‘ فينيسيا وأهوار العراق’ معرض عراقي ايطالي مشترك:
محمد حمدي بغداد ـ الممكن واللا ممكن جدلية الحياة ومعادلة المستحيل التي تهب لنفسها فرصة ان تكون بأي زمان ومكان فالمهم ان نرى ما قد نحس بانه عالم من الاحلام كان حقيقة ماثلة في يوم من الايام وبتنا لا نعي الوجود فيه وان كان عمره الازل وحكايته ارض ومياه وكلكامش معجزة الاجيال وارض الخلود وبئر الحياة الذي لا يعرف النضوب اليه من سبيل، هكذا تختصر عدسة الجيزاني انين الهور ولهاثه خلف حياة يريد ان يستعيد منها اي شيء ملموس ومحسوس وليس من مجرد ذكرى ماثلة كذكرى المغامر كلكامش. تظلمات لطبيعة وبيئة لا تريد الا ان تعود لسابق عهدها قبل ان يحكم عليها بالجفاف لاغراض سياسية هي اشد ما تكون بعيدة عنها، ولا تمت اليها بصلة قرابة او صداقة فالهور مستنقع هائل للحياة والامل ولم يكن يوما غير ذلك شعاره الحياة وصفته النقاء والجمال. هكذا هو كفينيسيا ( البندقية)، فلماذا تتألق هي ويحكم هو بالجفاف والموت؟ بهذا التساؤل المستحق يستهل الجيزاني مرافعته القضائية في معرض فني أراد له ان يكون قاعة محكمة لمن يريد ان يكون منصفا. شيء من التفصيل* لماذا المشاركة؟ وما الغاية من شروحات وتداخلات بعدسة ايطالية تشارك الفنان العراقي المغترب احسان الجيزاني موضوعته البيئية السياسية معا؟ * يبتدىء الجيزاني موضحا بالقول ـ ان المعرض الذي حمل عنوان ‘ فينيسيا واهوار العراق’ جرى الاعداد له منذ ما يزيد عن سنتين من الزمن، واثناء زيارتي الاخيرة للعراق التي اردت ان اقيم ما تم انجازه بعد خمس سنوات من زوال الرعب والكابوس الذي وقف عائقا امام اي بادرة للحياة، الحياة التي ارى في الهور صورة لها وقد حكم عليه بالاعدام تجفيفا حد التصحر والموت البيئي. اردت ان ارى كيف وقف معه المنادون بعودة الحياة اليه، فكانت الصدمة المروعة هي ما ترى في صور المعرض التي نقلت بها واقعا عن الهور وما يعيشه حتى اللحظة من نسيان مفرط ووعود وردية لم تعرف طريقها الى التنفيذ والعلن في يوم من الايام الى الحد الذي دفع بالمشحوف ان يدير ظهره خجلا من مواجهة الاخرين كما تشاهد في هذه القوارب المنقلبة رأسا على عقب. * ولكنك سبقت هذا المعرض بعمل مشابه؟* نعم انه معرض ‘ البيئة واهوار العراق’ الذي اقيم في مدينة ( صلوا) الاسبانية ونقلت فيه جانبا من معاناة وآهات اهالي الاهوار، السكان الاصليين لمدن المستنقعات العائمة في هذه البقعة المائية الازلية من العراق، وتبعته بفيلم وثائقي اسمه ‘ الجذور’، حاولت ان ألخص فيه السنوات الاخيرة قبيل تجفيف الاهوار وقتل كل صور الحياة فيها من قبل نظام استبدادي حمل شعار الموت والخراب الى الابد حتى آخر يوم لفظ فيه انفاسه المقيتة وربما بعد موته ايضا. هي رسالة الى العالم اجمع حيث ارى جدوى مهمة ومتابعة حقيقية لكل ما يخص البيئة من اطراف عالمية عديدة فلتكن التفاتة شبيهة بحملة تلك الجيوش الجرارة التي اتت بين ليلة وضحاها الى العراق اجمع من اجل البيئة والدمار الشامل كما يدعون لتكن حملة لانقاذ البيئة العظيمة في العراق ايضا عبر مناشدتي لإحياء الاهوار مجددا. * وهل لمست بعملك قطرات اضافية اطفأت عطش الهور؟ * لا فالهور وأهله يزداد وضعهم سوءا مع تقادم الايام فليس هناك تعويض يذكر او سؤال من احد او حتى بادرة لانعاش المستنقعات مجددا مع كل ما ينضح اعلاميا على انه خطط طموحة، فالحقيقة هي الجفاف القابع على هذه البيئة والتشريد الذي يتعرض له اهلها فهم مثل اسماك الهور لا يقوون على العيش خارج اجوائهم المعتادة. والادهى انهم اصبحوا نهما للدعاية الانتخابية واساليب الضغط المبطنة بهم، يربح بهم الاخرون برهاناتهم ويخسرون لانهم الافضل والاكثر تماسكا وتمسكا بعراقهم ومائهم وهذا هو فحوى الرسالة التي اريد للعالم ان يطلع على اسرارها. والاكثر ايلاما ان التاريخ يعيد نفسه بنفسه في كل حقبة وحكم وتبادل لأسطح العجلة الزمنية وان تكن مشكلة التجفيف هي الاخطر والاكبر في كل الازمنة الغابرة.* ارى شقوقا عظيمة وزوارق جاثمة على الارض من جانب فيما تناقض المنظر بصور اخرى لنساء عاملات على اطلال وخرائب واحلام بعودة المياه فما اوجه المعادلة؟ * تعودت ان اذكر واطرح التساؤل تلو الآخر فالشقوق القاتمة تريد ان يسد ثغرها بمن يجيب عن كل تلك العلامات الاستفهامية الزمنية الهائمة في جواب مبهم وحروف لا تلتقي بيد واحدة تؤالف فهم ممزقون متناحرون شرّ ممزق ولو ادركو لساعة واحدة ان الهور والمياه لهم لراحوا يواصلون الليل بالنهار من اجل هذا الهدف الاسمى حتى تغور الثغور ويرتفع القارب عائما الى وضعه الطبيعي. كل ذلك ممكن وممكن وليس بالمستحيل مع هذه المرأة القوية التي اردت ان اذكر بانها الحياة وسر بقاء كلكامش، بل هي الحقيقة الموقنة بعودة الحلم الى عالم الحقيقة وهذا موثق في عدستي الى درجة عظيمة وقد التقطته خلال زياراتي المتكررة الى الوطن، اقول الوطن وادرك ان العبارة غير مكتملة بالمرة فأنا ارى في الهور واهله اساس البنيان وزاويته القائمة، فما الفائدة إن اهتز البنيان الى درجة الموت؟ ما الذي يعنيه القبر لإنسان حي؟ بقي لي ان اوضح الجدوى من المقارنة بالاعتماد على المشاركة مع الفنان الايطالي انطونيو سانتيورا الفنان الفوتوغرافي العريق بأعماله وصاحب الجوائز العالمية الكثيرة والاعمال الرائدة في فن الفوتوغراف ورئيس نادي كاميرا 66 والمقيم في المانيا ايضا، فقد استهوتني فكرته الداعمة لمدينة فينيسيا العائمة على الماء مثل قرى اهوار العراق فقد تحدث لي يوما عن خطر محدق بفينيسيا ينذر بغرقها بعد خمسين عاما او خرابها بصورة او بأخرى، فكانت المبادرة ان تولت الحكومة الايطالية ومن يدعمها ترميم الابنية العتيقة السياحية وصيانتها الى ما يديمها مئات الاعوام باستجابة سريعة توازي ما لهذه المدينة من اهمية تاريخية وسياحية وصورة متجددة تجسدها صور الفنان الايطالي بأزياء زاهية جلها تنكرية وأوجه مختلفة وزوارق غريبة تحاكي حضارات العالم بكرم جميل واذرع مفتوحة للصداقة والحب، ابنية جميلة وجسور متألقة تجعلك تقرّ بالعرفان والجميل لذلك الاهتمام الذي يعطي فينيسيا وشاحا من النور تتبختر به متألقة هي وسكانها، بل وكل ايطاليا لوجود هذه الجوهرة التاريخية المشعة. اعود معه بذات المعرض وذات الصور التي تشعرك بمدى فداحة الخطب في فينيسيا الشرق، الاهوار العراقية وقراها العائمة، التي حوربت وطويت قسرا لتزول الى الابد من دون ان تظهر اي لمسة لاهتمام يشعرنا بذات الفخر الذي يشعر به سكان فينيسيا مع كل ذلك التشابه الكبير في البيئة بين الاثنين وهذه الصور تحاكي واقع المقارنة المأساوي. وما اريده ان تأخذ المقارنة مداها الى ابعد الحدود. بصراحة هي مسألة حياة وموت أعكسها بما استطيع. * تقحم نفسك في اتون السياسة اكثر من الفن او هكذا يعرف عنك في بغداد على اقل تقدير؟ * افهم كل ذلك التحسس من كلمة سياسة وادرك فداحة كلمة سياسي إبان الحقبة الديكتاتورية فقد كنت احد ضحايا طرح الآراء التي تخص الرأي العام حول البيئة والتعليم وحقوق الانسان، ولم اكن حينها اطمح إلى إحداث انقلاب جمهوري او الحصول على مناصب ادارية حكومية، ولكن للفن رسالة اراها بعدستي واصوغها قضية ولا زلت اجسد هذا المبدأ بكل حذافيره فدعوتي للحياة مستمرة لأهوار العراق. هي دعوة لاعادة الحياة لآلاف العراقيين البسطاء الذين اعتادوا العيش في المستنقعات منذ الازل. التاريخ يتحدث بتفاصيل موغلة في القدم عن الاهوار ومياهها ونباتاتها وحيواناتها وكل شيء عنها، فلماذا تجفف وتحرق وتستحيل الى صحارى قاحلة؟ بالمناسبة فان الكثير يظنون ان ما املكه من اندفاع وربما يسميها البعض وطنية هو نتاج انتماء او ارتماء الى جهة اية جهة ساندة لي والحقيقة كما يعلمها الجميع هي غير ذلك بالمرة فأعمالي خالصة لي لمجهودي وعقلي وارادتي لا غير، ولو تتبعت اعمالي المتتالية منذ عام 2001 الى اليوم لوجدت موضوعتها الطفولة في العراق، وآثار العراق المسروقة ونخيل العراق وكلها مادة حية للارض والانسان والهوية اقمتها في العراق وفي الغربة حاجة على حد سواء وانا ماض في موضوعتي بذات النهج والاتجاه.* افهم ان الفن قضية وهذا ما تجسده اعمالك الفوتوغرافية التي لا تحتاج الى تعليق فقط اذكرك بعمل آخر هو ( الجنون ) تحديدا لماذا الجنون بهذه الصور؟ ولماذا هذه الزوايا المعتمة؟ * الحقيقة الوحيدة من هذه الاعمال هو الجنون والغرائبية في كل شيء، فالمدينة هي المدينة والشارع ذات الشارع ذات الارض، وما هو غير طبيعي بين ذلك الانسان بصورة الجنون العقل الذي لا يوازى ولا يقوى على فهم واستعاب ما يحصل بدليل الجنوح نحو الجنون مرغما على الموت بلا سبب والفقر وسط الغنى، في عينه الامان بين انياب مفترسة. الحب في عالم الكراهية والاحقاد كيف لذلك ان يجتمع في ارجاء مجنونة صاخبة في عالم من الجنون الابدي؟ صورة لواقع لم اكن اتمنى ان اسمع عنه فكيف بي اشاهده حقيقة ماثلة؟ هذا هو الجانب المعتم والزوايا المظلمة وتلكم صور الجنون في المدينة. * اعود الى معارضك المشتركة مع فنانين اجانب وأسأل عن مدى النجاح المتحقق؟ * القصد هو تجربتي السابقة مع الفنانة الالمانية بربارا كايز في قاعة بيشهوف في مدينة شتوتغرت الالمانية وجاء بعنوان ‘ عراق الماضي والحاضر’ وهو فريد من نوعه لمزجه صورا قديمة نادرة بعدسة اجنبية عن العراق بأخرى حديثة متاحة بعدستي انا، تختصر الفنانة بربارة اجمل لحظات حياتها صورا من حقبة تاريخية قديمة وناصعة في العراق مطلع ستينيات القرن المنصرم إبان حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في العراق، فقد كانت تعمل مدرّسة للموسيقى وزارت العراق آنذاك لاجل افتتاح اول معهد للموسيقى في العراق لتجد نفسها وقد استقرت لفترة عامين. لقد اعجبتها عذوبة الاماكن وصفاء القلوب الامنة فراحت توثق ضحكات الاطفال وألعابهم وخجل النساء وتسامحهن في بيئة من الريف والمدينة معا اسهبت في سرد قصة من الصور لمقاهي بغداد وازقتها القديمة وصنعاتها اليدوية، فكانت اعمالها اقرب الى لوحات رسم تشكيلية مختارة بعناية فائقة وهو ما أضاف الى المعرض الشيء الكثير من عناصر النجاح. اما لوحات الحاضر فكانت عن معاناة الكهولة والطفولة والمرأة معا في عراق حاضر نسف كل صور الماضي الجميلة باخرى للعنف والدمار والحروب الرعناء. مات الزرع والضرع معا وانهكت الطفولة قبل الشيخوخة بزمن بعيد. المدينة ليست المدينة والنهر والبستان غادر لونه وطعمه ورائحته. انني اربط بلغتي المستقبل من زاوية معاكسة واتمنى للمستقبل ان يكون زاهيا فهذه الصور النشاز ليست هي ما نريد ونطلب. يوما ما ستعود الطفولة ويعود الامن والرخاء ويتخرق ثوب الصبر بعد ان جنينا ثمار الصبر الطويل الموحش. لقد رأيت ولمست النجاح من جميع الاتجاهات الى درجة تفوق الوصف. * وهل سيدفعك النجاح الى تجارب اخرى؟ * الكاميرا جهاز تنفس احمله بيدي دوما وفي العراق يتقد ليكون في قمة العطاء والكثير يشاركني توجهي هذا، وما زلت ارى في الجعبة مزيدا من السهام بحاجة إلى ان اطلقها بنفسي وتلك التي يطلقها الاخرون معي سهام للحياة والامل وايقاد جذوة العمل في روح من لديهم القدرة على التغيير. سترون الجيزاني في البصرة وكركوك والموصل وبغداد وفي اي شبر اراه بعدستي ويعز على قلبي ألا اراه الا الاجمل. وعلى فكرة احببت ان اقول ما يتمناه الفنان الايطالي ان يقام المعرض في منطقة الاهوار بعد هذا المعرض اي عندما تستعيد الاهوار حياتها ثانية. ويريد انطونيو هو بنفسه ان يلتقط الصور لاهالي الاهوار. وهو مشتاق لزيارتها.* * * * وتوجهنا بأسئلتنا بعـد ذلك الى الجمهور المتواجد في المعرض. لنقل على الأقل ان المتواجدين في المعرض لديهم المعرفة التامة بفينيسيا، ولكن هل كانت لديكم معرفة مسبقة بأهوار العراق قبل حضوركم للمعرض؟(وقد استقبلت الكثير من الاجابات المختلفة واليكم بعضها): أحد زوار المعرض ( الماني)، قال: ‘ بصراحة انا لم تكن لدي معرفة مسبقة بأهوار العراق بقدر معرفتي بفينيسيا، لكن حضوري الى هذا المعرض اغناني بصور ووثائق هذا بالإضافة الى الشرح الذي قدمه لنا الفنان العراقي الجيزاني.. ولا اخفي عليكم حماسي لمعرفة المزيد والمزيد عن الاهوار واهلها وتاريخها الغني.. هذا بالإضافة الى اعجابي الكبير ببيئة الاهوار التي لا اجد انهم يبالغون حين يقولون انها جنة العراق القديم’. وزائر آخر (روسي) قال: ‘ نعم، لقد كانت لي شبه معرفة بها.. كنت اعرفها جغرافيا، اما اليوم في هذا المعرض فالجيزاني عرفني اياها بيئيا وتاريخيا وانسانيا.. وانا اجد ان اهوار العراق بدأت من الانسان والماء والارض والمسكن والملابس وحتى التفاصيل. هذه العناصر متداخلة، كلّ ٌ منها يأخذ من الآخر ويعطيه. وهذا نظام حياة جدا منسجم وفي نسق واحد يدور ويعيش.. وهو من وجهة نظري نظام مثالي يسعى اليوم اليه البيئيون في العالم.. نظام فطري جدا وتاريخي وانساني بحت…’وزائر أخير( عراقي) قال:’ بالطبع لدي كل المعرفة بالأهوار العزيزة والحبيبة على قلوب العراقيين اجمع.. فأنا عراقي الاصل.. ويعز كثيرا على نفسي رؤيتها بهذا الوضع المؤلم، ولكن حقيقة ً يقدم لنا الفنان الجيزاني في هذا المعرض أهوار العراق اليوم الميت والفقير، ونجد انه في نفس الوقت يذكـّرنا بالحياة وبالجمال وبجنة العراق الامس.. بصراحة وجدت في تقديمه الكثير من الامل والحب والانسانية لهذه الارض ولأهلها الذي به تحمس كل الحضور بغض النظر عن هويتهم الحالية الى هويتنا الحقيقية بأننا جميعنا من هنا ولدنا.. وهنا بالتحديد قضيتنا اليوم.. وكلنا امل كبير لها’. ملاحظة: يقام المعرض في مدينة شتوتغارت الالمانية وفي قاعة بيشهوف