غيوم ميسو
في آخر روايته وضع غيّوم ميسو ثبتا بالكتب والمقالات والأفلام التي استعان بها في كتابته. ذلك لا يتعلّق فقط بالأمكنة التي تنقّلت بينها أحداث الرواية، سواء في مناطق فرنسا أو في بلدين آخرين هما البندقية وبيروت، بل يصل أيضا إلى وقائع إجرامية وتبدّلات طقس خطرة وأحوال اقتصادية عامة ودور أزياء شهيرة وجمعيّات أهلية.. إلخ. قارئ الرواية، لكثرة ما يحتشد فيها من معلومات، يرى كما لو أنه كان حاضرا في زحمة السير في سنة 2021 (زمن أحداث الرواية) أو في الفترة التي أعقبت مباشرة انفجار الرابع من آب/أغسطس في بيروت. مع العلم أن الروائي غيوم ميسو لم يكن في بيروت معاينا خراب ما بعد الانفجار، ولا في البندقية حين حدثت فيها العاصفة التي كادت تسقط أبنية كثيرة منها. لقد أعفته من ذلك قصاصات أخذها من الصحف، كتبت في وقت ما كانت الأحداث ما تزال على سخونتها. هذه المشاهد المنقولة من أرشيفات الصحف صائبة في الغالب، إلا ما كان قد جرى تعديله بالنظر لاختلاف الزمن بين حدوثه واستخدامه روائيا، وقد أشار الروائيّ إلى ذلك في صفحة مَراجِعه. هي أخبار صائبة إذن، وصحيحة، لكنها غير كافية. ذاك أن الطابع الشخصي، أو الحدثي الذي أُدخل إليها، يبدو باردا وسريعا. يتعلّق ذلك أيضا بالجذاذات المأخوذة من كتب شعراء ومسرحيين وفلاسفة من سائرالعالم، تلك الجذاذات التي يوضع كل منها في مقدّمة كل من الفصول الأساسية، بل حتى الفصول الفرعية. وإذ جئنا لنحصي هذه الاستشهادات نجد أنها تفوق بكثير كل ما سبق وعمدت الكتب إلى اختياره والاحتفال به.
لكن لسبب ما يرى القارئ أن كل هذه المعرفة تقع في باب ما يسمى الثقافة العامة. وإنها باب إضافي في الكتاب إذ لا نجد أنفسنا في حاجة إلى أن نتيقّن ما إن كانت تلك الجملة التي وضعت في أعلى النصّ دالّة على فحواه أو مضيفة شيئا إلى معناه، كأن ما يسعى الكاتب غيّوم ميسو إلى إثباته هو أنه واسع الحضور في النطاق الجغرافي والزمني الذي تتنقل شخصيّاته فيه. وهو إلى ذلك ذكيّ ولمّاح، يضع بصمته على ما يصفه، وذلك كما في تعليقه على حركة بطله ماتياس حين أدار وجهه نحو أشعة الشمس «بحثا عن التجدّد (والنشاط) كما لو أن جسمه يعمل على الطاقة الشمسية». أو يكتب ميسو، في مكان آخر عن بطلة من بطلاته الكثيرات: «كان ثدياها منتفخين كما لو أن جنينها سيولد في خلال دقيقة ويبدأ الرضاعة» أو ربما كان غرض الكاتب من وضعه تلك الجمل المختارة في أعلى الفصول إشعار قارئيه، بأن روايته هي أعمق معنى مما تحمله الرواية البوليسية في العادة. وأحسب أن الرسوم التي تزيّن مطلع كلّ من الفصول، هي أيضا، إنما وضعت لتضيف التشكيل البصري إلى الرواية، وإن رأى القارئ أن التأمل في تلك الرسوم لن يغيّر كثيرا في مجرى قراءته. لكن ينبغي القول إنه أمكن لميسو أن يبقي هؤلاء مشدودين إلى عمله، بل إلى كل ما سبق من أعماله. «هو الروائي الأكثر قراءة في فرنسا منذ عشر سنوات» كما يرد في التعريف به على غلاف الكتاب الخلفي. وهو كثير الكتابة إذ أنه «بدأ التأليف خلال سنوات دراسته ولم يتوقّف منذ ذلك الحين». وفي التقديم له، بقلم كاتبين في «لو باريزيان، نقرأ أنه وضع في هذه الرواية كل موهبته، هو الذي «مرة جديدة، يظل حابساً أنفاسنا حتى نقلب الصفحة الأخيرة».
وهذا صحيح طالما أن الرواية الجديدة استُثمرت فيها تقنيات لم يتوقف الكاتب عن تطويرها. ليس من لحظة ملل واحدة في الرواية. إن بدا أن شيئا من ذلك بدأ يلوح، يسرع ميسو إلى حقن عمله بمعلومة مفاجئة أو بظهور غير متوقع لشخصية أخرى جديدة، لهذا لن تثبت الشخصيات في أحوالها التي سبقت. هم دائمو التغيّر، وهم جميعهم ملتبسون بالشك، طالما أننا لن نطمئن إلى بطولة من وضعته الرواية في مصاف البطل، وأن مَن كان طيّبا مسالما قد يمسي قاتلا. هؤلاء جميعا يتوزعون الحضور ويتسابقون على التقدّم إلى منصّته، ما يحتاجونه لذلك يكمن في قابلية كل منهم على أن يختلف عما كان عليه في حضوره الذي سبق، ولكي تحتمل الشخصيات هذا التبدل في أدوارها، ينبغي لها أن تكون سطحية الحضور، لا يلزمها نوع التعريف الذي قدّمه الكاتب لكل منها بأن تتطوّر انطلاقا منه. الممرضة أنجيليك شارفيه تتحول في أربعة أيام أو خمسة أيام، هي المدى الزمني الديناميكي لجريان الأحداث، إلى قاتلة ثم إلى غاوية، ثم إلى امرأة ثرية، ثم إلى قتيلة. أما ماتياس تايفر، الشرطي السابق والمحقّق، فيصيب فتى بالرصاص، ويُطعن هو بسكين، ويعشق، ويعاني من عدم جدوى الحياة، وذلك في المدة الزمنية نفسها.
رواية الفرنسي غيوم ميسو «أنجيليك» نقلتها إلى العربية سمر معتوق وصدرت عن منشورات نوفل في 270 صفحة، سنة الصدور 2023
كاتب لبناني