أشواق محبطة

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

الإبداع باب اختلاف، هذا مؤكد، فما يعجب أحدنا قد لا يعجب الآخر بالضرورة، مع ذلك لا يمكن مد الخيط إلى ما لا نهاية وإلا صارت كلمة ‘فن’ مساوية للفوضى. ولا أدري كيف من المفترض أن أستقبل فوز الفيلم المصري ‘الشوق’ لخالد الحجر بالهرم الذهبي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، هل ينتمي هذا الفوز لطبائع الاختلاف أم الفوضى؟! اللجنة التي يرأسها مخرج مكسيكي صنع فيلمين من ثلاثية محفوظ يشبهان المسلسلات المكسيكية في ثرثرتها وميلودراميتها أعطت جائزتها للحياة وليس للفن؛ فلم أر في حياتي فيلما أقل فنية من الواقع كما رأيت ‘الشوق’، وأظن أن هناك الكثيرين لهم الرأي ذاته ممن واصلوا على مدى عشرة أيام الركض بين الصالات المظلمة حبا في الفن الأكثر تعبيرا عن هشاشة الحياة وسرعة زوالها، وربما رأى آخرون رأي اللجنة. باختصار يقدم الفيلم حياة حارة في مدينة الاسكندرية وبالأساس أسرة ‘أم شوق’ التي تقوم بدورها سوسن بدر مع فتاتين في سن المراهقة وطفل وزوج معطوب الذكورة كبقية رجال الحارة، وفجأة يصاب الطفل بفشل كلوي ولا تجد الأسرة ثمن علاجه، يطلب الأب من الأم أن تسافر إلى أختها المنقطعة عنها في طنطا لتطلب المساعدة وتسافر إلى هناك وتقف بالباب حتى تراها أختها وتفر عائدة إلى محطة القطار وتتخذ طريق القاهرة بدلا من الإسكندرية وهناك تحترف التسول في رحلات منتظمة. وفي غيابها تخرج الفتاتان مع شابين وتمارسان ألعاب الهوى في سيارة ومكان مهجور، بعد أن رفضت الأم الفقيرة شابا يحب إحداهما ولا يستطيع توفير شقة مستقلة لابنتها.***الحارة مكونة من ثلاثة أو أربعة بيوت ليس أكثر، وليس هناك ما يربطها بالإسكندرية أو يبرر أن تكون هذه المدينة بالذات مسرحا للفيلم، لا مطرها المميز ولا السماء الأكثر صفاء من سماء القاهرة ولا البحر بأفقه الرحيب.

وفي هذه المساحة الخانقة من منازل شبه مهدمة تتكدس كل الكليشيهات والاكسسوارات التي كثيرا ما يجرها التمويل (أو تجر هي التمويل) حتى أن بائع شراب العرقسوس يعبر الكادر دون أن يضيف شيئا أو يستوقفه أحد ليطلب كوبا، علما بأن المصريين والمغاربة الذين يقبلون على هذا الشراب صيفا يعرفون أن بائعه لا يكون إلا في الميادين والأسواق، أي في زحام المضطرين لإطفاء عطشهم!

وما دمنا في حارة شعبية فهناك بالتأكيد الزوجة الشابة للكهل الكريه التي تجد في صبي الجيران تعويضها الجنسي مع قناع من أمومة مدعاة. والعديد من الكليشيهات والموتيفات الأخرى حملها المخرج للشخصية الرئيسية المسكينة فاطمة أو أم شوق نسبة إلى كبرى البنتين؛ فهي مختلة نفسيا وتتصل بالجان وتقرأ الفنجان وتتجسس على الجيران وتتسول وعندما تغب تجلس في مكان محدد من شقتها الفقيرة لتضرب رأسها بالحائط وفي كل مرة تأتي جارتها لتضع وسادة بين رأسها والحائط، لكنها لا تفعل ذلك في المرة الأخيرة فتموت أم شوق في مستنقع من الدم يسيل من مؤخرة رأسها.

قد ينسجم الخلل النفسي مع الاتصال بالجان، لكن أحدا لا يتصل بالجان من خلال الفنجان؛ فقارئة الفنجان تقرأ المستقبل من خلال خطوط ترسبات القهوة مثلما يقرأها البعض من خطوط الكف، وهذه الخدمة يقبل عليها الأغنياء أكثر من الفقراء، وهي بالنسبة لمن تمارسها أقيم وأكثر ربحا من التسول وكان بوسع سوسن بدر ألا تشفى في استجداء الناس طوال ثلاثة أرباع الفيلم، حيث قدمها في ورديات تسول كاملة، ولم يكتف بلقطة أو اثنتين توضحان التحول في حياتها، الأطرف أن هذه الشخصية الملفقة بآدائها المسرحي المتشنج تنسى الجن والفنجان والقهوة في حقبة التسول، وتصبح متوازنة نفسيا وكأن كل هذا مجرد ثوب ترتديه متى شاءت!

ثم إن فاطمة وكل الشخصيات الأخرى تبدو مغلقة أحادية البعد؛ فلا تشتاق قارئة الفنجان ذات المكياج المرعب إلى لحظة أنوثة ولا يهز الأمل بابا لاحدى شخصيات الفيلم. قد تكون لدى المخرج مقولة سياسية عن الخراب وافتقاد الأمل، والرؤية غالبا صحيحة، لكن الوفاء للسياسة يجرح الصدق الفني في كثير من الأحيان.***لم يكن فيلم ‘الشوق’ ما يحركني للكتابة عندما بدأت هذه الزاوية، بل الشوق للسينما والأسى على المهرجان المصري العريق؛ بل على الصناعة الثقافية لمصرية الثقيلة التي لا يبلغ المهرجان إلا ثلث عمرها، ويتعرض معها للكثير من الإكراهات التي تجعله نسيا منسيا ولا تنقصه حماقة التحكيم لتزيده بؤسا على بؤس. تداعت صناعة تحت معول الإهمال بدعوى تحرير الأسواق، وشملتها بركات اقتصاد الأقلية بقانون عجيب يقصر الدعم على الشركات العملاقة. وخلال عشرين عاما تتبنى وزارة الثقافة مهرجانا عديم النفع للمسرح التجريبي بينما تركت أصول الأفلام المصرية تتناهبها شركات قطاع خاص، جمعت الأصول بالبخس ليصب كل ذلك في شركة واحدة لملياردير سعودي يتحكم الآن في تاريخ السينما المصرية، ثم ازداد الأمر خطورة بشراكة مع الملياردير روبرت مردوخ.

المهرجان هو الآخر صار في ذيل اهتمامات الوزارة وانحصر في عروض النقاد بعد أن كان حالة مجتمعية من خلال طرح أفلامه للجمهور في الصالات العامة. تداعت صالات الدولة وبيعت للقطاع الخاص وشركاته الاحتكارية الكبرى التي تفضل الفيلم الأمريكي المضمون على التنوع الذي يقدمه المهرجان من سينما العالم شرقا وغربا، ثم كانت الإكراهات الخارجية بمولد مهرجانات الخليج الأكثر بذخا في ضيافتها ومكافآتها وجوائزها.

وعاما بعد عام أصبح العثور على فيلم جيد بمهرجان القاهرة يشبه البحث عن إبرة في صالة العرض المظلمة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية