يتعجبُ العالمُ اليومَ من صمودِ غزة في وجه الإبادة الجماعية التي تحترف الصهيونية العالمية ممارستها منذ طوفان الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اليوم، مزاولةً أبشع الخطط والأساليب المسلحة بأعتى وسائل التدمير والمحو. وحين فشلت تلك الخطط في كسر إرادة الغزيين، اتبعت الصهيونية سياسة أخرى في الإبادة الجماعية هي الحصار والتجويع وبكل ما يعنيانه من حرمان وإرهاب وقتل متعمد. غير أنَّ من يعد إلى تاريخ مدينة غزة، فسيجد أنَّ صمودها ليس غريباً، بل هو شأنها في كل زمان. وكلما مرَّت النوائب وازدادت الشدائد، تعلمت غزة أكثر كيف تُديم نسغ الحياة فيها، مقاومةً من يريد تفريق شملها.
وفي تاريخ غزة القديم والحديث والمعاصر، أمثلة ومواقف كثيرة، دالة على ذلك. ومن خلالها نعرف أية أصالة تملكها غزة، وأي عنفوان تتحلى به، وأية قوة تجعلها بهذا الإباء الملحمي الجبار الذي يتجلى أكثر ما يتجلى وبشكل لافت في أوقات المحن ومخاضات الدواهي.
ولعلم الغزيين بمقدار الأطماع الاستعمارية في أرضهم منذ الأزل حتى اليوم، يحرصون دائما على تدوين تاريخ مدينتهم، مسجِّلين كل تفاصيل واقعهم الحياتي، محافظين بذلك على إرثهم. ومن خلال هذا كله، يوصلون الرسالة إلى الأجيال القادمة كي تسير على طريق الأجداد والآباء الذين ما فرطوا في بلادهم، لأن الأرض هي الحياة، والحياة هي الأرض.
ومن تواريخ غزة ما هو عام، ومنها ما هو شخصي، لكنها جميعا تعطي صورة دقيقة لما يحاك لهذه المدينة من مؤامرات، وما يراد بأهلها من مطامع وشرور استعمارية. ومن تلك التواريخ «تاريخ غزة» صدر عن مطبعة دار الأيتام الإسلامية في بيت المقدس عام 1943 لمؤلفه المؤرخ عارف العارف (1891- 1973) وكان يشغل آنذاك منصب قائم مقام غزة. ومن مؤلفاته الأخرى «القضاء بين البدو» و«تاريخ بئر السبع وقبائلها» و«المفصل في تاريخ القدس» و«تاريخ الحرم القدسي» و«الموجز في تاريخ عسقلان» و«نكبة فلسطين والفردوس المفقود» و«المسيحية في القدس».
وما يميز كتاب «تاريخ غزة» أنه شامل لأحوال هذه المدينة من أول الزمان حتى وقت تأليفه، مع التوثيق لتلك الأحوال بالخرائط والصور الفوتوغرافية والجداول الإحصائية والمصادر والمراجع التاريخية التي هي كثيرة جدا، ومنها مثلا كتب الأسفار العربية والأجنبية، والكتاب المقدس، وكتب التاريخ الإسلامي، ورحلة ابن بطوطة، وتاريخ الناصرة، وجغرافية فلسطين، وغير ذلك. وبلغت المصادر باللغة العربية أربعين مصدراً في حين بلغت المصادر باللغة التركية اثنين وثلاثين، وبالإنكليزية خمسة وعشرين، وبالفرنسية أربعة.
ومن دوافع تأليف «تاريخ غزة» ما كانت تعنيه السنوات التي سبقت نكبة عام 1948 من إرهاصات خطيرة بالتمدد الاستيطاني للصهاينة في فلسطين. هذا إلى جانب ما للمدينة نفسها من تميز على سائر المدائن «غزة مدينة تاريخية قديمة.. من أقدم المدن التي عرفها التاريخ. إنها ليست بنت قرن من القرون.. بل رفيقة العصور الفائتة كلها. من اليوم الذي سطَّر التاريخ فيه صحائفه الأولى إلى يومنا هذا» ص7. أما هدف المؤلف من تدوين هذا التاريخ، فهو الوحدة العربية والاستقلال اللذان بهما تتأكد الأصالة في عشق الأرض. هذا العشق الذي جعل عارف العارف لا يقتصر على تدوين الوقائع حسب، بل أيضا تقديم دراسات انثوغرافية وانثروبولوجية وجغرافية وديموغرافية وجمالية لمدينة غزة وأهلها.
يبتدئ «تاريخ غزة» من تلك المرحلة التي فيها أنشئت قبل ثلاثة آلاف سنة، اعتماداً على ما تشير إليه الاكتشافات الحديثة التي تؤكد أن القسم القديم من غزة الحالية هو المكان الذي قامت فيه غزة القديمة في عهد الفلسطينيين من القرن السادس إلى القرن الثاني قبل الميلاد. وأنَّ الفلسطينيين هم من قطن غزة (ويظن أنها دخلت في حوزتهم قبل زمن إبراهيم أي منذ نحو 40 قرنا واتخذوها حصنا منيعا). والفلسطينيون هم من أعطوا المدينة اسمها الحالي، وكان لهم فيها ملك ضخم ومدينة زاهرة عاشت ردحاً من الدهر. وتعاقبت الأقوام على بناء غزة بدءاً من المعينيين والسبئيين ثم الكنعانيين الذين هم من نسل حام، ويرجع نسبهم إلى العمالقة، هاجروا من الجزيرة العربية وسكنوا فلسطين. وعنهم أخذ بنو إسرائيل الزراعة وصناعة الفخار والنسيج. غير أن هؤلاء الإسرائيليين بعد حين من الزمان حاربوا الفلسطينيين، وظل النزاع قائما بينهم إلى أن تمكنوا من استلاب الحكم في عهد داود وسليمان.
ولأن غزة حلقة وصل بين مصر والشام، كانت لها أهمية عسكرية في التاريخ القديم «وهذا ما جعلها تقاسي الآلام والأهوال سنين طويلة تحت سنابك خيل الفاتحين.. لأن الاستيلاء على غزة معناه السيطرة على طرق الحرب والتجارة بين آسيا وأفريقيا) ص19. ولهذا السبب تعلَّمَ السكان حفر الأنفاق. ولقد عثرت إحدى حملات التنقيب على نفق طويل بطول 500 قدم يبدأ من باب المدينة وينتهي في الخلاء. ويظهر أنه حُفر خصيصاً ليتمكن السكان بواسطته من الخلاص فيما إذا ألمت بمدينتهم كارثة أو حوصرت.
وعادة ما يدعم المؤلف الحوادث التاريخية بذكر نصوص من أسفار العهد القديم، تؤكد كره بني إسرائيل لمدينة غزة وأهلها. فقد جاء في الإصحاح الثاني من سفر صفنيا ما يأتي: «إنَّ غزة تكون متروكة، واثقلون للخراب، وأشدود عند الظهيرة يطردونها وعقرون تستأصل. ويل لسكان ساحل البحر أمة كريتين كلمة الرب عليكم يا كنعان أرض الفلسطينيين اني أُخربكِ بلا ساكن» ص15.
ووقف العارف مطولاً عند حكاية شمشون الإسرائيلي ودليلة الغزية، وكيف أنها ساعدت أهل غزة على أسره، إلا إنه قتل نفسه، وقتل معه كثيراً من أعدائها الفلسطينيين. وبسبب هذا قال قولته التي صارت مثلا: «بي وبأعدائي يا رب».
وقدِّم المؤلف وقائع كثيرة تدل على العلاقة المتينة بين الجزيرة العربية وغزة، وأنَّ العرب كانوا يمرون بها في رحلاتهم التجارية في الصيف والشتاء حتى أنَّ هاشم بن عبد مناف جد الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام كان قد توفاه الله فيها خلال إحدى رحلات الصيف. ولذلك سُميت (غزة هاشم) وعنها قال صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن سكن إحدى العروسين غزة وعسقلان».
وفي العصر الحديث، تكالبت الأطماع الاستعمارية على غزة، فاحتلها نابليون عام 1799 ولكن الفلسطينيين صمدوا، ولم يتركوا أرضهم في حين غادر الشطر الأكبر من اليهود إلى مصر، وظل كنيسهم مهجورا. وفي عام 1880 ابتدأوا بالعودة إلى غزة من جديد، قاطنين أحياءً معينة منها، وكانوا معروفين بممارسة تجارة الحنظل.
وخصص المؤلف عارف العارف القسم الثاني من كتابه لغزة المعاصرة، وسجَّل كل تفصيلة من تفاصيل الحياة فيها. وقدَّم دراسات عن حدائقها وأسواقها وشوارعها ومدارسها ومقابرها ومزروعاتها وصادراتها من الزيتون والأسماك وغيرها. وذكر طبيعة أهلها ولغاتهم وأخلاقهم وأعيادهم مع إحصائيات بعدد التلاميذ والمعلمين والموظفين من عام 1927 إلى 1943 وإحصائيات أخرى بالواردات والمصروفات، وحالات الزواج والطلاق، وموظفي المجلس البلدي، وعدد المستعمرات اليهودية، وأسمائها، وسنة تأسيسها، ومساحاتها بالدونم، وعدد قاطنيها.
وركز المؤلف بشكل مقصود على مقارنة عدد السكان العرب المسلمين بعدد اليهود الذين كان تعدادهم عند إعلان الدستور العثماني عام 1908 مئة وستة وعشرين ألفا فقط. وفي عام 1918 استوطنت ثلاثون عائلة في حارات الران إلى أن وضع هرتزل الفكرة الصهيونية موضع العمل بصدور وعد بلفور المشؤوم، ومن بعدها أخذ عدد المستوطنات يزداد تدريجياً.
وما لا شك فيه أنَّ ثمة تواريخ جديدة لغزة، يدونها الآن أبناؤها لتكون وثيقةً من وثائق إدانة الإمبريالية العالمية وربيبتها الصهيونية التوسعية التي تواجه اليوم ما لم تواجهه سابقاً من رفضٍ واستنكارٍ. لتظل غزة عزيزةً على أهلها، عصيةً على أعدائها.
*كاتبة من العراق