لندن ـ ‘القدس العربي’: لعل من اهم ما تكشف عنه وثائق ويكيليكس انها تقدم صورة شخصية عن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وذلك كما وردت في تقارير المسؤولين الامريكيين ـ الدبلوماسيين والعسكريين والسياسيين الذين التقوا الرئيس. وتظهر الوثائق صورة ‘محيرة’ لصالح حيث يبدو في بعضها معاديا لامريكا واخرى قريبا منها وحليفا، وضعت له ‘ الغارديان’ في عدد السبت صورة بالكاوبوي الامريكي. فالرئيس اليمني الذي يحكم منذ 30 عاما وصف احيانا ‘بالغريب الاطوار’ ومرات اخرى بالنكد او الفظ.
ففي سلسلة من الوثائق التي تتحدث عن ثلاثة لقاءات تمت مع صالح في العام الماضي لمناقشة الوضع الامني في البلاد، وصف صالح حالة اليمن بانها على حافة الانهيار. فقد حذر صالح من انه في حالة عدم مساعدة امريكا اليمن فسيتحول الى صومال جديد. ويصف تقرير اجتماعا تم بين صالح في مقره الخاص مع السفير الامريكي في اليمن ومسؤول كبير من المخابرات الامريكية حيث اشار كاتب التقرير الى ان صالح كان ‘مرتاحا ويلبس قميصا ابيض مفتوح الياقة وبنطالا اسود، وتظهر فوق عينه اليسرى علامات جرح نتج عن ارتطامه بجدار مسبح في قصره الرئاسي في صنعاء’. وعلى خلاف قادة المنطقة الذين يحاولون تقديم صورة محافظة عن انفسهم لجماهيرهم فقد ظهر صالح على موقعه في الانترنت ضاحكا وبزي الكاوبوي او يلعب البولنغ او يمارس هواية الغطس. وتتحدث تقارير الامريكيين خاصة ذلك الذي يشير الى لقاء تم بين جون بيرمان، نائب مستشار الامن القومي لباراك اوباما الذي سجل ان صالح كان في حالة من النشوة وبدا في بعض الحالات غير مبال او محتقر تجاه الامريكيين وفي احيان اخرى لطيفا، وتحدث للمسؤول الامريكي ان ناشطي القاعدة استهدفوا طائرته الخاصة وحاولوا ضربها بصاروخ وهذه هي المحاولة الثانية لاغتياله. واشتكى من قيام دول بدعم المقاتلين في بلده من ايران وليبيا والكويت الى قطر. وابدى صالح استعدادا لعقد صفقة مع الامريكيين حول 120 يمنيا معتقلين في غوانتانامو. لكنه عاد واقترح على الامريكيين الاحتفاظ بهم في المعتقل. وعلق تقرير السفارة ان صالح في اثناء لقائه مع مبعوث اوباما خسر فرصة جيدة لفتح علاقات مع الادارة الجديدة لانه اظهر عدم مبالاة واستهتارا ومللا في اثناء اللقاء الذي استمر 40 دقيقة.
وبالعودة الى موضوع المعتقلين اليمنيين الذين وافق على نقلهم الى السعودية لفترة قصيرة عاد صالح وسأل عن كمية المال الذي ستقدمه امريكا لحكومته من اجل اعادة تأهيل المعتقلين وبناء منشآت لهم. ورفض مبلغا قدمه بيرنان على انه بداية لعملية استثمار لانه في نظر الرئيس قليل وهو 500 الف دولار. وعاد صالح مرة اخرى للشكوى الى برينان قائلا ان امريكا ‘جيدة في الحديث ولكن لا تقدم حلولا’ لمشاكل الارهاب في اليمن، وطالب بمعونات جديدة اضافة الى معدات عسكرية على الرغم من المبلغ الذي رصدته امريكا، 115 مليون دولار لتسليح وتدريب القوات اليمنية الخاصة. وعبر الدبلوماسيون الامريكيون في رسائلهم عن دهشة من طريقة ادارة صالح للنقاش ففي وقت كان يطالب بالمزيد من المعونات المالية لكنه عاد مرة اخرى وكرر انه يفضل انشاء بنى تحتية ومعدات وهو ‘ما يظهر عدم ثقة الرئيس بنظامه للتعامل مع المعونات المالية وصعوبة تقديم حل للفساد المستشري. وتظهر وثيقة تعود الى 31 كانون الثاني (يناير) العام الحالي حديثا تم بين صالح ومسؤول مكافحة الارهاب في الخارجية الامريكية، دانيال بنجامين حيث وصف صالح امريكا بان ‘دمها حار ومتعجلة خاصة عندما تحتاج لمساعدتنا’ ولكنها تصبح ‘باردة مثل البريطانيين عندما نحتاجكم’. واهم ما تكشف الوثائق عنه ان الرئيس اليمني عرض فتح اراضي بلاده للقوات الامريكية الخاصة من اجل القيام بعمليات من جانب واحد ضد القاعدة. ففي نفس اللقاء مع برينان في ايلول (سبتمبر) قال صالح ‘لقد فتحت لكم الباب على الارهابيين وعليه فلست مسؤولا منذ الان’. ولكن العرض لم يكن مفتوحا كما يبدو في حديث صالح فقد قيد حركة القوات الامريكية الخاصة لخوفه من ردود الفعل المحلية. ومع ذلك تكشف البرقيات الدبلوماسية عن العمليات السرية التي قامت بها القوات الامريكية في افقر بلد عربي ضد تنظيم قاعدة شبه الجزيرة العربية.
تردد وازدواجية وتظهر ازدواجية الموقف اليمني، حيث اكد الرئيس صالح ان قواته هي التي تقوم باستهداف القاعدة لكن في الحقيقة ان الطائرات الامريكية هي التي كانت تطلق الصواريخ والقنابل على المقاتلين وذلك بناء على اتفاق سري. وكانت اول غارة تلك التي تمت في كانون الاول (ديسمبر) 2009 والتي قتلت عددا من المدنيين اضافة لمطلوبين وقدمت على انها من عمل القوات اليمنية بمساعدة من الامريكيين. ويقول تقرير كتبه السفير الامريكي في صنعاء، ستيفن سيتش ان الرئيس اليمني ‘يريد الحفاظ على الوضع القائم وانه يريد استمرار الهجمات بدون توقف حتى يتم استئصال المرض’ وتبع هجوم 21 كانون الاول اخر في 24 من الشهر نفسه. كذب على الشعبوبعد ايام من الهجومين وفي لقاء مع الجنرال ديفيد بترايوس- قائد القيادة الوسطى في حينه- اعترف الرئيس اليمني انه كذب على شعبه ‘سنواصل القول ان القنابل يمنية وليست امريكية’ فيما قال نائب رئيس الوزراء رشاد العليمي الذي كان حاضرا للقاء ضاحكا انه اخبر البرلمان قبل قليل ان القنابل التي قصفت ابين وشبوه هي امريكية الصنع لكن اليمن هو الذي استخدمها. وكان بترايوس قد جاء بناء على طلب من اوباما من اجل بحث طرق نشر القوات الخاصة والمعدات واجهزة التجسس لكن صالح رفض العرض حيث اشار لمخاوفه من الضحايا المدنيين. وتم الاتفاق بدلا عن ذلك على تحليق الطائرات الامريكية المجهزة اجنحتها باجهزة تجسس خارج الحدود اليمنية كي تكون جاهزة للتدخل حالة توفر معلومات امنية صحيحة. واشتكى صالح من عدم دقة الصواريخ التي استخدمت في العمليات الاولى قائلا انها لم تكن دقيقة. واخبر بترايوس صالح انه طلب معونة اضافية لليمن في ميزانية العام الحالي- 150 مليون جنيه استرليني وهي زيادة نسبية عن المساعدة 67 مليون في عام 2009. وحسب نقاشات فان المعونة المالية لليمن زادت في العام الحالي الى مليار دولار.
ترحيب سعودي بالحرب في اليمن ويظهر التقرير ان الغارات على مواقع القاعدة لقيت ترحيبا من المسؤولين السعوديين حيث نقل عن محمد بن نايف قوله لمسؤول الامن القومي الامريكي جيمس جونز ان ‘السعوديين يراقبون محادثات ناشطي القاعدة في اليمن عن قرب، حيث استمعوا الى حوار هادئ عبر الهواتف النقالة استمر مدة 20 دقيقة قبل الهجوم، وتوقف الحوار بعده مما يقترح ان هؤلاء المخططين يحاولون تأمين سلامتهم بدلا من التركيز على العمليات’. وكان الامير محمد قد تعرض لمحاولة اغتيال عام 2009 من ناشط من القاعدة. وتشكو التقارير الامريكية من فشل القوات اليمنية تدريب مسؤولي الامن في اليمن من اجل فحص الشحنات التجارية الكبيرة وتدقيق فحصها عبر اشعة اكس. وفشل اليمنيون بمراقبة الطلاب الاجانب الذين يتحركون ويدرسون في المعاهد اليمنية. وفي حوار صعب بين صالح وبنجامين اكد الاخير على ان امريكا لا تريد ان ترى مرة اخرى عملية ارهابية ضد امريكا تكون جذورها قد بدأت في اليمن. مراقبة المطارات والطلاب الاجانب وحث الرئيس صالح على تقبل المساعدة الامريكية من اجل تشديد عمليات الرقابة داخل كل المطارات الدولية في اليمن. وجاء اللقاء بعد الهجوم الفاشل ومحاولة تدمير طائرة هبطت في مطار ديترويت في يوم عيد الميلاد العام الماضي. كما يكشف تقريرتردد اليمن في مراقبة المدارس والجامعات اليمنية التي يدرس فيها اجانب على الرغم من وجود ادلة ان بعضها مرتبط بالارهاب الدولي وفي اللقاء نفسه عبر بنجامين عن رغبة امريكا الحصول على معلومات عن المسافرين وكذا المسافرين الاجانب الذين حضروا للدراسة في مدارس اللغة وتعليم الاسلام. ولكن صالح طلب زيادة المعونات اللوجستية مشيرا الى انه راض عن التعاون في مجال مكافحة الارهاب. ولكن السفير عبر في تقريره عام 2009 ان الامن في المطارات اليمنية ضعيف وان السلطات اليمنية لم تطبق المعايير التي طلبتها امريكا منها منذ عام 1998 مشيرا الى ان ضباط مراقبة شاشات الفحص بالاشعة لا يراقبون بشكل دائم عمليات الفحص. واشار الى ان عمال الجمارك لا يتمتعون بتدريب جيد ورواتبهم قليلة ويقبلون الرشاوى. وتظر الوثائق ضعف اليمن في مواجهة القاعدة على الرغم من بروزها كاهم نقطة بعد باكستان وافغانستان حيث يقول تقرير ان الكثير من العمليات تعوق بسبب عدم توفر القيادة الجيد وعدم التواصل بين عناصر مكافحة الارهاب وغياب المعلومات والاعتماد على مكالمات هاتفية من مصادر متعددة اثناء تنفيذ العمليات. وينقل سيتش عن مسؤول عسكري قوله ان 80 بالمئة من المعلومات لا تصل الى القيادة الميدانية. وتعبر التقارير عن مخاوف من اثر علاقة صالح القريبة مع امريكا في مجال مكافحة الارهاب ففي الوقت الذي قيل فيه للحلفاء العرب عشية مؤتمر دعم اليمن الذي انعقد في لندن ان العلاقة القوية قد تؤدي الى تراجع شعبية الرئيس بسبب استعداده لضرب القاعدة وان الدعم العربي العام لصالح قد يساعده في مواجهة المشاكل الداخلية، ومع ذلك لم يخف المسؤول الامريكي شكوكه من استعداد اليمن لمواجهة القاعدة مشيرا الى ان الادارة ستظل ترى تأكيدا من اليمن لمواجهة القاعدة ولكن الادارة ستنتظر مزاوجة القول بالفعل.
السلاح بدل القمحومن هنا تظهر الوثائق ان صالح في الوقت الذي كان مصمما على محاربة الارهاب الا انه كان يريد تنفيذ الحرب حسب شروطه. وترى ‘نيويورك تايمز’ ان الوثائق لا تغير كثيرا في صورة صالح المعروفة لكن التفاصيل تمنح صورة اقرب عن تلك المشوشة وبالاسود والابيض. فصالح حسب الصحيفة لم يعد يطلب كما فعل مع جيمس بيكر عام 1990 مساعدة اليمن بنصف مليون طن من القمح لاطعام شعبه بل اسلحة ثقيلة.