تقارير سفارة كابول ترسم صورة عن تحول كرزاي الذي نصبوه من ‘ثوري’ الى رئيس ضعيف مهووس بنظريات المؤامرة

حجم الخط
0

كل مشكلة واجهها كان يلقيها على البريطانيين وباكستان وايران والامريكيين لندن ـ ‘القدس العربي’: في اليوم الخامس من تسريبات ويكيليكس قدمت تقارير الدبلوماسيين الامريكيين التي تواصل عرضها صحف ‘نيويورك تايمز’ و’الغارديان’ البريطانية وغيرهما صورة قاتمة عن ‘ارض الفساد’ في افغانستان. ففي تقرير السفير الامريكي عن اعضاء الحكومة الجديدة لاحظ ان كل اعضائها متهمون بالفساد الا وزير الزراعة الذي يبدو الوحيد من بينهم بدون ‘اتهامات مؤكدة ضده بانه تلقى رشاوى’. وفي تقرير اخر شرح مسؤول افغاني لدبلوماسي امريكي بدون ان يطلب منه هذا المراحل الاربع التي يتم فيها الحصول على الرشاوى، وتبدأ من لحظة قيام متعاقد تقديم عطاء للحصول على عقد، ولحظة تقديم طلب اذن لبدء البناء واثناء عملية البناء واخيرا عندما يكتمل البناء ويأتي المسؤولون لقص الشريط الاحمر. ومع ان الرئيس الافغاني حامد كرزاي تعهد كثيرا بمكافحة الفساد في حكومته الا ان تقارير الدبلوماسيين الامريكيين تقدم صورة اخرى وتظهر ان احكام الفساد ضد بعض المرتشين مثل الحكم على عمدة كابول عبد الاحد صاحبي العام الماضي باربعة اعوام سجن لم يكن جزءا من عملية محاربة الرشوة بل كان ضحية عملية انتقامية.

ومن خلال الكم الهائل من الوثائق التي ارسلت من افغانستان تظهر مواقف الدبلوماسيين الامريكيين الذين يرون ان المشكلة تبدأ من هرم السلطة. ففي تقرير ارسل من السفارة في آب (اغسطس) 2009 تحدث التقرير عن سماح الرئيس كرزاي ونائبه العام سمحا باطلاق سراح مجرمين خطيرين او اعادة جنود الى الجيش بدون محاكمة وان كرزاي نفسه عفا عن خمسة من حرس الحدود الذين ألقي القبض عليهم وبحوزتهم 124 كيلوغراما من الهيروين وتدخل في قضية مخدرات لعلاقتها بابن احد الاثرياء الداعمين له.

وفي تقرير كتبه السفير الامريكي كارل اكينبري عقب لقائه مع الاخ غير الشقيق لكرزاي في قندهار اشار الى ان المعضلة التي تواجهها الادارة الامريكية في افغانستان متعلقة بكيفية مكافحة الفساد خاصة ‘عندما يكون مسؤولو الحكومة انفسهم فاسدين’. وتظهر الوثائق محاولة امريكية محمومة من اجل البحث عن شريك بديل عن كرزراي ونزيه، فتقرير اعد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 وصف فيه القائم باعمال حاكم خوست طاهر خان صباري بانه يمثل ‘وجها للتغيير’ وانه رجل يتمتع بقدرات وفاعل في عمله. ولكن صباري قال للمسؤولين الامريكيين انه لا يملك المبلغ المطلوب ما بين 200- 300 الف دولار للحصول على عمل دائم في ادارة الولاية. ومن الشخصيات التي تم التفكير بها كرئيس محتمل للمستقبل كانت شخصية احمد ضيا مسعود، سقيق احمد شاه مسعود، قائد المجاهدين المعروف، واحتل مسعود منصب نائب الرئيس في الفترة ما بين 2004 2009 لكن تقريرا كتب العام الماضي جاء فيه ان الشخص هذا القت مصلحة الجمارك القبض عليه وهو يحمل 52 مليون دولار نقدا في طريقه الى الامارات العربية المتحدة. ونفى مسعود انه نقل اموالا خارج افغانستان لكن التقرير قال ان ’52 مليون دولار تملأ غرفة كاملة’. ومع ذلك سمح له بالمرور مع المبلغ بدون مساءلة. وكشف ان المسؤول له بيت فاره في ‘بالم الجميرة’ في دبي وهي المنطقة التي يعيش فيها المسؤولون الافغان. وتظهر التقارير الامريكية بلدا كل شيء فيه معروض للبيع والشراء، فوزير النقل يتلقى ضرائب تصل الى مئتي مليون دولار سنويا عن ضرائب النقل لكن 30 مليونا منها تصل لخزينة الوزارة او الدولة. كما ان ثمن المركز الحكومي البارز في مناطق مثل هيرات يصل الى 250 الف دولار وعندما يصل الى المنصب فانه يشتري ويبيع العقود والقصور المرفهة.

وبحسب وزير التجارة السابق الذي اخبر دبلوماسيا امريكيا فان هناك حوالي 14 حاكم اقليم يمكن اعتبارهم ‘سيئين او فاسدين’. لكن تقريرا اخر يصف الوزير نفسه بانه فاسد و’متورط في عقود نفط غير قانونية’ والتقرير المرسل من السفارة قائم على شائعات. ومن هنا تظهر التقارير معضلة الدبلوماسيين للتفريق بين ما هو صحيح او مختلق. وكل التقارير التي تتحدث عن الفساد تم تسريبها من السابق واصبحت من المعلوم بالضرورة خاصة قصة قطع اموال من الحجاج واتهم فيها وزير الشؤون الاسلامية. وكانت هيلاري كلينتون قد وصفت افغانستان بانها بلد فاسد. فقد اخبر سيد فاطمي الامريكيين ان اعضاء في البرلمان طلبوا منه رشاوى من اجل المصادقة على تعيينه كوزير للصحة وعبر فاطمي عن صدمته على هذا الابتزاز الوقح، وقال ‘ان نوابا عرضوا عليه اصواتهم واصوات اخرين مقابل الف دولار عن الرأس’. ويعتقد ان الفساد والرشوة انتشرتا بسبب عدم وجود قوانين تنظم عمل المصارف والاعتماد على نظام الحوالة الذي لا يمكن خلاله ملاحقة اصول المال وبحسب تقرير وقعه اكينبري فنظام الحوالة هو الطريقة المفضلة لدى النخبة الحاكمة في افغانستان. واذا كان الامريكيون قد وصفوا الوضع في البلاد بانه فاسد وفوضوي فتقاريرهم عن الرئيس تظهر شخصية معقدة ومتغيرة دائما فمثلا، يصف تقرير وزير الخارجية العماني انه ‘بدأ يفقد الثقة به’، فيما عبر دبلوماسيون بريطانيون عن ‘احباطهم منه’، فيما قال مسؤول اماراتي ان افغانستان ستكون في حال احسن لو ذهب، اما الدبلوماسيون الاستراليون فقد قالوا عنه انه ‘يتجاهل الواقع’. وتظهر الوثائق صورة عن درجة الاحباط بالرئيس الذي اختارته امريكا لكي يقود البلاد في مرحلة ما بعد طالبان ويحقق الديمقراطية والازدهار وتحوله الى عبء ومشكلة ورجل يعاني من مشاكل حيث اصبحت تصرفاته مثار دهشة واحباط لمن يتعاملون معه لدرجة ان قائدا في الناتو قال عنه انه يعاني من انفصام في الشخصية.

لوم الامريكيينومع ان التقارير التي كان يجب ان تظل في السر وكتبت عن الرئيس في الفترة ما بين 2004 ـ 2009 ستؤدي الى توتير العلاقات بين كرزاي والادارة المتوترة في الوقت الحالي فانها تظهر صورة حقيقية وصريحة عن مواقف المسؤولين الغربيين ومبعوثي الدول الغربية في كابول عنه. فكارل اكينبري كان صريحا في نقده في تقرير كتب في تموز (يوليو) 2009 وجاء فيه ‘سننتظر فيما ان كان سيتوقف عن القاء اللوم على الامريكيين وتكتيكاتهم وهو ما يستخدمه عادة من اجل ابعاد النقد واللوم على حكومته’. ويبدو السفير الامريكي شاكا حتى في قدرات كرزاي على فهم المبادئ الاولية لعملية بناء الدولة ووصفه بانه رجل ‘يشعر بعدم الامان’ وطرح اسئلة ان كان كرزاي بالفعل ‘الشريك’ الذي تريد امريكا التعامل معه. وهذا التقييم يتناقض مع تقارير وصفت الرجل بالنشيط والمتفائل والمليء بالافكار والامال والممتن للتحالف الغربي الذي حرر بلاده من طالبان، ففي تقرير كتب عام 2006 وصف كرزاي بانه ‘متفائل جدا’ وانه ‘بشكل نسبي سعيد’ والذي اكد في احاديثه مع قادة الناتو على ضرورة ‘تحقيق النصر ‘ الذي يجب ان يتم هذ العام. كرزاي وعيد الشكر والديك الروميوتبدو شخصية كرزاي في التقارير الاولى انها مثال على الانفتاح والقادرة على اسعاد الامريكيين والمزاح معهم والحديث عن امريكا وستار باك والموسيقى الامريكية. وفي تلك الفترة حسب تقرير كتب في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 كانت تقييمات كرزاي وردية ووصف بالرجل الذي عبر لنواب في الكونغرس ‘عن امتنانه وغرامه بامريكا’. وتذكر كرزاي ايامه في امريكا حيث كان يشتري الديك الرومي للاحتفال بعيد الشكر. وبعد نهاية اللقاء مزح معه النواب وطرحوا فكرة تصدير الرمان لجعله جزءا من احتفالات عيد الشكر التقليدية. وروايات الجنرال اكينبري عن كرزاي تختلف عن رؤيته عندما اصبح سفيرا. ففي عام 2007 وعندما كان يحضر لمغادرة افغانستان بعد انتهاء مهمته كقائد للقوات الامريكية كتب قائلا ان كرزاي ‘قائد عام للقوات المسلحة واثق من نفسه. وكتب اكينبري الى الجنرال مشرف الرئيس الباكستاني واصفا جهود كرزاي في محاربة الفساد وانه يقوم بعمليات اعمار في كل انحاء البلاد، كل هذا على الرغم من كره مشرف المعروف لكرزاي. لكن السفير سيغير موقفه فيما بعد حيث سيصف كرزاي بانه يقود بلدا اصبح نهبا للصراعات القبلية وتتصاعد فيه قوة الحركات المتمردة والصراعات السياسية. فبحسب تقرير ارسل من سفارة لندن ونقل عن مدير وزارة الدفاع جون دي قوله انه محبط من كرزاي وقال انه ‘دائما اذكر المجتمع الدولي اننا نحن الذين قمنا باختياره’. وبعد وصول اكينبري الى كابول سفيرا عام 2009 بدأ يكتب تقارير بلغة جديدة عن الرئيس الافغاني حيث يبدو الاخير دائما ‘غاضبا ويتهم الولايات المتحدة بالتآمر ضده’. واضاف اكينبري انه مع استمرار كرزاي الحديث عن نظريات المؤامرة ضده ‘نجحت باعادة دفة الحديث للتركيز على الكيفية التي يمكن فيها امريكا التعاون مع افغانستان لتحقيق النجاح معا’. وكان اكينبري كتب اثناء انتخابات افغانستان البرلمانيه برقية معروفة الان ان كرزاي لم يعد ‘الشريك المناسب’. وفي تقارير اخرى يبدو الرئيس الافغاني ‘غير قادر على اتخاذ قرار وليس جاهزا له’ حسب جيمس ستينبرغ، نائب وزير الخارجية وذلك بعد لقاء تم في شباط ( فبراير) 2009. لوم باكستان وتظهر وثائق ان كرزاي دائما ما كان يحاول حرف النقاش والقاء اللوم على باكستان التي قال انها كل مصادر المشاكل في بلده. وتشير صحيفة ‘نيويورك تايمز’ الى ان كرزاي الذي ظهر عام 2001 كبطل على غرار الثوار المعروفين عندما دخل الحدود الى بلاده حيث كانت طالبان تحكم هناك وعندما انهارت اختير كرئيس للبلاد لكن بعد تسعة اعوام يبدو كرزاي مسكونا بهواجس الخوف من امريكا ويعاني من مشاكل شخصية ولا شعبية واسعة له في البلاد اضافة لاظهاره الان مواقف معادية لامريكا التي صنعته. مع ان الوثائق تظهر ان واشنطن دائما ما اكدت لها على استمرار دعمه حتى بعد خروج الامريكيين. ولكن الوثائق تؤكد اهمية اتباع كرزاي سياسة امريكا في المنطقة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع باكستان او مكافحة تهريب المخدرات. وفي الاخيرة فان الموضوع الذي ظل يتكرر في التقارير هو قضية اخيه غير الشقيق احمد والي كرزاي. ويبدو ان الامريكيين او من تعاملوا مع كرزاي اخذوا يتقبلون فكرة وجود شخصين باسم كرزاي كما يظهر تقرير كتبه مسؤول في سفارة امريكا في بروكسل في حزيران (يونيو) 2008 حيث تساءل ضاحكا اي من الكرزايين سيحضر مؤتمر دول المانحة المنعقد في باريس، السياسي البشتوني المتقلب ام القائد الوطني العقلاني. وهناك وثيقة تظهر مخاوف كرزاي الدائمة من خطط الامريكيين الذين يريدون تقسيم باكستان واضعاف افغانستان في حملتهم المتواصلة ضد الارهاب. كما اقترح تعاونا امريكيا وايرانيا لدعم المرشح المنافس له، عبد الله عبدالله. وبالاضافة لتحليل اكينبري لشخصية الرئيس الافغاني الجاهلة بقواعد الحكم، اضاف اليها بعدا اخر وهو الرهاب الدائم. ونقل تقرير عن وزير مالية الحكومة الافغانية الذي اخبر الامريكيين ان كرزاي لا يهتم بالحقائق ولا يفهمها ولكن يمكن لاي شخص التأثير عليه عندما يأتي اليه بقصص حتى لو كانت غريبة تتحدث عن مؤامرة ضده. ولان كرزاي اصبح خاضعا لتأثير مجموعة خاصة من الوزراء فقد تأثرت سلطته وبحسب ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني فكل مرة كان يلتقي فيها كرزاي كان يشعر ان سلطة الاخير في تراجع. تحميل البريطانيين المسؤوليةوحديث كاميرون يشير الى ان الرئيس الافغاني لم يكن ممتنا للجهود البريطانية ففي تشرين الثاني ـ نوفمبر 2008 طلب ديفيد ميليباند من كرزاي كتابة رسالة مفتوحة يطمن فيها الرأي العام البريطاني حول اهداف ‘المشروع الافغاني’ لكن كرزاي اتخذ من البريطانيين ذريعة لالقاء اللوم عليهم وعلى تراجع الامن. فقد كانوا محطا للنقد من الافغانيين، حيث اتهموا بالسيطرة على اقليم هلمند. ونقل تقرير عن حاكم هلمند، غلاب منغل الذي تحدث لوفد بقيادة جوزيف بايدن نائب الرئيس الامريكي ـ في عام 2009 ان البريطانيين فشلوا في السيطرة حتى على سوق المحافظة. وقال لهم انه يجب التوقف عن اطلاق اسم ‘منطقة سانجين’ في الاقليم بل قاعدة سانجين، خاصة ان كل فريق من القوات اقام قاعدة له في خارج المنطقة.

وقال منغل ان بلد ‘الكابوي’ يبدأ خارج المدينة. ويقول منغل ان المشكلة ليست لها علاقة بعدد القوات، وحتى لو احضروا مئات الالوف منهم بل المشكلة في الخطة. وتذكر التقارير ان كرزاي عادة ما كان يذكر ويمتع مستمعيه الامريكيين بقصص ان وصول البريطانيين ادى الى تردي الاوضاع. وقال انه دخل جنوب البلاد في عام 2001 مع 14 من القوات الخاصة الامريكيين وان البلاد كانت آمنة لكل الناس خاصة الفتيات اما الان ‘فهناك اربعة الاف جندي بريطاني في هلمند والبلاد ليست آمنة’. وكثيرا ما عنف القادة البريطانيين الذين انتقدوا الحل العشائري للمشكلة ولانه اختار رجال مخدرات كحكام. وفي لقاء مع السناتور جون ماكين في كانون الاول ـ ديسمبر ـ 2008 عبر كرزاي عن ارتياحه من قيام المارينز الامريكي بتعزيز القوات البريطانية ونقل له حكاية طلبت فيها امرأة افغانية منه ‘اخذهم من البريطانيين وتسليمهم للامريكيين’. المتعاقدون ورقص الصبيانومن الفضائح التي تكشفت عنها تقارير ويكيليكس تلك التي تظهر ان متعاقدين امنيين كانوا يدربون الشرطة الافغانية تعاطوا المخدرات واستاجروا صبيانا للرقص من اجل الترفيه عنهم وذلك في شمال افغانستان، وعندما كشف عن الامر ناشد وزير الداخلية الافغاني السفارة الامريكية دفن القصة. ففي لقاء تم بين السفير الامريكي وحنيف اطمر، وزير الداخلية عبر عن مخاوفه من ان الكشف عن القصة قد يؤدي الى خسارة ارواح وعن خوف من انتشار اشرطة الفيديو التي صورت للحفلة.

ويعتقد ان الحادث كان وراء مطالب الحكومة الافغانية تشديد الرقابة على عمل المتعاقدين الامنيين وان تقوم القوات الامريكية بالاشراف على عمليات تدريب الجنود الافغان. ومع ان رقص الصبيان وزيهم بزي البنات تقليد معروف في شمال افغانستان واحيانا يتجاوز الترفيه البريء الى الانتهاك الا ان مشاركة اجانب في الحفل الذي تم في كوندوز كان سيؤدي الى الهاب الرأي العام، وحذر اطمر من موقف الرأي العام خاصة ان المتعاقدين الامنيين لا اصدقاء لهم في افغانستان وهناك حاجة لوضعهم تحت الرقابة. ولكن الحادث لم يكن ليحدث بدون مساعدة افغان حسب التقرير الذي قال ان وزارة الداخلية اعتقلت شرطيين وتسعة افغان للتحقيق حول الحفلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية