلة هاربر هو قاتل ومخادع وعنيف، وهذه الصفات يرثها جيلا بعد جيل!!إن الاستطراد في ذكر الأمثلة التي تكرس صورة المسلم في الذاكرة الثقافة الغربية، قد يستغرق مجلدات، وليس مقالة واحدة، والأهم من هذا كله الآن هو ما الذي قدمه العرب المعاصرون من أطروحات لتفنيد هذه المفاهيم المصنوعة بعناية استشراقية وأدوات كولونيالية؟ألم تكن حروب الخليج الثلاث نماذج فاضحة لتفكير العربي إزاء أخيه، أو من وصفه ذات يوم بأنه التوأم الروحي والفكري والقومي؟إن المقام هنا ليس ملائما لتبادل الاتهامات أو لهاجس تبرئة هذا الطرف أو ذاك، فالعرب ساهموا عبر عدة أساليب، بوعي أو بدون وعي في جعل صورتهم علي هذا النحو الباهت، بحيث يصبح حائطهم هو الأوطأ بين حوائط الشعوب كلها.و حين يقرأ مثقفون أو حتي أطفال غربيون كتابات عربية تمتدح الاحتلال وتبرره وتعيد العرب المعاصرين في حقبة ما بعد الحداثة إلي ثنائيات الأوس والخزرج وقيس ويمن والغساسنة والمناذرة، فإن الصورة تصبح شديدة الفظاعة والقُبح!ودرءا لأي التباس أو سوء قصد يتبرص بمحاجة كهذه، نحن نرفض وبإصرار أن يساء إلي أي معتقد إنساني ونحترم مشاعر الشعوب وعواطفها الدينية، لكن هذا لا يمنعنا من تذكير الغاضبين العرب بأنهم صافحوا ويصافحون قاتلي إخوتهم، ومُنْتهكي قدسهم وأقصاهم، وانحنوا ويواصلون الانحناء لجنرالات أصابهم العمي الأيديولوجي بفقدان البصر والبصيرة من طراز رامسفيلد وسائر الأوركسترا التي تعزف النشيد الكولونيالي الجديد وفي طبعته الأمريكية علي عظام الأطفال وتوابيتهم في العراق وأفغانستان، وكل مكان يصل إليه الذراع الفولاذي الأخطبوطي!ومن استطاعوا خلال أيام قليلة أن يلحقوا بالاقتصاد الدانماركي كل هذه الخسائر، لماذا لم يجربوا ولو لمرة واحدة أن يفعلوا ذلك مع الولايات المتحدة؟ فإذ كان المقصود من هذا الموقف من الدنمارك وهو مبرر بأكثر من معيار هو مجرد ترميز للدفاع عن هوية وعقــيدة، فإن الأمر يحتاج إلي قراءة أخري غير هذه القراءات الإعلامية الأفقية!هناك تجربة بالغة الطرفة عن نوع من الضفادع التي لا تستشعر الألم وهي تسلخ أو تطبخ حية إلا إذا بلغ السكين العُنُق، وغالبا ما يؤدي تأخر رد الفعل الديناصوري هذا إلي انقراض الكائن الخامل.العرب برهنوا مرارا أنهم أقل استشعارا للخطر، ليس لسبب عضوي أو عرقي، بل لأن هناك ثقافة مقررة عليهم في زمن التبعية تحاول استئصال إرادتهم، وتدجينهم بحيث يتأقلمون مع الإهانة والاستباحة ولا يقاومون!لهذا أصبحت مفردات مثل المقاومة مثارا لسخرية الكلبيين الجدد، من عدميين كانوا بانتظار حفلة التقريد التنكيرية التي تزعمها برجمانوس بعد أن ارتدي سترة جنرال!وإذا كان عرب هذا الوقت ومسلموه بحاجة إلي من يدلهم علي الجهات التي يهب منها فحيح الاستباحة والانتهاك فنحن مستعدون لمثل هذه المهمة، بدءا من بابهم الشرقي الذي فتحوه بأيديهم لمغول الألفية الثالثة، وليس انتهاء بالباب الغربي حيث تعبث الفئران وتتناسل في جرار الزيت الفارغة والمهشمة!وثمة أسئلة لا بد من طرحها في هذه المناسبة منها مثلا: هل كانت استباحة الأقصي وتقويضه أفعالا لا تنال من رسول الإسلام وصحابته وقومه أجمعين؟لقد بالت خيول نابوليون في الأزهرا لشريف ذات غزو، وصال الجنرال كليبر وجال.. إلي أن وضع له سليمان الحلبي حدا، لكن الناس لم يختلفوا في تلك الأيام حول تسمية مصير ذلك الفدائي القادم من الشام، ولم يكن السجال دائرا في ذروة العقم والعمي عما إذا كان الحلبي شهيدا أم منتحرا..إن تاريخا برمته يتمطي الآن علي الرمال ليسائل أحفادا ضالين عن الأمانة، لكنهم ضالعون في فقه التسويغ وإدخال البعير والفيل معا من ثقب إبرة.فما هو محلل في مكان محرم في مكان آخر، ومن لا يحق له أن يطال رموز ديننا في مكان يتمتع ببوليصة تأمين في مكان آخر، تعطيه الحق في قتل الطفل واستباحة المرأة، وتحويل الشيخ المقعد إلي كومة عظام محترقة!ما الذي فعلناه بأنفسنا كي نستحق كل هذا التقريع، وهذه اللامبالاة بأعز مقتنيات ذاكرتنا؟إن من تسامح مع شارون ورامسفيلد وشوارتسكوف لا يحق له أن يفتح فمه الآن، لأنه فرط بدينه ومحمده وسائر رموزه علنا، وجربناه قبل أن يجربه الآخرون، فالأسود نعامات عندما تأزف لحظة الاختبار وأصحاب الصوت الأعلي هامسون ومهذبون وذوو أنوف تلامس الأقدام عندما ينحنون!ما فعله رسام دنماركي في صحيفة محلية لا توزع أكثر من مائة وخمسين ألف نسخة، اعتداء وانتهاك يستحق الاعتذار لعدة مرات.. لكن ما فعله آخرون علي مسمع من الملأ، وعبر فضائيات يشاهدها مليارات البشر عومل بتسامح، وأحيانا كان الاعتذار من المعتدي عليهم، تماما كما يتوجب علي الدجاجة أن تعتذر للذئب لأن عظمة هشة من صدرها أزعجت حَلْقَه!إن عفن الدنمارك الشكسبيري لا يقارن بهذا العفن الكوكبي الذي لا يزكم أنوفنا فقط بل يصيبنا بأنفلونزا الذباب وليس الدجاج فقط!!0