أسئلة لتبديد الهوس العربي

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

هناك مجتمعات لديها قابلية كبيرة لممارسة الهوس، ومن بينها المجتمعات العربية. والهوس هو نوع من الإضطراب العقلي الذي يؤدي بصاحبه إلى الانحباس والدوران، دون فكاك، داخل فكرة أو عاطفة أو رغبة. ولخطورته اعتبره البعض في الماضي كنوع من تقمص الشيطان للمبتلى به.

من المواضيع التي انقلبت إلى هوس سياسي وإعلامي وعسكري عند بعض مسؤولي العرب موضوع ملف الطاقة النووية الإيراني. ما إن ينعقد مؤتمر حتى يكون هذا الموضوع في قلب جدول أعماله، وكذا الحال بالنسبة لاجتماعات الوزراء ورؤساء الدول وللكثير من الحوارات التلفزيونية والإذاعية ومجالات الانترنت. وبعد تسريبات ويكيليكس الأخيرة تبيًّن أن ذات الهوس طغى على اجتماعات المسؤولين العرب بنظرائهم الأمريكيين، ولا تخلو الصحف العربية اليومية من أخبار هذا الملف إعادة وتكراراَ مٌقرفين. وبالطبع فانّ حمًّى هذا الهوس تصل إلى أعلاها في دول مجلس التعاون الخليجي.

إذا كان الهوس المرضي عند الأفراد يحتاج إلى المواجهة العلاجية المباشرة فانًّه عند المجتمعات يحتاج إلى طرح الأسئلة الموضوعية الهادئة دون لفٍّ أو دوران، إذ أن فترة هذا الهوس العربي قد طالت، وهي في تنامٍ مستمر.

أولا: كمنطلق مبدئي لهذا الموضوع، هل يجوز أن تحتكر بعض دول العالم التكنولوجيا النووية العسكرية ويحرم الباقون؟ ألا يفرض منطق المساواة الدولية بين الأمم، والذي يتبجًّح به ساسة العالم من على كل المنابر، أن يكون امتلاك القدرة النووية العسكرية إمَّا ميسوراً للجميع أو ممنوعاً على الجميع؟ إذا كان المجتمع الدولي يريد حقًّاَ، كما يدًّعي، عالماً خالياً من الأسلحة النووية فلماذا لا يتوجًّه إلى تدمير الموجود وتحريم الاستعمالات العسكرية للطاقة النووية فينتهي بذلك الابتزاز الذي تمارسه الدول المالكة لتلك القدرات على العالم كلٍّه، وعلى الأخصٍّ ابتزاز من تعتبرهم أعداءّ إقليميين كما يفعل الكيان الصهيوني مع العرب؟ هل هذه أسئلة غير واقعية؟ ابداً، إنها أسئلة في صميم الأخلاق والتفاهم الدولي وإبعاد شبح الإفناء لساكني كوكبنا. ثانياً: ما إن تطالب بمساواة الأمم حتى يٌلقى أحدهم في وجهك ذلك الإدٍّعاء الشهير، وهو أن حكام الدول المسيطرين على قرار استعمال الأسلحة النووية ليسوا سواء. فحكام الدول الديمقراطية، وعلى الأخص الغربية، هم أكثر اتزاناً وأكثر مساءلة من قبل مجتمعاتهم الديمقراطية، وبالتالي أقل خطراً من حكام الدول المصًّنفة بغير الديمقراطية. ولكن هل هذا صحيح؟ ألم تنتج المجتمعات الغربية في الماضي هتلر وموسوليني وستالين؟ ألم يتعامل العالم مؤخَّراَ مع كذَّابَين من أمثال بوش الابن وتوني بلير؟ ألم تصرٍّح مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة بأن موت مليون طفل عراقي هو ثمن مقبول لمنع الحكم العراقي من امتلاك أسلحة الدًّمار التي تبيَّن أنها كانت أكذوبة القرن الكبرى؟ ثمًّ، هل أن مجرمي الحرب الصهاينة، وذكر أسمائهم سيتطلب كتابة مجلًّد كبير، أكثر إتزاناً وأعلى أخلاقاً من قادة الدول الأخرى أم أنهم من الساديٍّين مصًّاصي الدماء القادرين على تدمير العالم كلًّه من أجل سلامة كيانهم؟

ثالثاً: هل أن عدو العرب هو الدولة الإسلامية الجارة إيران، وذلك بالرغم من خلافاتنا معها حول الجزر الإماراتية وفي السًّاحة العراقية وفي غيرها، أم أن عدوًّنا هو الكيان الصهيوني الغاصب المشرٍّد والمستعمر لملايين العرب والمستبيح لكل أرض العرب والطامع في ثرواتهم البترولية والمؤلًّب كل العالم على دينهم وثقافتهم وهويتهم؟ ألا يقتضي ذلك ن نقول من على كل منابرنا ومنابر الدنيا كلًّها ألف كلمة بشأن الخطر النووي الصهيوني العسكري أمام كلمة استفهام عن البرنامج النووي الإيراني؟

رابعاً: إن إيران تعرف مقدار الخطر الصهيوني النووي على أمنها، بل ووجودها، وتتصرًف لحماية نفسها، فهل حقاً أننا أمام عجزنا الدائم القيام بجهد عربي لامتلاك القدرات العسكرية النووية الموازنة للقدرات الصهيونية يجب أن نقف أمام الجهد الإيراني الذي يسعى لإيجاد توازن نووي في منطقتنا؟ ألم يبني الاتحاد السوفييتي السابق قدراته لموازنة القدرات الأمريكية والأوروبية الغربية، وتفعل الصين وكوريا الشمالية الشيء نفسه، وتبنى الهند والباكستان قدراتهما لنفس الغرض؟ فلماذا إذن هذه الانتقائية المجحفة للجارة المسلمة إيران؟ ألسنا هنا، عن قصد أو غير قصد، نسمح لأنفسنا أن نكون أدوات لتنفيذ الأجندة الغربية المدفوعة بالمطالب والضغوط الصهيونية في فلسطين المحتلًّة وفي العواصم الغربية الكبرى؟ بل دعنا نسأل أنفسنا: هل هناك أجندة عربية، وخليجية على الأخص، بالنسبة لهذا الموضوع بدلاً من تبنًّي الأجندة الأمريكية ـ الصهيونية بكل تفاصيلها؟ خامساً: دعنا نكون صريحين. ما لم نكن قادرين على إقناع العالم، كحدٍّ أدنى، بتجريد الكيان الصهيوني من قدراته النووية فانه لا يحق لنا ممارسة الهوس الطفولي المعتوه تجاه الملف الإيراني.

هناك قول لجين لا فونتين من أن أخطر الناس هم الذين لا يصدرون ضجًّة. لنلاحظ جميعاً كيف يخيٍّم على الجبهة الصهيونية النووية سكون القبور: لا ضجًّة إعلامية، لا تسريبات دبلوماسية، لا ضغوط من مجلس الأمن، لا عنتريات من سفهاء بعض القادة الغربيين. مــن تلك المقبرة ستهُّب الأخطار، كل الأخطار، بما فيها الخطر النووي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية