اسيا العتروسننظر الى المشهد الدولي وما يتخلله من تخاذل وتردد وتجاهل معلن ازاء القضية الفلسطينية، وننظر الى الوهن في الجسد العربي العليل، فيعترينا احساس رهيب بتراجع القضية وضياعها، ولكن نتطلع الى السواد الاعظم من الشعب الفلسطيني في معاناته اليومية مع الاحتلال وتمسكه بارضه واصراره على البقاء، رغم كل محاولات الترهيب والترحيل الجماعي، فيعترينا احساس مضاد بان هذه القضية لا يمكن ان تكون الى زوال طالما بقي هذا الشعب، فلم يسبق للتاريخ ان سجل بقاء الاحتلال الى ما لانهاية او رضاء الشعوب المحتلة بالهوان ايضا الى ما لا نهاية.
على ان هذه القناعة تدفعنا الى طرح مسألتين اساسيتين حتى الان قد يكون لهما دور في تراجع موقع القضية في عدد من المحافل الدولية والاقليمية.
اما المسألة الاولى فتتعلق بالمعركة القضائية التي مع الاسف وقع اهمالها وتجاهلها في اكثر من مناسبة، وعندما اشير الى هذا الجانب فلست اود بأي حال من الاحوال العودة الى عشرات القرارات الاممية الصادرة على مدى اكثر من ستة عقود حتى الان في الشأن الفلسطيني، سواء تعلق الامر بما يصدر من قرارات عن الجمعية العامة، وهي القرارات غير الملزمة او تلك الصادرة عن مجلس الامن الدولي، التي ظلت في مجملها مجرد حبر على ورق.
الغي القرار الذي يوازي الصهيونية بالعنصرية واستمرت سياسة الاحتلال العنصرية. وحتى لا ندخل في متاهات القانون الدولي ولا نعود بالتالي الى امثلة قد تبدو لنا بعيدة، سنتوقف عند حدود احدث مثالين في هذا الشأن، واقصد بذلك اولا القرار الاممي 3379 الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 1975 عن الجمعية العامة للامم المتحدة بتأييد اغلبية 75 دولة ومعارضة 35 وامتناع 32 عن التصويت، والذي نص صراحة على ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز تماما، كما كان الحال مع نظام الابارتهايد في جنوب افريقيا، خلال حكم الاقلية من البيض، واشار القرار صراحة ‘الى ان الجمعية العامة للامم المتحدة تقرر ان الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري’، واشار القرار كذلك بوضوح الى اعلان الامم المتحدة القضاء على جميع اشكال التمييز العنصري، وادان الصهيونية باعتبارها تهديدا للسلم والامن العالميين، ولا نكشف سرا عندما نقول ان هذا القرار احرج الاسرائيليين كثيرا، ولكنه اغضب حلفاءها الغربيين، ولاسيما الكونغرس الامريكي واعضاؤه ممن لم يدخروا جهدا وعملوا على مدى سنوات وفق حملة دعائية منظمة ومستمرة على اسقاطه والغائه، بعد ان اوعزوا للاسرائيليين بربط قبول المشاركة في مؤتمر مدريد بالغاء هذا القرار، وهو ما حدث فعلا في كانون الاول/ديسمبر 1991 بموجب القرار 8646 . وباسم النظام العالمي الجديد جاء قرار الالغاء في سطر واحد، وقد صاغه نائب وزير الخارجية الامريكي لورانس ايغلبرغ انذاك وقد اشار بجرة قلم الى ما يلي ‘تقرر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها 3379’ وفشلت بذلك جهود اللجنة العربية التي تشكلت للدفاع عن القرار الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، وفي المقابل لم تتخل اسرائيل عن ممارساتها وسياساتها وقوانينها الغارقة في العنصرية، والامثلة كثيرة على ذلك سواء تعلق الامر بالتمييز الحاصل بشأن اليهود الاشكناز الغربيين او اليهود السفرديم الشرقيين واصرار العقلية الاسرائيلية المتطرفة على الفصل بينهما في المدارس، سواء تعلق الامر باكثر من مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني داخل الخط الاخضر ممن يعتبرون مواطنين من درجة متدنية ويتعرضون لكل انواع التمييز والضغوطات التي تتنزل في اطار القتل البطيء والدفع باتجاه التهجير والترحيل، وقد جاء الشرط الاسرائيلي الذي ربط العودة للمفاوضات بقبول مبدأ يهودية اسرائيل ليسقط ما بقي من قناعات تتخفى خلفه السلطات الاسرائيلية المتعاقبة لكشف توجهاتها الحقيقية بشأن مفهوم السلام الذي تريده اسرائيل، وهو سلام على مقاس الاحتلال يضمن له الارض والسلام معا، ويعلن بالتالي الغاء حق العودة والاعتراف بحقوق المهجرين اللذين اقرهما قرار الامم المتحدة رقم 194. والحقيقة انه بالغاء هذا القرار يتضح الى أي مدى ان الامم المتحدة والشرعية الدولية قابلة للابتزاز والتطويع وفقا لمصالح اسرائيل الاستراتيجية وليس العكس.
محكمة لاهاي وجدار العاراما المعركة الثانية القانونية التي شكلت تراجعا ميدانيا خطيرا للقضية الفلسطينية واكدت تآكل موقعها في المحافل الدولية والاقليمية، فهي تلك المتعلقة بقرار محكمة لاهاي القاضي بعدم شرعية جدار الفصل العنصري، وقد مرت قبل شهرين الذكرى السادسة لقرار محكمة العدل الدولية بلاهاي، وهو القرار الذي جاء بعد ان اجهضت واشنطن صدور قرار مماثل عن مجلس الامن الدولي ضد بناء الجدار من خلال الفيتو في 14 تشرين الاول/اكتوبر 2003 ما دفع الجمعية العامة الى اتخاذ قرار بطلب الرأي الاستشاري للمحكمة، وتوصلت الى انه يتعارض مع القانون الدولي وطالبت بالتالي ‘اسرائيل بوقف اعمال التشييد فورا والغاء جميع القوانين واللوائح التشريعية والتعويض للمتضررين’، بعد ان اضر الجدار بحياة الفلسطينيين من خلال مصادرة الاراضي الزراعية والمحلات والبيوت، وحتى الان فان التداعيات والمخاطر التي فرضها الجدار على الاهالي تسببت في العديد من المآسي الانسانية وفرقت الكثير من العائلات وحرمت الالاف من الوصول الى مواقع رزقهم، كما منعت طلاب العلم من الوصول الى جامعاتهم ومدارسهم وقضت على الكثير من الابار والاشجار وحرمت المزارعين من خيرات اراضيهم ودفعت بهم للبحث عن الهجرة او العمل في المستوطنات. ومن هنا فان الاشارة الى صدور القرار الخاص بمحكمة لاهاي بعد الغاء القانون الخاص بعنصرية الدولة الاسرائيلية يمكن اعتباره مكسبا قانونيا لا يستهان به وقد يتحقق باجماع دولي وفيه تجسد دعم مزدوج مهم وهو دعم معنوي وسياسي للمفاوض الفلسطيني ازاء قوى الاحتلال، ولكن المؤسف مرة اخرى ان هذا القرار بدوره يوشك ان يضيع كما ضاعت قرارات اخرى سابقة لاسباب كثيرة مرتبطة بضعف وترهل الموقف العربي والفلسطيني في المحافل الاقليمية والدولية التي زادها الانقسام الحاصل بين الفلسطينيين مهانة على مهانة.
كيف خسرنا المعركة الاعلاميةاما المحورالثاني من هذا التقييم فهو يتعلق بمعركة لا تقل اهمية وهي المعركة الاعلامية الركيزة الاساسية في الدفاع عن القضايا والحقوق الانسانية في كل معركة سياسية او دبلوماسية او عسكرية، في ظل التطور التكنولوجي السائد وفي ظل الثورة الحاصلة في سرعة نقل المعلومة، بحيث لم يعد الكشف، عما يرتكب من جرائم ضد الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، امرا يمكن ان يحدث من دون ان يقف على خطورته العالم، وفي اعتقادي انه اذا خسرنا هذه المعركة فقد خسرنا نصف حقوقنا، والمؤسف فعلا ان الاعلام العربي ظل حتى الان يخاطب نفسه معتقدا وهو على خطأ انه بذلك قادر على بلوغ اسماع الاخرين، طبعا نحن لسنا في اطار محاكمة النوايا ولا حتى في محاولة جلد الذات، ولكن الواقع ان اعلامنا العربي مع بعض الاستثناءات ظل غائبا او مغيبا عن القضايا المصيرية، وهو بدون مبالغة لم ينجح حتى الان في استمالة الرأي العام الاجنبي او حتى في كسبه عندما يتعلق الامر بقضاياه الاكثر عدالة وشرعية.
قد لا يختلف اثنان بانه لا احد يحتاج اليوم لمن يقنعه بعدالة وشرعية القضية الفلسطينية وبحق اصحابها الذي اقرته مختلف الشرائع والقوانين في تقريرالمصير، ومع ذلك فان الخطاب الاعلامي لا يزال غير قادر على تجاوز دائرة محيطه الضيق ليسقط في احيان كثيرة في متاهات خطيرة ولعبة دنيئة تذهب الى حد نشر الغسيل على الهواء، وكان في تبادل الاتهامات والشتائم ما سيساعد على حل القضايا والتمهيد للحوار المثمر بين اصحاب القضية الواحدة، وكلنا يعلم ان هناك اليوم نحو خمسمئة فضائية عربية تتنافس في اصدار الفتاوى ونشر الجهل والتخلف بين الناس وتسعى للضحك على العقول وتغييب الرأي والحكمة، وعلى سبيل الذكر لا الحصر استرجع عند هذا الحد جريمة اغتيال الطفل الشهيد محمد الدرة، وهي وان لم تكن الاولى من نوعها في سجل جرائم الاحتلال فانها الاولى التي تلقاها الاعلام الغربي بتلك السرعة لتتحول وفي غضون لحظات الى لعنة تلاحق القوات الاسرائيلية، ما احرج القيادات الاسرائيلية انذاك ودفع الحكومة الاسرائيلية الى تعبئة قنواتها والتحرك لوقف التداعيات الخطيرة لتلك الجريمة على صورتها المتدهورة في العالم، ومرة اخرى تنجح الدعاية الاسرائيلية في تحقيق الاختراق وتتوصل السلطات الاسرائيلية بطريقة غريبة الى تغييب تلك الصورة من على الشاشات العربية وحتى الغربية بدعوى انها تساعد في اذكاء الاحقاد والكراهية ومعاداة السامية، واكثر من ذلك فقد لجأت اسرائيل الى نفس السلاح الاعلامي، وعمدت من خلال مواقع غربية واساسا في المانيا الى محاولة قلب الحقائق والترويج للجريمة بحساب المليمتر على انها من اقتراف الفلسطينيين انفسهم وليست جريمة اسرائيلية، على ان المهم في كل ذلك ان الجريمة التي اهتز لها الضمير العالمي تراجعت واختفت ولم تعد مصدر احراج للذاكرة البشرية، ولا حتى للجيش الاسرائيلي، وهذا المثال ليس سوى واحد من امثلة متعددة عن الجرائم الاسرائيلية الحديثة، بما يعني ان الخطاب الاعلامي وسلاح الاعلام العربي اليوم يحتاج الى اكثر من عملية صقل وخلاص من عدد من الرواسب والعقد التي تكبله وتجعله ابعد ما يكون عن موقع السلطة الرابعة ليترنح في اسفل الترتيبات بين مختلف تصنيفات الاعلام العالمي.. اعود من هنا الى نقطة البداية واتساءل ان كان بامكاننا ونحن جالسون هنا بعيدا عن كل ما يتعرض له الفلسطينيون ان نتحدث عن الوقائع والبدائل المطروحةن واسمحوا لي ان اشارككم في تجربة شخصية خلال رحلة قصيرة نسبيا الى فلسطين، وتحديدا الى الضفة الغربية، ولكنها رحلة حافلة بالذكريات التي ترفض ان تلفضها الذاكرة، واشير هنا الى ان الحديث عن تلك التجربة لا يتنزل في اطار السقوط في ذلك الجدل العقيم حول ما تبثه بعض الفضائيات من فتاوى تحرم وتجرم زيارة فلسطين، وما يعتبره البعض شكلا من اشكال التطبيع واختراق العقول ولا حتى الترويج لموقف السلطة الفلسطينية في هذا الشأن بان زيارة السجين ليست تطبيعا مع السجانن فالامر اكبر وابعد واعمق من كل ذلك. وما يمكن لزائر فلسطين ان يلمسه مباشرة لدى اهلها من مختلف الفئات والانتماءات الاجتماعية، لا يشبه بأي حال من الاحوال ما تنقله الاخبار والتقارير وتصريحات السياسيين والمتنافسين في شيء، ولعل الاهم ان هناك على تلك الارض قوة بشرية صامدة متمسكة بالارض ترفض التخلي عما بقي هناك من جذور تصنع لنفسها كل يوم من سبب من اجل الحياة تنحت من الصخر وجودها وتحول ضعفها الى قوة ومصدر للبقاء والاستمرار… لم احرص خلال تلك الزيارة على مقابلة المسؤولين الرسميين بقدر ما حرصت على التواصل مع عموم الناس على الحواجز والمعابر والمخيمات والملاجئ، هناك ستحدثك عيون الطفولة في المخيمات عن معنى الحرمان، ملابس لا تخفي من الجسد شيئا، وهم في الطريق الى المدارس، وهناك ستحدثك الثكالى وامهات الشهداء وخنساوات فلسطين وهن كثيرات عن رحلاتهن مع مآسي الاحتلال الذي خطف احلامهن وصادر امالهن وقتل فلذات اكبادهن واسر من بقي منهم في السجون والمعتقلات، وهناك ايضا ستعيش احتفالاتهم التي لا تتوقف مع كل زواج او ولادة طفل فلسطيني جديد، وستعجب لقدرة هذا الشعب على التحمل والصبر والسخرية من الاقدار والتعامل مع واقع لم يترك لهم من اختيار في الحياة، فتراهم يشيعون شهداءهم ويعودون للحياة باصرار مثير على البقاء والتكاثر حتى بات العدو يخصص لذلك الخبراء والاخصائيين لكشف رموز هذا السر الذي استعصى عليه… مر عيد الاضحى وكأن لم يكن فلا شيء كان يشغل الناس غير اخبار صفقة الاسرى في تلك الفترة، وحلم عودة الابناء الغائبين والامل المتجدد في النفوس بقرب التئام الشمل.. لهذه الاسباب ولغيرها ايضا وهي اسباب من شأنها ان تؤكد ان المقاومة الشعبية لم تتوقف وانها مستمرة هناك في نعلين وبلعين، حيث يلتقي الناشطون من مختلف انحاء العالم كل اسبوع للتظاهر ضد الجدار، في ملحمة شعبية مستمرة لا يقرأ حروفها الا من حمل في داخله حب الارض مجسدة في صورة ام وقفت للتصدى للدبابة بجسدها غير ابهة لتهديدات الجندين فلم ترهب الموت وهي تواري شجرة الزيتون وتمنع الجندي من اقتلاعها، واخرى تطلق الزغاريد وهي تعد الشهيد الرابع من ابنائها للوداع الاخير، وكأنها تستعد لزفافه وبينها صورة ذلك الشيخ وهو يمسك يد حفيده ويشير الى بيته الذي لا يفصله عنه سوى بضعة امتار ولكنه مضطر لقطع اميال من الطرق الالتفافية بسبب الجدار، وهي ايضا صورة بعض من شبان اسرائيليين من اليسار تجمعوا في بلعين الى جانب المتظاهرين الفلسطينيين مطالبين بازالة الجدار، وكذلك صورة زوجين امريكيين جاءا خصيصا لمشاركة الاهالي مظاهرتهم الاسبوعية واعلان رفضهم سياسة المعايير المزدوجة التي تعتمدها بلادهم مع الاحتلال، وهي ايضا صورة ناشطة امريكية قد تجاوزت الستين لم تمنعها ساقها المصابة من الوصول الى موقع الجدار. اما القدس فتلك حكاية اخرى مع جموع المرابطين الذين سخروا انفسهم داخل الاقصى لحمايته من المتطرفين، بين هؤلاء جميعا تطفو صور وتغيب اخرى لتذكرنا بتلك المقولة الشهيرة، ‘ما ضاع حق وراءه مطالب’ وان التاريخ قد سجل ان كل احتلال الى زوال مهما طال.. فهل نكون اقل من هؤلاء؟’ اعلامية تونسية [email protected]