تلك الروائح

حجم الخط
0

راجي بطحيش 1نجلس أنا وأمي في العربة…نستقلها الى المشفى أو الى المصح أو الى حيث يتجمد الزمان ثم ينام طويلا ويستيقظ فجأة ليقهقه… هذا ما تركه لي جد جد جدي المنحدر من جبل لبنان، ذلك الطرف الذي يلامس البحر ولا يشرب سوى خديعة شكله وهول رطوبته… ها نحن قد ارتدينا أجمل ملابسنا الأوروبية ( في حالتي) والأمريكية ( في حالة أمي) أما أنا فقد تعطرت لأول مرة بعطر فرنسي جميل تلقيته هدية من أغلى ما لا أملك ـ لا أحد يصدق انني أكره العطور الفرنسية وأفضل الإيطالية – أما امي فقد ارتدت هي ايضا اجمل ما لديها… اجمل ما أحضرت معها من الشام قبل مئات السنين.. تلك الحاجيات وشتلة الياسمين التي تمتد وتمتد وتكاد تبتلع لنا ‘ ارض الديار’ حتى بحرة الماء التي تنتظر جدتي في وسط الدار كي تعود من الموت لتسقيها… اغتالها الياسمين.. تتعطر امي بخلاصة الياسمين من قارورة نحاسية تناقلتها البنات ولا ينتهي السائل الشفاف الذي بداخلها كما انه لا يتعكر او يكتسب شكلا غمائميا.. نخمد أنا وأمي حرائق الحر المهلك في غابة ما تبقى لنا.. فتمتص ملابسنا الأنيقة وملامحنا المتوسلة الى تصنيف.. كل الرماد ومخلفاته وكل ما لم يحترق من جزيئات عصية.. نخمد الحرائق ونتشح بسوادها.. ها نحن نكتسب أخيرا تصنيفا ما… فكل شيء له ثمن كما يقول الكليشيه الممجوج والمبتذل… وثمن اكتساب ملامح متناغمة مع المحيط هو الغوص في مستنقع لا تذوب حرائقه ولا تفنى.نجلس أنا وأمي في العربة…وتسأل نفسها او تسألني.. في نفس النقطة التي أتوقع أن تفعل هذاأوووف… ما هذه الروائح الكريهة؟2ما هذه الروائح الكريهة؟هل تسألينني أنا؟ أم تسألين نفسك؟ وفي حال كنت تسألينني أنا بصفتي أباك الجديد الذي يعرف كافة الإجابات والتفسيرات لكل الأسئلة والمعضلات ودوافع الشر والشرذمة والقتل والقهر والبؤس والشقاء و..و..كيف اقولها كي لا أبدو كالمُوَلـْوِلات في الأفلام المصرية… عدم تقسيم السعادة بشكل متوازن.. بمعنى نزع كل شيء من شخص وإلقائه وحيدا في مكان كذلك الذي نحن في طريقنا إليه الآن.. هل تفهمين من اين تنبع أو تنبثق أو تتموسق تلك الروائح الغريبة التي هي خليط من أعشاب محروقة وجثث متحللة بسرعة مذهلة؟… هل تريدينني ان أجيبك بطريقتي؟ بطريقة الأب المستحدث.. فإن كنت تسألينني فهذا يعني أنك تتقبلين كل شيء فيّ وعني.. تتقبلينني وهذا خيارك..وإلا فلا تسأليني ولنمض ِ سوية صامتين في طريقنا لننبش في أكوام ما ابقاه لنا ابونا الحقيقي من تركة نتنة.. انها رائحة هذه الكلاب السائبة التي ماتت عطشا في هذه الجهنم وتركت اجسادها ملقاة على الأرصفة، منفوخة وتنتفخ كل يوم أكثر وأكثر كلما مررت قربها.. لا ترحم الشمس ابدانها تنهال عليها من دون حساب تنخر في جلدها وتكون ثقبا في اسفل البطن يتسع ويتسع ويتسع كلما مررت من هنا ويفرز دماء متخثرة وعصارات أحشاء ومكونات أكثر وأكثر مما أعرف… وانها رائحة العرق البشري المتراكم فوق اتربة الحيرة. أنهار من العرق تتدفق الآن من وراء الحدود نحو حقول القش الميتة التي حولنا.. أعرف أنك قد تقولين لي ان ثمة مزيلات للعرق ( ديودورانت) وأن النساء غير مجبرات على ارتداء الأسود في هذا الحر الفظيع.. وأنه في أيامكم لم يكن هنالك حجاب..وأنك تشعرين بأن هذا ليس زمنك / زمننا وأن شيئا ما قام بخيانتك.. ولكن هذه الرائحة قد تكون لأشخاص قتلوا وتم اخفاء جثثهم في الآبار ..ولم يلحظ أحد غيابهم…تلاشوا هكذا وبقيت رائحتهم..انها الرائحة الكريهة لبلادنا.. وبلاد الآخرين..3نمر من نفس النقطة عائدين مغبرين برماد الخسائرما هذه الروائح الكريهة؟إن كنت تصرين على أنني أبوك.. ومعنى هذا أنك تتقبلين كل شيء مني.. تتقبلينني كما أنا.. فأقول لك إذا: أن تلك الروائح هي روائح خوفي.. خوفي من العمر، والتجاعيد على وجهي ومن المرض والعقم والعجز والوحدة والفقر والعوز والألم والنسيان والتذكر المفرط وخوفي من الحقيقة ومخلفاتها وخوفي من الغرباء والدين والمنقبات والشرطة والجيش والشاباك وخوفي من ارتطام سيارتي بشاحنة واختفائي تحتها.. خوفي من الطريق وانفجار الإطار والعمر والوحدة والفقر والعوز والألم والنسيان في وجهي.. خوفي من الحاجة والاحتياج. خوفي من احتياجك لي واحتياجي لك.. أو عدم احتياجي.. أو عدم احتياجك..افتحي قارورة الياسمين الدمشقي يا أمي..’ كاتب من فلسطينqd

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية