لن نسكت… هذا النفي تعودنا على سماعه في رياض الأطفال في الوطن العربي… والمقاهي والأماكن العمومية وربما في بعض الأحيان على ألسنة بعض المعارضين في الساحات العربية لأنظمتهم… وإن مر على الأذان من القادة السياسيين العرب فهو لتكميم الأفواه الداخلية لشعوبهم وليس في قضايا عربية مصيرية لمستقبل الأجيال الحالية والمقبلة التي ستفرح وتبكي في آن واحد. ستفرح لأنها لم تعايش حقبة بعض أنظمة التخاذل والذل والهوان.. وستبكي على واقعها الذي ورثته نتيجة سياسات حكام لم تتجاوز أصواتهم المهددة حدود التراب الذي تعيش عليه مجموعة بشرية باعتبارهم مستوطنين غير مواطنين.. المهم.
لن نسكت… عبارة النفي هذه أطلقها السيد أردوغان رئيس وزراء أنقرة و’صلاح الدين الصغير’كما شبهته معظم الشعوب العربية التي تعاني من تصحر الساحة العربية من مثل هكذا قائد من بيروت عاصمة المقاومة والصمود والبلد الصغير- الكبير الذي يرتكز عليه أمن المنطقة ومنه تتحدد سياسات العرب مع الغرب الذي تقوده عنجهية وتطاول مجموعة العصابات التي تحتل الأراضي العربية وثاني أهم المقدسات الإسلامية… من يشك اليوم بأن لبنان هو حجر الزاوية في كل المعادلات السياسية الدولية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وعلاقة معظم الدول العربية بالعالم الغربي؟
لقد جاءت زيارة رجب طيب أردوغان إلى لبنان في وقت المخاض العسير الذي يعيشه هذا البلد العربي الذي كتب عليه أن يكون في واجهة الصراع العربي الصهيوني وكذلك تعدد الطوائف والأعراق والانتماءات الإيديولوجية المقيتة بفعل بعض التوجهات السياسية المدمرة لجوهرة العرب بيروت.
وعبر عقود من الزمن لم تتعقلن بعض العقول العفنة في الداخل اللبناني وخارجه في بعض مراكز القرار العربي وظلوا جميعهم ينسجون خيوط التآمر على الذين لاهم لهم سوى عزة لبنان وكرامة شعبه ووحدة العرب وإعلاء كلمتهم في كل المواقع الدولية التي أصبحت مواخير ومغاوير لحبك السيناريوهات والمخططات المدمرة للحرث والنسل في العالمين العربي والإسلامي.
بعد أن عجز من يسمون أنفسهم قادة دول المواجهة ويفتخرون بأمجادهم الماضية الواهية، ويبكون على الأطلال نطق السيد أردوغان بما تنتظره الشعوب العربية والإسلامية من قادتها… فهدد وتوعد الكيان الصهيوني وحذرهم بلهجة تستحق التقدير متوعدا قادة إسرائيل بما لم يكن في الحسبان في صورة تفكيرهم في الاعتداء مجددا على لبنان وغزة وذكرهم بماضيهم الأسود القريب بحق أطفال لبنان وفلسطين. فنزلت تلك التصريحات التي صدح بها بردا وسلاما على العرب الحقيقيين وهو على مرمى حجر من دولة إسرائيل المحتلة.
هذا في الوقت الذي تعترف فيه تركيا بإسرائيل ولها من العلاقات والروابط الإقتصادية والعسكرية أكثر من الدول العربية مجتمعة. لكن هذه المصالح لم تثنيه عن الوقوف المشرف الذي أملاه عليه واجبه الأخلاقي قبل الديني وسانده فيه كل الشعب التركي بمعظم فئاته واختلاف تركيباته لأنهم يرون الحق حق والباطل باطل.
إن زيارة السيد أردوغان إلى لبنان تحمل في طياتها عدة عناوين ورسائل بالغة الدقة والأهمية وما على المعنيين بالأمر سوى فرملة سرعتهم التي تتجه بهم نحو الهاوية وتؤسس لمستقبل لبنان والمنطقة في مجهول متعدد النتائج والاحتمالات خاصة وأن زيارة رجب طيب أردوغان جاءت بعد فترة قصيرة من زيارة أحمد نجاد للبنان وكانت تقريبا التصريحات والمواقف بنفس اللهجة والقوة تجاه إسرائيل والجميع يعلم بمكانة الاحترام التي يحظى بها أردوغان في معظم الدول العربية والإسلامية وكل أحرار العالم الذين لم تستطع إسرائيل إدماجهم تحت عباءة الصهيونية العنصرية الخبيثة المنشأ والأفكار، والمخططات.
فالسيد أردوغان بحكم موقعه وعلاقاته الجيدة في معظم دول العالم ومراكز القرار الحيوية يعلم جيدا ما هو المطلوب من لبنان وما يبيت له من طرف القوى الإمبريالية الدولية التي جعلت من المحكمة الدولية حصان طروادة من أجل تمزيق حزب الله والفكر المقاوم في لبنان والمنطقة وسيكون القرار الظني باب الجحيم الذي يفتح على هذا البلد أو باب سلام سيطفئ الحريق المنتظر الذي تعمل علي إذكاء نار الفتنة فيه إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الغربية الأخرى وللأسف الشديد بعض المستعربين الذين ارتموا في أحضان أعداء الأمة ومصالحها.
وإن أتهم أي عنصر من عناصر حزب الله مهما كان موقعه داخل الحزب من طرف المحكمة الدولية بشأن إغتيال الحريري ستقوم الدنيا ولن تقعد وسيستخدم هذا الاتهام أعداء المقاومة من اجل سحقها ومحقها ولو على حساب لبنان بأكمله عبر حرب أهلية خصوصا بعد فشل كل المحاولات العسكرية الصهيونية لعب هذا الدور منذ عقود ولم يزدها ذلك الجنون إلا هزيمة وانكسارا أمام مجموعات آمنت بربها وبأمن وطنها وسلامة أراضيه.
لقد توضحت الصورة بالكامل بعد زيارة أردوغان للبنان ولقائه معظم المسؤولين اللبنانيين الفاعلين في الساحة السياسية وخاصة بمسؤولي المقاومة وهذه إشارة واضحة لمن لا يفهم سياسة الإشارات.
إن زيارة السيد رئيس وزراء تركيا إلى لبنان هي زيارة سياسية اكثر منها علاقات ثنائية تجارية واقتصادية رغم توقيع الطرفين على المنطقة التجارية الحرة فهي تهدف بالدرجة الأولى تخفيف حدة الاحتقان بين الخصوم الرئيسيين حول المحكمة الدولية الخاصة بإغتيال الشهيد رفيق الحريري وقرارها الظني المرتقب كما تؤسس لقاعدة تدعم المجهودات السورية السعودية من أجل إخراج لبنان من دائرة الخطر والعمل سويا لتفادي ما من شأنه زعزعة الأمن الهش في لبنان لأن مثل السيد اردوغان المعتدل في سياساته مع العالم العربي كما الغربي ما عدى إسرائيل يدرك جيدا الانعكاسات السلبية والخطيرة في صورة تدهور السلم الأهلي في لبنان وهو ما يهدف إليه أعداء هذا البلد وبلداننا وأول هؤلاء الأعداء إسرائيل.
إن هذا الرجل القادم على صهوة حزب العدالة والتنمية في تركيا ونجح في قلب الطاولة على بقايا العثمانيين العلمانيين الأتاتوركيين وغير وجه تركيا واتجاهها وأعادها للملعب الدولي بفاعلية غير منتظرة حتى وجد الشعب التركي نفسه قادرا على المضي بعيدا في تقديم المساعدات والحلول لمشاكل المنطقة وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء لممارسته لسياسة شد العصا من وسطها وعلى مسافة واحدة من الجميع دون مراوغات وحرق الأوراق تحت الطاولات وهذا ما جعله محل احترام الأعداء والخصوم قبل الأصدقاء المقربين من تركيا. عبد الستار العياري – تونس