تعلم العربية في خمسة أيام… وبدون معلم

حجم الخط
0

تعرفت على أحد الاخوة من إحدى الدول العربية المغاربية، وبعد أن وصلنا إلى مرحلة متقدمة من سوء التفاهم، ما كان منه إلا أن سألني بالانكليزية الفصحى: ‘كان يو سبيك انجليش؟’ قلت: ‘نو نو’، وأحسستُ حينها أنني في وسط نيويورك، أو في ولاية فرجينيا أمام تمثال البطل الأمريكي الذي حرر الأمريكان من الانكليز السيد جورج واشنطن.

صاحبي هذا لم يفهم الكثير من كلامي بلهجتي ‘المحكيّة’، وأنا أيضاً لم أفهم ‘الدارجة’ التي كان يتكلّم بها، لعبت الأيدي دوراً كبيراً في خلق نوع من التفاهم بيننا، ونظراً لأنه يتقن الفرنسية، وأنا لا أحب الانكليزية لأنني ببساطة لا أتقنها، ولا أعرف من الفرنسية سوى عدة كلمات مثل برج ايفل ونابليون بونابرت ومتحف لوفغ (هل لفظي للراء صحيح؟)…. الخ، نظراً لكل هذا قررنا أن نلغي ألسنتنا المحلية والانكليزية والفرنسية والروسية، ورحنا نتذكر ما تعلمناه في دروس القراءة، وما تستعمله وسائل الإعلام الحديثة من مصطلحات، وما حفظناه من أجدادنا، ولجأنا إلى اللغة العربيّة الفصحى، لغة القرآن الكريم، لغة إسماعيل ومحمّد عليهما أفضل الصلاة والسلام، لغة قناتي ‘الحرة’ والعربيّة.

ألتقي به صباحاً وبشكلٍ لا شعوري أقول له: السلامُ عليكم، كيفَ حالُك؟ وكان أي حديث يدور بيني وبينه يكفي لإضحاك الجميع، واللوم كله يقع على سيبويه، لأن الرجل تعب، وبذل الجهد الكبير ليخرج لنا بقواعد وألفاظ يضحك منها حتى المستغرق في نومه حالما يسمعها، كنا نتكلم بيننا بالعربيّة الفصحى:

أعطني قطّاعة الأظافر التي بجانبك. – تقصد القصاصة هذه.- نعم.- تفضّل.- هل يمكنني استخدام هاتفك لدقيقة أو اثنتين؟ – بالطبع.- شكراً، تبارك الله عليك.- الله يبارك فيك، لا شكر على واجب. ورغم الضحك الذي تسببه هذه اللغة الغريبة كان البعض يعترض بأنها تجعلنا رسميّين وكأننا نعرف بعضنا لأول مرة، حتى أن صديق طفولتي يغضب دائماً عندما أحدّثه عبر ‘المسنجر’ بالفصحى فينبري قائلاً أنا أعز أصحابك ‘ليش عم تحكي معي بالفصحى؟’، والبعض الآخر يتّهمها بأنها كلغة بعض كتّاب هذه الأيّام متقعّرة، وتحتاج إلى إنسان فصيح كي يصطاد ما يستطيع فهمه من مائها العكر، ومن بحرها بحر الظلمات.

وذات يوم، وبينما تحدثت مع صديقي عبر المسنجر عن مواضيعَ مختلفة، اتفقت وجهات نظرنا في بعضها، ووصلنا لحد الخناق في بعضها الآخر، حتى وصلنا إلى موضوع اللغة العربية والتحديات التي تواجهها في هذا العصر، فما كان منه إلا أن كتب لي ساخراً: ‘صحيح شو أخبارك أنت وصديقك العربي؟ هل ما زلتما تتكلمان بالفصحى؟’ كتمت انفعالي قليلاً ثم قلت له بأنني لست ضد العاميّة واللهجات، فكلنا يعرف القول الشريف ‘من تعلّم لغة قوم ٍ أمن مكرهم’، ولكن أليس من السخف أن نتكلم الانكليزية مثل أهلها، ونحن لم نتقن لغتنا بعد، ألا يقول المثل ‘بقدر ما تحترم نفسك بقدر ما يحترمك الآخرون’ اللغة هي ما بقي من أشياء كثيرة كانت تجمعنا، وهناك حرب ثقافية الآن تسمّى حرب اللغات، والدليل أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك انسحب من مؤتمر قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، عندما قدم الفرنسي اغيرنست سيلييرغ رئيس البنك المركزي الأوروبي تقريراً اقتصادياً للمؤتمر، تحدث فيه بالانكليزية فقاطعه بعد أول جملة شيراك، وقال له: لماذا بحق السماء تتكلم الانكليزية؟ هل نفعل هذا لأننا حقاً كما قال ذلك اليهودي ‘لا نقرأ وإذا قرأنا لا نفهم’، اللغة هي شخصيّة الأمة، هل يعني ذلك أن شخصية أمتنا مضحكة لهذا الحد، أم أنه يُضحكنا كل شيء يذكّرنا بأصالتنا.

وأعتذر جداً ‘سوري’ لأن كلامي مباشر وبدون introductions أو prembles. محمود إبراهيم الحسن سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية