تحرك عربي إسلامي سريع لنصرة تركيا

حجم الخط
0

تركيا التي نجحت في الإنعتاق من سجنها الأطلسي وبزوغها كفجرٍ جديد في سماء المنطقة فاجأت الغرب والشرق وهي تعيش اليوم كدولةٍ وكشعب في مواجهةٍ حادة مع تحالفات إسرائيلية أوروبية جراء موقفها الآخذ في الإنعطاف نحو العدالة في التعاطي مع القضية الفلسطينية بشكل خاص ومع جملة القضايا العربية والإسلامية بشكلٍ عام.

الحرب على غزة، وسياسة الإستيطان الإسرائيلية المتواصلة، وأخيراً مأساة سفن أسطول الحرية والدماء التي أريقت في سفينة مرمرة، عملت كلها معاًُ كصعقات مزلزلة ضربت تركيا بإنسانيتها وكرامتها وضميرها، وعملت على اندفاعها بقوةٍ من جوف الحوت الأطلسي لتجد نفسها في عناقٍ عاطفي حار مع الشرق الذي طالما كان عمقها الحضاري والروحي.

تركيا التي عادت إلى الشرق المدون في ذاكرتها التاريخية لم يعد هو الشرق المتواجد اليوم في القرن الواحد والعشرين، لأنه يقبع في منطقة أعمق من جوف الحوت نفسه الذي لفظت نفسها من فمه، وإذا بها تكتشف أنها تعانق الحوت نفسه ولكن هذه المرة على رمال الصحراء العربية.

إسرائيل التي تلقت بعض الصفعات المؤلمة من تركيا، تمكنت من اجتراع الألم وكتمت انفعالها وبيتت الثأر ليومٍ آخر تعود فيه إلى المواجهة بصحبة حلفٍ يمقت تركيا وينتظر بفارغ الصبر للنيل منها وقد بحثت جيداً عن أكثر الدول عداوة وكرهاً لها ووجدت ضالتها المنشودة سريعاً ودون عناء.

اليونان، بلغاريا وكرواتيا وبقية دول البلقان وقبرص وأرمينيا في آسيا الوسطى، كلها دول تملك ذاكرة حاقدة على تركيا لأنها حفيدة الدولة العثمانية التي خضعت لحكمها لقرون عديدة ومعاجمها التاريخية حافلة بالقراءات المثيرة لكراهية الأجداد والأحفاد.

من هنا بدأت إسرائيل بتأليب هذه الدول على تركيا بغية تركيعها من خلال نسج الشبكات التجسسية حولها وتشكيل قوىً ضاغطة داخل الإتحاد الأوروبي لمجابهتها وربما من أجل تحريض الدول الغربية عليها واتباع سياسات مضادة لها.

وقد قامت إسرائيل بتقديم الكثير من الإغراءات لهذه الدول من خلال مقايضة التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها في المجالات العسكرية والإستخبارية لقاء عقد الصفقات الدفاعية والأمنية التي تتيح لها استخدام أجواء هذه البلدان وأراضيها لتنفيذ تدريبات عسكرية في الأعماق البعيدة عبر تنفيذ العديد من المناورات العسكرية مع جيوشها، ولكي تؤدي في النهاية إلى تسخير هذه الدول لخدمة مصالحها.

إن الأذرع الإسرائيلية الممتدة حول تركيا ما كانت لتجد الطريق سالكة أمامها لو أن الدول العربية والإسلامية قد قامت بتسخير النزر اليسير من قدراتها الإقتصادية والسياحية والإستثمارية في هذه الدول، أو أنها قامت بتسييس استثماراتها وسياحتها كما تفعل إسرائيل التي بدأت بتشجيع السياح الإسرائيليين على قضاء إجازاتهم في تلك البلدان ليصل عددهم في اليونان إلى 150 الف سائح حتى نهاية العام الحالي حسب جريدة ‘هآرتس’ الإسرائيلية، وكان ذلك من خلال تشجيع وزارة السياحة لهم على الإستنكاف عن السياحة إلى أنطاكيا.

لطالما كانت اليونان صديقاً وفياً للعرب حتى أنها بدت كطيرٍ يغرد خارج السرب الأوروبي، ولكن العرب لم يردوا على جميلها بأي فعلٍ يذكر حسب ‘هآرتس’ أيضاً، مما دفعها للقبول بالعروض الإسرائيلية التي مدت لها يد العون المشروطة بتغيير سياستها إزاء الصراع العربي الإسرائيلي والوقوف معها في وجه تركيا التي تراها اليونان كعدوٍ تاريخي، ولمَ لا وهي تعيش أزمة إقتصادية خانقة وإسرائيل تعرف كيف تتسلل في الوقت المناسب.

يستطيع العرب ثني هذه الدول عن حصار تركيا التي تعيد اكتشاف نفسها من جديد في الحاضرة الإسلامية العربية لتكتشف عما قريب أنها تسير في خطٍ هجرة العرب أنفسهم ولو ظنت لبعض الوقت أنها قد تستطيع إخراجهم من حالة انعدام الوزن التي وضعهم بها الغرب من خلال دورانهم في فلكه وعدم قدرتهم على فك رموز هذا الفلك الذي أفقدهم القدرة على استعمال كافة الحواس ولم يترك لهم إلا حاسة الجوع والشهوة لتعزز هُلاميتهم وخروجهم من حيز الحياة.

إسبانيا قبل اليونان والهند والصين وحتى جمهوريات الإتحاد السوفييتي الإسلامية تتساقط الواحدة تلو الأخرى في الشرك الإسرائيلي، إنها حقاً مفارقات عجيبة تلك التي تجعل العنكبوت الصغير يصطاد الفيلة، ولكن المفارقة الأغرب أن العرب لا يتواجدون في أي هيئةٍ خَلقية في المساحة الممتدة بين الفيلة والعناكب، لأنهم حقيقة خارج حدود الوجود المنظور بكل أبعاده السياسية والإجتماعية والعلمية والحضارية، وحتى خاصيتهم الإقتصادية وهي الوحيدة التي يفضحها ‘البترودولار’ولا يدع مجالاً لطمسها، فإنها كالأنهار تجري فيهم ولا تبلل صحاريهم القاحلة بل تذهب لإرواء المزيد من الأراضي الخصبة في بلاد الضباب.

تركيا تحتاج إلى وقفة عربية لا تكلف الكثير لأن المليارات العربية الجوالة في أسواق العالم تستطيع أن تفتح آفاقا واعدة للإستثمار وحتى تحقيق الأرباح في تلك البلدان التي تعصف بها الأزمات الإقتصادية لأن أسعار عقاراتها وأجور الأيادي العاملة فيها تضمن للمستثمرين أرباحاً إقتصاديةٍ وسياسيةٍ واعدة وفي كل مرة تنسج فيها حبلاً يشدها نحو العرب فإنها تكون بهذا قد قطعت حبالاًً كثيرة قامت إسرائيل بنسجها، وتستطيع في نفس الوقت تخفيف الضغط عن شقيقتهم الواقعة في مكائد إسرائيل.

إن الفرصة التركية إن أهدرت، فإن خسارتها لا تعوض لأن تركيا تمثل الفرصة التي تأتي على الأمم كل مئة عام، وهذه المرة وبعد مئة عام من القحط، جاءت تركيا مع إيران لتوفر فرصة مزدوجة لبعث الحياة في جسد الأمة المسجى على ‘مذبح الشهوات’، فهل سيستمر العرب بالشخير؟ أم أن تدافع أقدام الأمم فوق رؤوسهم بكل ما يحدث من ضجيج غير قادرةٍ على إسماعهم وفتح عيونهم لرؤية ما حل بهم من إنحطاط وتخلف وامتهان.

إذا لم يفق العرب اليوم فعليهم أن ينتظروا حتى تنضب الطاقة ويفشل المختبر الغربي في إيجاد طاقةٍ بديلة، فتنقطع الكهرباء عن صحاريهم وينقطع جهاز التبريد وجهاز التدفئة وتمطر السماء غضباً، ويجلس الجمل على السيارة الفارهة ولا يصعد للأبراج إلا الحمام والغربان. آنئذٍ سنضحك نحن كثيراً في قبورنا لأن الله أعفانا من الإستمرار في الحياة، وعفانا بالتالي من الإستمرار في رؤية هذه المهزلة.

زياد علان العينبوسي نيويورك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية