رشاد أبوشاور’كُتّاب فلسطين لن يكونوا نافعين إلاّ إذا جسدوا عودة الفلسطيني إلى الوطن، هذه العودة الملحميّة، عودة ( أوليس) الفلسطيني إلى إيثاكا’. بهذه الفقرة أنهيت نصّا كتبته بعنوان ‘الفلسطيني في الطريق إلى إيثاكا’، نُشر في أحد أعداد مجلّة ( المعرفة) السوريّة عام 76. بعد ست سنوات على نشر هذا النّص، وقعت معركة اجتياح لبنان، والتي أدّت إلى حصار العاصمة اللبنانيّة بيروت طيلة ثمانين يوما، تميّزت بالصمود والقتال البطولي، والإبداع في مواجهة ظروف الحصار، وهو ما حاولت نقله في كتابي ‘آه يا بيروت’. توقّف القتال و.. خرجت قوّات الثورة الفلسطينيّة محمولة على السفن لتوزّع على عدّة بلدان عربيّة.
عُرض علي أن اختار الوجهة، فاستعدت في ذاكرتي ذلك النّص الذي كتبته قبل ست سنوات، وأنا أسمع محطات رحلة الشتات الجديدة: من ميناء بيروت إلى ميناء ليماسول في قبرص، و.. من ثمّ الرسو في ميناء كريت للتزوّد بالوقود والطعام والماء، و.. أخيرا الرسو في ميناء (بنزرت) التونسي.
قلت: أختار هذه الرحلة.
نُصحت: ستكون رحلة خطرة، هناك سفينة إلى ميناء سوري، المسافة قريبة، والخطر محدود.
بحسم قلت: لا، أريد أن أمضي عكس الرحلة التي حلمت بها، رحلة عودة أوليس الفلسطيني إلى إيثاكا.
صبيحة 22 آب ( اغسطس) 1982 بدأت رحلة مغادرة ( الفاكهاني)، من الملعب البلدي، في سيّارة عسكرية لبنانيّة، جالسا بجوار السائق الجنوبي، في رتل بدأ يتحرّك ببطء وسط زخات من الرصاص، وزغاريد فخر حزين ذاهل، ومشاهد وداع يصعب نسيانها، ويصعب أكثر التعبير عنها.
في الصباح الباكر شاهدت تلك الفتاة الفلسطينيّة بملابسها العسكريّة وهي تسند ظهرها إلى جدار البناية المقابلة، وشريطة حمراء تلف شعرها الأسود، وعيناها السوداوان الفسيحتان تنظران بحزن إلى لا شيء.
شيء ما جذبني لإلقاء تحيّة الصباح:- صباح الخير يا رفيقة.
ابتسمت وهي تتأملني، وردّت بصوت خفيض ولكنه واضح وجميل النبرات:- صباح الخير يا رفيق.
كانت تعرفني، فأنا أقيم في نفس البناية التي تضم مكاتب للتنظيم الذي تنتمي له، وهي تراني يوميّا، وإن كنا لا نتبادل الحديث، أو التحايا.
هل كنت أضمر إعجابا لها أتحرّج من الإفصاح عنه؟! كنت أعرف أنها قدمت من أمريكا، وأنها سعيدة بخوض تجربة لم تكن متوقعة، فهي أرادت أن تزور بيروت، و( تعيش) التجربة ( مع) الثورة لفترة، ثمّ تعود إلى أمريكا حيث أسرتها.
أثناء المعركة كنت أكتب تفاصيل مشاهداتي، وانطباعاتي عن الشخصيات، والناس، والحياة اليوميّة، ومن تلك ( المادة) أنجزت كتابي ‘آه يا بيروت’، والذي احترت تحت أي صنف أدبي أضعه.
من قرأ رواية ‘الرّب لم يسترح في اليوم السابع’ يعرف أننا قضينا ستة أيّام على متن السفينة ( سولفرين) ، التي دخلت بنا إلى ميناء بنزرت فجر اليوم السابع 28 آب ( اغسطس). هكذا ترون أن العنوان اقترح نفسه، وما كان ليغيب عن ذاكرتي ما جاء في التوراة: وفي اليوم السابع استراح الرّب.. رّب الجنود، والحرب، يهوه، لا ربّ العباد والعالمين.
يمكن القول أنني كنت خلال أيام الإبحار في حالة يقظة، أرى، وأتأمّل، وأدوّن في ذاكرتي، وأردد لنفسي طيلة الوقت: سأكتب الجحيم نفسه، الجحيم والمعاناة، البطولة والجبن، العظمة والخسّة، سأكتب الحُب، حُب الفلسطيني… كانت البارجة الأمريكيّة تلاحقنا طيلة الوقت منذ بدء الرحلة من ميناء بيروت، وفي الليل كانت تضيء عينا هائلة تصوبها علينا، وسولفرين تمضي متثاقلة، بعيدا عن فلسطين، عن إيثاكانا. كنّا نمّر بمحاذاة إيثاكا التي عاد إليها أوليس بعد عشرين سنة، عشر في الحرب، وعشر شردته فيها الآلهة وعرّضته فيها لشتّى صنوف التعذيب، ولكنه صمد وانتصر وعاد إلى ( بنيلوب)، وصفّا حسابه مع الطامعين في بيته وزوجته ومُلك ابنه الفتى الشجاع. أمّا الفلسطيني، فإن آلهة العصر المتحجرة القلب تشرّده بعيدا عن وطنه، ولا تكفّ عن مطاردته، والعمل بكّل الوسائل لمحوه من الوجود!
قضيت فترة طويلة نسبيّا، وأنا أفكّر في ( بناء)، وشخوص، رواية ( الرّب…)، فالفترة الزمنيّة على السفينة هي سبعة أيّام. والمكان السفينة، أي أن الأحداث ستدور في مكان ضيّق محدود.
عدت لقراءة الأساطير اليونانية، ورحلة أوليس في ( الأوديسة)، وكنت أدوّن الملاحظات حول الشخصيّات، ولا سيّما ( حارس الروح) و ( زينب) التي التقطتها من شخصيّة تلك الفتاة ذات الشريطة الحمراء.
وعندما اكتملت ( خطّة) العمل، مرسومة على الورق، بدأت.
ولكن التخطيط شيء، و.. إنجاز العمل الروائي شيء آخر، وهذا هو أحد أهم أسباب تأخري في البدء بالكتابة حتى مطلع عام 1984هناك سبب آخر أدّى إلى تأخري بالشروع في الكتابة، وهو الوضع الفلسطيني، فالانقسامات، والاقتتال، والصراعات بعد الخروج من بيروت، اقتحمت حياتنا جماعات وأفرادا، وطبيعي أنها اقتحمت حياتي، وأربكت مخططاتي الأدبيّة.
مررت بلحظات شك قاسية، مربكة، مُعذّبة، فأنا بصدد كتابة رواية مُختلفة، رواية تكتنز بالرموز، غنيّة بتجربة نادرة، وشخصيات غير مألوفة، وخطاب روائي يغوص في عمق المأساة الفلسطينيّة.
من قرأ الرواية يعرف أنها بلا مكان، إلاّ إذا اعتبرت السفينة مكانا، وهي بالأصل مكان متحرّك، يتبدّل مع اختلاف نوعية المسافرين، والذين كانوا على متن السفينة هم فلسطينيّون، لذا ولسبعة أيّام صارت ( سولفرين) مكانا فلسطينيّا، وفلسطين مختزنة في أعماق الفلسطينيين المُشردين على متنها!
الفلسطينيون ليسوا كتلة صمّاء، إنهم بشر، مختلفو الأمزجة، والأفكار، والمستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي والتربوي، والمصالح، وهذا يؤدي إلى صراع، حب وكراهية، وعي وجهل… على السطح، وداخل كابينات السفينة ( سولفرين)، يرى القارئ مجتمعا فلسطينيّا، بكل تناقضاته، وتبايناته.
من بين طاقم السفينة كانت فتيات فلبينيّات، لفت انتباهي أن إحداهن حرصت على العناية بجريح فلسطيني لم يمنح كابينة، رغم جراحه وبطولته في معركة بيروت، لأن بعض القادة ومرافقيهم استحوذوا عليها، وهو ما كاد أن يؤدي إلى اشتباك دموي لولا أنه وجد من عمل على التهدئة، وتجاوز نذالات أولئك القادة وزعرانهم، الذين كانوا جبناء في معركة بيروت، حتى لا تقع كارثة.
تلك الفتاة بتعاطفها، بلمساتها، حضرت في الرواية، وأنا ما زلت أتذكّر كيف كانت تظهر بلطف وتنحني على ذلك الجريح، هامسة له بكلام ما.. بكلام لا يخفى.. لأن تعلقهما ببعض لم يخف علي، أنا الذي كنت أنام قليلاً على سطح ( سولفرين)، وأتجول طيلة الوقت في أنحائها، ملتقطا كل همسة، وكلمة، وطرفة، أو مشاركا في أغنية جماعية للتخفيف عن النفس في هذه الرحلة العجيبة والنادرة.
الشخصيات في الرواية لها ماض، وذكريات، وخصوصيّة، ولذا فهي تتحرّك بين الماضي والحاضر، وتمضي بقلق صوب مستقبل غامض، لا يحمل لها أي خير، ويضع مصائرها في علم الغيب والمجهول… الزمن سبعة أيّام، وهي أيّام غير عاديّة، ولذا فهي كاشفة، وفي الفترة الزمنيّة الضيقة يتعرّف القارئ على الشخصيات لأنها تتحرّك، تتجلّى، تتوضح معالمها الفيزيائيّة والنفسيّة على المسرح ( السفينة). في السبعة أيّام لا تتغير ملامح الشخصيّات الخارجيّة، ولكننا نتعرّف على بعض تضاريسها الداخلية… الزمان والمكان في الرواية، بمحدوديتهما، يتواشجان بعلاقة ديالكتيكيّة، وهو ما مكنني من إنجاز ( الرّب…) بالشكل الذي خرجت به.
تنقلت بهذه الرواية من دمشق إلى تونس إلى بودابست إلى موسكو، إلى عدن، وفي عدن، في فندق متواضع أليف في ( الغولد مور)، وبرفقة اعتزّ بها، هي رفقة الدكتور المفكّر الكبير حسين مروّة، أنهيت الرواية.
عدت إلى دمشق، وطلبت من صديقي ( محمد أبومنهل) أن يأخذ مخطوط الرواية، ويتابع طباعتها، ويصححها، ولا يريني إياها إلاّ مطبوعة.
صدرت الرواية عن ( دار الحوار) التي يشرف عليها الصديق الروائي نبيل سليمان، في طبعتها الأولى عام 1987. هل كان بمقدوري أن أكتب هذه الرواية لو لم أشارك في معركة بيروت، ولو لم أختر تلك الرحلة التي وصفت بالخطرة، وأغادر مع المغادرين على متن السفينة ( سولفرين)؟!
التجربة لها دور أساسي في كتابة هذه الرواية.
هناك عناصر أُخرى لا تخفى، منها الخبرة، والثقافة، والصبر، وتحمّل المعاناة.. والموهبة، التي أرجو أن تكون متوفرة لدي!
الصديق الكبير جبرا إبراهيم جبرا، كتب عن الرواية ما يلي: ‘روايتك سفر ( خروج) رهيب، وثيقة نابضة أُخرى للتاريخ الفلسطيني المأساوي، ولا أكتمك: ( سولفرين) ذكرتني بسفينتي ( هركيوليز)، مع ما بينهما من حقبة عشرين سنة تصاعدت فيها الآلام، والبطولات، والفواجع، على نحو ما كان لإنسان أن يتصوّر مداه، أو رعبه.
وقد جعلت روايتك، بأسلوبك المتميّز بضرباته السريعة، جميلة ومحزنةً معا، فهي بما شحنتها به من شخصيات حلوة ومرّة ( وما أحلى زينب و حارس الروح!) تجرحنا بأحزانها ومفارقاتها. وما كان لرواية كهذه أن يكتبها إلاّ روائي مثلك جمع بين الموهبة والتجربة، بين الكلمة والفعل، كما جمع بين القدرة على الحب حتى الوله، والقدرة على اختراق الرياء حتى العظم. إنها عمل متفرّد، يضيف زهوا إلى الرواية العربيّة، بله الفلسطينيّة.’ كلمات الصديق الكبير الأستاذ جبرا أراحتني من حرج الاستفاضة في الحديث عن الجوانب الفنيّة.
وبعد، فإنني أشكر اتحاد الكتّاب العرب في القطر العربي السوري، وجمعية القصّة والرواية، على استضافتي في ندوة الرواية السنويّة، هذا العام 2010.* نّص مُداخلة الروائي في ندوة الرواية ( السنوية) التي تقيمها جمعية القصّة والرواية / اتحاد الكتّاب العرب ( سورية)، والتي استضافت الكاتب يوم الأربعاء 13 تشرين الأول ( اكتوبر) 2010.